رابعا: جهود العلماء في ترسيخ وسطية القيم الإسلامية ومكافحة الأفكارالمنحرفة :للعلماء جهود كبيرة في تصحيح ما اعوج من أخلاق البشر، وحثهم إلى التمسك بالأخلاق الحميدة والابتعاد عن الأخلاق السيئة. وهم على ذلك سائرون ومقتدون على نهج النبي الكريم لله الذي زكاه الله بحسن خلقه فقال : وإنك لعلى خلق عظيم : وإذا انحرف الداعية في أخلاقه، خاصة والناس عموما صاروا معولاً لهدم القيم وتنفير المدعوين عن دعوة الحق ، ومن أبرز صور الانحراف الخلقي ما يأتي :1- الشدة والغلظة والفظاظة: وهو مفتاح للقلوب المؤصدة، كما أن القسوة والشدة والغلظة من أسباب رد الحق ، وحسنت لهم خلقك ، فاجتمعوا عليك وأحبوك، وامتثلوا أمرك، فَظًّا أي : سيئ الخلق غَلِيظَ الْقَلْبِ ) أي : قاسيه ،فالأخلاق الحسنة من الرئيس في الدين، تجذب الناس إلى دين الله، مع ما لصاحبه من المدح والثواب الخاص، والأخلاق السيئة من الرئيس في الدين تنفر الناس عن الدين، وتبغضهم إليه ، مع ما لصاحبها من الذم والعقاب الخاص) (۱) . عن أبيه، وَبَشِّرَا وَلَا تُنَفِّرَا ، وَتَطَاوَعَاوَلَا تَخْتَلِفًا» (1) .٢- قلة الصبر والتبرم من المدعوينالصبر مطية الإمامة في الدين ، قال تعالى : ﴿وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَنَا صَبَرُوا وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يُوقِنُونَ ﴾ (سورة السجدة : ٢٤)، ومن قل صبره قلت بـ بركة دعوته ، ولهذا أكثر الله وصية نبيه والدعاة من قبله بالصبر والثبات واليقين، كما قال رب العالمين : ﴿فَاصْبِرْ كَمَا صَبَرَ أُولُوا الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ وَلَا تَسْتَعْجِلُ لَهُمْ كَأَنَّهُمْ يَوْمَ يَرَوْنَ مَا يُوعَدُونَ لَم يبنوا إِلَّا سَاعَةَ من نهار بلغ فَهَلْ يُهْلَكُ إِلا الْقَوْمُ الْفَاسِقُونَ [سورة الأحقاف: (٣٥) ،ولهذا من أوجه الانحراف الخلقي عند بعض الدعاة قلة الصبر على جفاء المدعوين، والتبرم من سوء فعالهم، فالداعية لا بد أن يوطن نفسه على الصبر على الأذية، قال تعالى : ﴿لَتُبْلَونَ فِي أَمْوَالِكُمْ وَأَنفُسِكُمْ وَلَتَسْمَعُنَ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِن قَبْلِكُمْ وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا أَذَى كَثِيرًا وَإِن تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ) [سورة آل عمران : ١٨٦) . وَيَنْهَى عَنِ الْمُنْكَرِ فَلْيُوَطِّنْ نَفْسَهُ عَلَى الصَّبْرِ عَلَى الْأَذَى ،٣ بذاءة اللسان وقلة الحياء: أسوة بخير الأنام، وكان يقول : «إِنَّ مِنْ خِيَارِكُمْ أَحْسَنَكُمْ أَخْلَاقًا» (۳) .وعَنْ أَنَسِ الله ، قَالَ : لَمْ يَكُنْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَاحِشًا، وَلَا لَعَّانًا ، وَلَا سَبَّابًا ،كَانَ يَقُولُ عِنْدَ المَعْتَبَةِ : مَا لَهُ تَرِبَ جَبِيتُهُ (۱) .فلو أن الداعية أطلق لسانه بالسباب واللعان في معرض الرد على المخالف أو عند الخصومة ازدراء الناس وقالوه واطرحوا دعوته لما يرونه ويسمعونه من بذيء كلامه .٤- الكذب والافتراء:الصدق أساس الديانة والاستقامة، وهو الهادي لكل خير وبر وإحسان والداعية إذا صدق في قيله وفعاله أقبل المدعوون بقلوبهم ووجوههم إليه . كما قال هرقل في شأن النبي ﷺ : «أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ لِيَذَرَ الكَذِبَ عَلَى النَّاسِ وَيَكْذِبَ عَلَى الله (٢).أما إذا سار الداعية بالكذب بين الناس ازدروه ومقتوه، وأعظم ما يكون الكذب ما كان متعلقا بالدين وبسنة سيد المرسلين، وعن الزبير بن العوام الله أن النبيقال : مَنْ كَذَبَ عَلَيَّ فَلْيَتَبَوَّأْ مَقْعَدَهُ مِنَ النَّارِ) (۳) . وفي ذلك دليل على أنه إنما أمر أن يبلغ عنه الصحيح دون السقيم، والحق دون الباطل ، لا أن يبلغ عنه جميع ما روي ؛ لأنه قال : «كَفَى بِالْمَرْءِ كَذِبًا أَنْ يُحَدِّثَ بِكُلِّ ما سَمِعَ ) ، فمن حدث بجميع ما سمع من الأخبار المروية عن النبي ﷺ ولم يميز صحيحها من سقيمها ، وحقها من باطلها ، باء بالإثم، وخيف عليه أن يدخل في جملة الكاذبين على رسول الله ﷺ بحكم رسول الله ﷺ أنه منهم (1) .ولا فرق في تحريم الكذب عليه لما كان في الأحكام، وما لا حكم فيه كالترغيب والترهيب وغير ذلك، فكله حرام من أكبر الكبائر وأقبح القبائح، كما قال الإمام النووي (٢) .٥- ترك الزهد والتوسع في المباحإن توسع الداعية في المباحات يصدّ الناس عن دعوته، خصوصا إن كان يدعوهم للزهد والتقلل من الدنيا وهم يرونه متوسعا فيها، وليس في هذا تحريم لما أحل الله من الطيبات وإنما التوسع الزائد موجب للصد عن دعوة الحق .قال الجنيد لحم لله : اعلم رضي الله عنك أن أقرب ما استدعي به قلوب المريدين، ونبه به قلوب الغافلين، وزجرت عنه نفوس المتخلفين، ما صدقته من الأقوال جميع ما اتبع به من الأفعال، فهل يحسن يا أخي أن يدعو داع إلى أمر لا يكون عليه شعاره؟ ولا تظهر منه زينته وآثاره؟ وألا يكون قائله عاملا فيه بالتحقيق ؟ وبكل فعل بذلك القول يليق ؟وأفك من دعا إلى الزهد وعليه شعار الراغبين، وأمر بالترك وكان من الآخذين، وحث على الاجتهاد ولم يكن من المجتهدين، إلا قل قبول المستمعين لقيله ، ونفرت قلوبهم لما يرون من فعله، وكان حجة لمن جعل التأويل سببًا إلى اتباع هواه، ومسهلا لسبيل من آثر آخرته على دنياه (۳) .٦- الكبر والعجب بالنفسينبغي للداعية أن يكون أبعد الناس عن خلق الكبر والاعتداد بالنفس، وقد ورد النهي والتحذير من الكبر لعموم الناس وهو في حق الداعية أشد نهيا ، وَالْكِبْرِيَاءُ رِدَانِي ، فَمَنْ نَازَعَنِي بِشَيْءٍ مِنْهُمَا عَذَّبْتُهُ ) .ولهذا قال عمر بن الخطاب الله للحارث بن معاوية الكندي : أخشى عليك أن تقص فترتفع عليهم في نفسك، ثم تقص فترتفع حتى يخيل إليك أنك فوقهم بمنزلة الثريا ، فيضعك الله تحت أقدامهم يوم القيامة بقدر ذلك (٢)، ومن ذلك الكبر بالعلم والنسب والمال والجاه وغير ذلك من وجوه الكبر المذموم . ثالثا: العالمية: مفهومها وأهميتها وآثارهاأولا: مفهوم العالمية:ا مفهوم العالمية في اللغةكلمة (العالمية) مبنية على ثلاثة أحرف، وهي : العين واللام والميم، وقد قال ابن فارس عنها : «الْعَيْنُ وَاللَّامُ وَالْمِيمُ أَصْلٌ صَحِيحٌ وَاحِدٌ ، يَدُلُّ عَلَى أَثَرِ بِالشَّيْ يَتَمَيَّرُ بِهِ عَنْ غَيْرِهِ (۳) ، وَذَلِكَ أَنَّ كُلَّ جِنْسِ مِنَ الْخَلْقِ فَهُوَ فِي نَفْسِهِ مَعْلَمُ وَعَلَمٌ ، وَقَالَ قَوْمٌ : الْعَالَمُ سُمِّيَ لِاجْتِمَاعِهِ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى : ﴿وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ ، قَالُوا : الْخَلَائِقُ أَجْمَعُونَ (4) ، وقال الفيروز آبادي : «والعالَمُ : الخَلْقُ كُلُّهُ ، أو ما حواهُ بَطْنُ الفَلَكِ ) ، وجاء في معجم اللغة العربية المعاصرة قولهم : عالمية مفرد : اسم مؤنث منسوب إلى عالم (1) .