أَنَّكَ سَمِعْتَ بِالإِسْكَنْدَرِ المَقْدونِيِّ. وَلَقَدْ جاءَ بِلادَنا بَعْدَما دانَتْ لَهُ مَمالِكُ الحِثّيِّينَ وَالفينيقِيّينَ وَالأَشورِيّينَ وَالمِصْرِيّينَ، وَمِنْها انْتَقَلَ إِلى بِلادِ (الهِنْدِ)) وَ((الصّينِ)). «سَمِعَتْ بِقُوَّتِهِ وَبَأْسِهِ بِلادُ العالَمِ، إِلَّا مَلِكا شابّا مِنْ مُلوكِ (الهِنْدِ)) يُدْعى فورَ. فَصَمَّمَ عَلى مُحارَبَةِ الفاتِحِ الغازي. وَاشْمَرى بِثَمَنِها أَقْوى الأَسْلِحَةِ وَأَفْتَكَها. جَمَعَ مِنْ بِلادِ ((الهِنْدِ)) وَ((السِّنْدِ)) الفِيَلَةَ المُحارِبَةَ وَالسِّباعَ الضّارِيَةَ. وَبَعْدَما تَمَّ لَهُ تَحْصينُ الِلادِ بالأَسْوارِ العالِيَّةِ المَنيعَةِ، «وَصَلَتْ أَخْبارُ فورَ وَاسْتِعْداداتِهِ إِلى الإِسْكَنْدَرِ، لِذا أَرْسَلَ إِلى بِلادِهِ، وَإِلى البِلادِ الخاضِعَةِ لَهُ، يَطْلُبُ أَعْظَمَ القُوَادِ، وَأَكْبَرَ المُهَنْدِسينَ وَطَلَبَ إِلَى أَمْهَرِ الصُّنَّاعِ دَيْهِ أَنْ يَصْنَعوا لَهُ خَيْلاً مِنَ النُّحاسِ جَوْفاء، إِذا دُفِعَتْ مَرَّتْ مُسْرِعَةً كَالسِّهامِ. وَبَعْدَ مُدَّةٍ وَجيزَةٍ صَنَعَ العُمَالُ مِنْ هَذِهِ الخُيولِ العَجيبَةِ عَدَداً يُوازي عَدَدَ الفِيَلةِ في الجَيْشِ الهِنْدِيِّ. أَنْ يُعَيّنوا لَهُ الوَقْتَ المُناسِبَ لِلْهُجومِ. وَقَبْلَ اليَوْمِ المُحَدَّدِ أَوْفَدَ رُسُلَهُ إِلى فورَ يَدْعوهُ إِلى طاعَتِهِ قَبْلَ فَواتِ الأَوانِ، فَكانَ جَوابُ فورَ: الحَرْبُ! الحَرْبُ! وَلا شَيْءَ سِواها! وما إِنْ شاهَدَ الإِسْكَنْدَرُ هُجومَ الفِيَلةِ الهِنْدِيَّةِ المُقاتِلَةِ حَتّى أَمَرَ قُوَّادَهُ فَدَفَعوا الخُيولَ النُّحاسِيَّةَ المُلْتَهِبَةَ، فَطارَتْ كَالسِّهامِ تَلْتَحِمُ بِالفِيَلَةِ المُدَرَّبَةِ وَالسِّباعِ الضَّارِيَةِ. (وَتَعالَتْ أصْواتُ الفِيَلَةِ وَقَدِ احْتَرَقَتْ خَراطيمُها بِالخُيولِ النُّحاسِيَّةِ المُحَمّاةِ بِالنَّارِ. وَفَقَدَ فورُ كُلَّ سَيْطَرَةٍ عَلَيْها لِهَوْلِ المُصيبَةِ وَقُوَّةِ المُفاجَأَةِ. - يا مَلِكَ ((الهِنْدِ))! انْظُرْ إِلى فِيَلَتِكَ الهارِبَةِ وَجُيوشِكَ المُنْهَزِمَةِ. وَابْرُزْ إلى مُقاتَلَتي مُنْفَرِداً. تَقَدَّمَ فورُ عَلى صَهْوةِ جَوادِهِ الأَسْوَدِ، وَدامَ القِتالُ بَيْنَ الإنْتَيْنِ ساعاتٍ طوالاً، وَخَافَ الإِسْكَنْدَرُ أَنْ تَدومَ الحالَةُ عَلى هَذا الشَّكْلِ، أَوْ أَنْ تَنْقَلِبَ النَّتيجَةُ إِلَى ما لا تُحْمَدُ عُقْباهُ، فَعَمَدَ إِلى الحيلَةِ يَنْتَصِرُ بها عَلى شَجاعَةِ فورَ. وَالْتَفَتَ فورُ إِلى الوَراءِ مُسْتَطْلِعا، ثُمَّ ضَرَبَهُ بِسَيْفِهِ ضِرْبَةً أَوْدَتْ بِحَياتِهِ. قَنَا أَى الْهُودُ ما خَلَّ بقائِدِهِمْ هَجَموا على الأسْكَثْرِ وَلَكِنْ جَيْشَ الإِسْكَنْدَرِ كانَ لَهُمْ بِالمِرْصادِ، وَلَمّا تَمْ النَّصْرُ لِلإِسْكَنْدَرِ سارَ إِلى بِلانٍ فورَ فَاحْتَلْها، سارَ إِلى بلادٍ (الصّينِ)) فاتحاً . وَاطْمَأَنَ الهُنودُ إِلَى نعمابيهِ في المَعارِكِ وَالْفُتوحِ خارِجَ أراضيهِمْ، إلى القِتالِ في سَيلِ الحُرّيْةِ وَالاسْتِقَلالِ؛ وَوَلَّوْا حُكَمَ البِلادِ شابّاً مِقْداماً مِنْ سُلالَةِ مُلوكِهِمْ يُدْعى دَبْشَليمَ، وَلَمَا وَصَلَ بُزَرْجَمِهْرُ إِلى هَذا المَكانِ مِنْ رِوايَتِهِ تَوَقَّفَ قَليلاً لِيَسْتَجْمِعَ أَنْفاسَهُ. وَإِلى مَعْرِفَةِ العَلاقَةِ بَيْنَها وَبَيْنَ ((جَوْهَرَةِ الجَواهِرِ)). الْتَفَتَ كِسْرى إِلى وَلَدِهِ وَقالَ لَهُ مُبْتَسِماً: وَدَعْنا جَميعاً نُصِبْ شَيْئًا مِنَ الطَّعامِ وَالشَّرابِ. وَبَعْدَما أَكَلوا وَشَرِبوا تابَعَ بُزَرْ جَمِهْرُ سَرْدَهُ، - تَسَلَّمَ دَبْشَلِيمُ إِدارَةَ البِلادِ، دائِمَ الخَوْفِ مِنْ عَوْدَتِهِ إِلَى البِلادِ بِجُيوشِهِ. وَبَعْدَ مُدَّةٍ تَرامَتْ إِلَيْهِ نْباءُ مَوْتِ الإِسْكَنْدَرِ وَانْقِسامِ مَمْلَكَتِهِ العَظيمَةِ بَيْنَ قُوَادِهِ، ثُمَّ أَنْباءُ القِتالِ بَيْنَ هَؤْلاءِ الْقُوّادِ؛ وَوَصَلَتِ الأَخْبارُ إِلى بَيْدَبا، فَيْلَسوفِ البِلادِ وَرَجُلِها الحَكيمِ. ثُمَّ بَدَأَتْ وُفودُ المَظْلومينَ، وَوُفودُ حُكَماءِ البِلادِ وَأَعْيانِها، طالِبَةَ أَنْ يُعينَها بِحِكْمَتِهِ عَلى دَفْعِ الظُّلْمِ عَنِ البِلادِ وَالرَّعِيَّةِ. وفي إِحْدى الأَمْسِيَّاتِ جَمَعَ بَيْدَبا تَلامِيذَهُ وَقالَ لَهُمْ: بِلادُنا في خَطَرٍ شَديدٍ: فَالعَدُوُ عَلى الأَبْوابِ، فَكَيْفَ لِلشَّعْبِ أَنْ يُحارِبَ في سَبيلِ بِلاد هُوَ فيها حَقيرٌ ذَليلٌ؟ - ما العَمَلُ با مُعَلَمْ؟ أَثِرْ عَلَيْنا بِحِكْمَتِكَ قَبْلَ فَواتِ الأَوانِ. - إِنَّ واجِبَ الحُكَماءِ وَالفَلاسِفَةِ هُوَ أَنْ يُعينوا النّاسَ في مِثْلِ هَذِهِ الأَحْوالِ. وَأَنْ نَعودَ بِهِ إِلى طَريقِ الخَيْرِ وَالصَّلاحِ. - وَكَيْفَ هَذا أَيُّها الحَكيمُ؟ أَنْتَ أَدْرى النّاسِ بِالمَلِكِ، - لَقَدْ سَمِعْتُ الكَيرَ عَنْ أَحْوالِ المَلِكِ وَأخْلاقِهِ. وَلَكِنُ صُعريَةَ المَهَمِّ لا تَحولُ دونَ قِيامي إِلى واجِبي. وَسَتكونونَ أنُّمْ بِانْتِظَاري في المَدينَةِ. فَإِنْ خَرَجْتُ مِنْ قَصْرِهِ سالِماً اجْتَمَعْنا لِاتَخاذِ الخُطُواتِ المُناسبَةِ، وَإلَّا فَمَا عَلَيْكُمْ إِلَّا التَّحَفِّي رَيْثَمَا تَنْجَلي الأُمورُ «وَعَبْئًا حاوَلَ تَلامِيذُ بَيْدَبا إِقْناعَهُ بِالتَّخَلّي عَنْ خِطَّتِهِ، فَقَدْ كانَتْ مَصْلَحَةُ البِلاد، وَفي اليَومِ التَّالي وَصَلَ بَيْدَبا وَصَحْبُهُ إِلى المَدينَةِ. ذَهَبَ يَيْدَبا وَحْدَهُ إِلى القَصْرِ، - قُلْ لِلْمَلِكِ إِنْ يَيْدَبا في البابِ، (دَخَلَ الحاجِبُ عَلى المَلِكِ فَأَخْبَرَهُ بِأَمْرِ بَيْدَبا فَأَذِنَ عَنْ سِرِّ زِيارَةِ النّاسِكِ لَهُ: «وَلَمّا سَمِعَ المَلِكُ الحاجِبَ يُعْلِنُ عَنْ دُخولِ النّاسِكِ، نَظَرَ فإِذا بِهِ إِزاءَ رَجُلٍ قَدْ لَبِسَ مُسوحَ الحُكَماءِ وَالنُّسَاكِ، تَلوحُ عَلى قَسَماتِهِ أَماراتُ الصَّراحَةِ وَالذَّكَاءِ وَالطِّيبَةِ. وَزادَ اسْتِغْرابُ المَلِكِ حينَ رَأى الفَيْلَسوفَ يَقِفُ ساكِناً لا يَفوهُ بِكَلِمَةٍ. (وَلَمّا سَمِعَ بَيْدَبا كَلامَ المَلِكِ اطْمَأَنَّ قَلُّبُهُ، وَزادَني جُرْأَةً عَلى قَوْلِ الحَقِّ. اعْلَمْ أَيَّها المَلِكُ العَظِيمُ أَنَّ البِلادَ قَدْ ضَجَّتْ بِظُلْمِكُمْ وَقَدْ خَرَجْتُ مِنْ عُزْلَتِي فَدَخَلْتُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّنِي أَنَوَصِّلُ إِلَى عَقْلِكُمْ وَقَلْبِكُمْ، وَلَعَلَّكُمْ تُصْلِحونَ مِنْ أَمْرِكُمْ قَبْلَ فَواتٍ الأَوانِ. - ماذا تَقولُ أَيُّها الوَقِحُ؟ أَذِنْتُ لَكَ بِالكَلامِ، فَإِذا بِكَ تَلْذَعُني بِجارِحِ كَلامِكَ. - أَيُّها المَلِكُ العَظيمُ بِجَبْروتِهِ! لَقَدْ قُمْتُ بِواجِبِ النُّصْحِ وَالهدايَةِ، لَعَلّنِي أُنْقِذُ بِلادي وَعَرْشَكَ مِنَ الهَلاكِ. وَضَبابَ الجَهْلِ يُعْمِي عَيْنَيْكَ. فَإِنَّ مَنْ قامَ بِواجِبِهِ لا يَهابُ المَوْتَ. (وَما إِنْ خَرَجَ الحُرّاسُ بِبَيْدَبا حَتّى أَرْسَلَ دَبْشَلِيمُ يَأْمُرُهُمْ يحَمْ إلِى السَحْنِ مِنْ عَبْرِ أَنْ يُصْلَبَ. فَقَامَ إِلَى شُرْفَةِ غُرْفِتِه يَرْقُبُ الكوْنَ مِنْ حَوْلِهِ. فَغَرِقَ في سِرِّ تَكوينِها، جاهِلٌ إِزاءَ خُلودِها؛ وَيَشْرَحُ لَهُ أُمورَها؟ وَكَمِئْلِ الْتِماعِ البَرْقِ بَيْنَ الغُيومِ، هَكَذا الْتَمَعَتْ صورَةُ بَيْدَبا في خاطِرِ دَبْشَليمَ! في تِلْكَ السّاعَةٍ مِنَ اللَّيْلِ، وَالكَوْنُ حَقيقَةٌ وَجَمالٌ، أَدْرَكَ المَلِكُ عَظَمَةَ العِلْمِ وَقَدْرَ أصْحابِهِ، لَقَدْ أرادَ لفَيْلَسوفُ لِلْبِلادِ السَّعادَةَ، نُغَضَ المَلِكُ لِهَذِهِ الفِكَرِ أَلَماً وَنَدَماً . وفي الحالِ أَمَرَ بِإِحْضَارِ يَبَدَبا، فَلَمَا مَثُلَ بَيْنَ يَدَيْهِ قالَ لَهُ - أَبْها الفَيْلَسوفُ الصّالِحُ! لَقَدْ أَسَأْتُ إِلَيْكَ وَظَلَمْتُكَ، كما أَسَأْتُ إِلى بِلادي وَظَلَمْتُ شَعْبِي. فَهَلَا تَقْبَلُ وَتَغْفِرُ؟ وَيُسْعِدُ أَيَّامي. «وَفِي اليَوْمِ التَّالي قَلَّدَ المَلِكُ بَيْدَبا الوِزارَةَ، وَتَحَسَّنَتِ التِّجارَةُ وَالصِّناعَةُ وَالزِّراعَةُ. وَاطْمَأَنَّ المُلوكُ المُجاوِرونَ إِلى سِياسَةِ دَبْشَلِيمَ الجَديدَةِ، (وَأَرادَ دَبْشَلِيمُ أَنْ يُعَوِّضَ ما فاتَهُ مِنْ مَعْرِفَةٍ، فَانْصَرَفَ إِلى خَزائِنِ أَجْدادِهِ يُخْرِجُ مِنْها ما حَوَتْ مِنْ جَواهِرِ العِلْمِ؛ وَنَصائِحَهُ، الصالحينَ. «اسْتَدْعى بَيْدَبا وَقَالَ لَهُ: فَضْلاً عَنِ العِلْمِ وَالحِكْمَةِ، وَلْيَكُنِ اللهُ في عَوْنِكَ. وَجَمَعَ ما حَوَتْ خَزائِنُ (( الهِنْدِ)» مِنْ أَدَبٍ وَحِكْمَةٍ. ثُمْ انْصَرَفَ إِلى العَمَلِ في دارَةٍ جَميلَةٍ أُعِدَّتْ لَهُ خارِجَ المَدينَةِ (قَسَمَ بَيْدَبا الكِتابَ أَرْبَعَةَ عَشَرَ باباً، بَعِيدَةُ التَّوْجيهِ. وَلَمَا حَلَّ المَوْعِدُ المُعَيِّنُ حَمَلَ بَيْدَبا كِتابَهُ إِلى المَلِكِ، فَأَرْسَلَ دَبْشَلِيمُ وُفودَهُ تَدْعو عُلَماءَ البِلادِ وَرِجالاتِها وَقُوَّادَها لِيَحْضُروا قِرَاءَةَ الكِتَابِ. وَجَلَسَ عَنْ يَمِينِهِ كِبارُ مَمْلَكَحِهِ، وَعَنْ يَسارِهِ عُلَماؤُها. أَمّا المَلِكُ فَقَدْ أَوْمَاَ إِلَيْهِ مُبْتَسِماً وَأَجْلَسَهُ عَنْ يَمِينِهِ. وَأَخَذَتْهُمْ فيها نَشْوَةٌ مِنَ اللَّذَّةِ وَالسَّعادَةِ لا توصَفُ. وَلا بِأَعْمَقَ مِنْهُ لَذَّةً. فَإِنَّ كتابَكَ لا يُقَدَّرُ بِثَمَنٍ! وَأَنْ يَأْمُرَ بِالحِرْصِ عَلَيْهِ - إِنَّ طَلَبَكَ واجِبٌ مُقَدَّسٌ. وَهُوَ اسْمُ الكِتابِ الَّذي كَتَبَهُ بَيْدَبا، أَعْظَمِ مَكْتَباتِ مُلوكِ ((الهِنْدِ) قاطِبَةً. جَوْهَرَةُ الجَواهِرِ، مَحْفوظاً في خَزائِنِ ((بَيْتِ الحِكْمَةِ)»، وَلَمَا أَنْهِى بُزَرْجَمِهْرُ كَلامَهُ نَظَرَ كِسْرى إِلى وَلِيِّ عَهْدِهِ وَرَأْسُ كُلِّ عِلْمٍ، وَأَساسُ كُلّ يُتْقِنُ الفارِسِيَّةَ وَالهِنْدِيَّةَ. بَعْدَ طولِ بَحْثٍ وَتَدْقيقٍ، إِنَّ حَياتي وَعِلْمي في سَبِيلِ مَليكي وَبِلادي. - بَلَغَني أَنَّ كِتاباً هِنْدِياً، مُحْتَوَيَاتِهِ إِلَيْنا. - سَمْعاً وَطاعَةً يا مَوْلايَ!