ب مفهوم العالمية في الاصطلاحقبل تحديد مفهوم العالمية المختص بموضوعنا هذا : أحب أن أشير إلى اختلاف العلماء في تحديد معنى لفظ (العالمين) الوارد في الآية، فمنهم من فسره بأربعة أجناس، وهم الملائكة والإنس والجن والشياطين، وأنه لا تدخل فيه البهائم والطير وغيرها ؛ لأنها لا تعقل، ومنهم من فسره بكل ما خلق الله في الدنيا والآخرة (1) .قال ابن كثير رحم الله : قال الزجاج : العالم كل ما خلق الله في الدنيا والآخرة .قال القرطبي : وهذا هو الصحيح أنه شامل لكل العالمين؛ والعالم مشتق من العلامة (قلت) : لأنه علم دال على وجود خالقه وصانعه ووحدانيته (۲) .فبالنظر إلى هذه المعاني اللغوية والاصطلاحية للفظ (العالمية) يتبين معنى العالمية المراد منه في هذا الموضوع، وهو : دلالة على عالمية شمول القيم الإسلامية على جميع الأجناس في العالم دون تمييز بينهم بجنس، أو لون أو قوم أو لغة - وغير ذلك ، وأن الأوامر التطبيقية لها تشمل جميع من في أقطار الدنيا من الجن والإنس وغيرهم على حد سواء .إن أهمية العالمية في القيم الإسلامية واضحة وجلية، ومضمونها تدل على وجوب شمولها للجن والإنس في العالم الأجمع بدون تمييز بينهم في القبائل والجنسيات والألوان، ومما يدل على ذلك أدلة كثيرة منها ما يأتي :1 - أن القيم الإسلامية موجه لمن في العالم من الناس . قال تعالى : يايهاالنَّاسُ إِنَّا خَلَقْتَكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَى وَجَعَلْنَكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَنْقَنَكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ (سورة الحجرات: (۱۳)، فيوجه الله تعالى خطابه للعالمين، ويتضمنتنبيههم بأن تنوع القبائل والشعوب للتعارف فقط، ويجب على الجميع التحلى بتقوى الله تعالى، وهي من أسمى كمالات الأخلاق .-۲ أن القيم الإسلامية رحمة للعالم أجمع : قوله تعالى : وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلا رحمة للعالمين أسورة الأنبياء: ۱۰۷، فالله تعالى أرسل نبيه رحمة للعالمين التوجيههم إلى المحاسن العقدية والتعبدية والأخلاقية – وغيرها – دون تمييز بينهم بقبائل ولغات وألوان وغيرها . أي : أرسله رحمة لهم كلهم، فمن قبل هذه الرحمة وشكر هذه النعمة، سعد في الدنيا والآخرة، ومن ردها وجحدها خسر في الدنيا والآخرة» (١) .٣- هدف القيم الإسلامية هي إنذار الإنس والجن : قوله تعالى : تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ، لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيرًا ﴾ (سورة الفرقان: (١)؛ وتتبين هذه الآثار ومظاهرها في عدة نقاط منها ما يلي :1- أن العالمية تميز الأخلاق الإسلامية عن غيرها من الأخلاق ، فتكون منفرد في عدلها وانتشارها وتيسيرها ورأفتها للخلق – وغير ذلك ؛ ولذلك لقيت كثيرا من الإقبال في كل المجتمعات والقبائل بمختلف أجناسهم في مشارق الأرض ومغاربها دون غيرها من القيم، وهذا يُصدق قوله تعالى : ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ ﴾ (سورة الأنبياء. ١٠٧)، فرحمته لهم أثمرت الإقبال للإسلام وعقيدته الصافية وأخلاقه الكاملة - وغير ذلك من أنواع العبادات .2- أن العالمية تعطي كل أحد شعور الاشتياق للانتماء لهذه القيم دون أي إحساس يعزله عنها ، وذلك لأن خطاب القرآن الكريم يتوجه إلى الجميع دون تمييز بينهم ، ومثال على ذلك قوله تعالى : ﴿قُلْ يَتَأَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ يُحْيِي وَيُمِيتُ فَتَامِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ النَّبِيِّ الْأُمِّي الَّذِي يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَكَلِمَاتِهِ، وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ (سورة الأعراف : ١٥٨] .قال ابن كثير رحم الله - في تفسيره لهذه الآية - : يقول تعالى لنبيه ورسوله محمد قل يا محمد : يَأَيُّهَا النَّاسُ ، وهذا خطاب للأحمر والأسود، والعربي والعجمي ،فكما تلاحظ في هذه الآية أن الله تعالى يعلن للخلق كلهم أن رسالة نبيه ﷺ الحامل لكثير من القيم الإسلامية الحقة تشمل الناس كافة دون تفريق بينهم ، أي : مكان في العالم ومن ؛ أي : جنسية وقبيلة كانت يشعر بفخر واعتزاز به ، وهو من أهم الآثار الإيجابية لخصيصة العالمية في القيم الإسلامية .٣- أن العالمية جعلت القيم الإسلامية تنتشر في العالم الإسلامي وفي الأقليات الإسلامية دون تفاوت بينها ، فتجد القيم الإسلامية التي في قارة أفريقيا هي نفسها التي في قارة آسيا وأوروبا وأمريكا - وغيرها من المجتمعات، ولم تنتشر هذه القيم بالترويجات الإعلامية الكاذبة، ولا بالقوة العسكرية القاسية ؛ وبالحكمة والموعظة الحسنة والمجادلة بالتي هي أحسن .رابعا: السماحة واليسر . مفهومها وأهميتها وآثارهاأولا: مفهوم السماحة واليسر في القيم الإسلامية:أ‌- مفهوم السماحة واليسر في اللغةالسماحة لغة من كلمة (سمح)، قال ابن فارس : «السِّينُ وَالْمِيمُ وَالْحَاءُ أَصْلُ يَدُلُّ عَلَى سَلَاسَةٍ وَسُهُولَةٍ ، يُقَالُ سَمَحَ لَهُ بِالشَّيْءِ، وَرَجُلٌ سَمْحٌ، وَقَوْمُ سُمَحَاءُ وَمَسَامِيحُ ، وَيُقَالُ : سَمَّحَ فِي سَيْرِهِ، إِذَا أَسْرَعَ ) .وأما اليسر في اللغة فمن كلمة (يسر)، قال ابن فارس : «الْيَاءُ وَالسِّينُ وَالرَّاءُ : أَصْلَانِ يَدُلُّ أَحَدُهُمَا عَلَى الْفِتَاحِ شَيْءٍ وَخِفَّتِهِ، وَالْآخَرُ عَلَى عُضْرٍ مِنَ الْأَعْضَاءِ، فَالْأَوَّلُ: الْبُسْرُ : ضِدُّ الْعُسْرِ وَالْيَسَرَاتُ : الْقَوَائِمُ الْخِفَافُ . وَيُقَالُ : فَرَسٌ حَسَنُ التيْسُورِ، أَيْ حَسَنُ نَقْلِ الْقَوَائِمِ . أَيْ حَسَنُ الانْقِيَادِ. وَالْيَسَارُ : الْغِنَى وَتَيَسَّرَ الشَّيْءُ وَاسْتَيْسَرَ وَيُسْرٌ : مَكَانُ (٢)، ومعنى كونها محمودة : أنها لا تفضي إلى ضرر أو فساد (۳) .عن جابر بن عبد اللهِ ما أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ : رَحِمَ اللَّهُ رَجُلًا سَمْحًا إِذَا (۱) بَاعَ وَإِذَا اشْتَرَىٰ وَإِذَا اقْتَضَى (1) .ثانيا: أهمية السماحة والتيسير في القيم الإسلامية: وهذه الخصال وأمثالها قد جاء الحث عليها في القرآن الكريم والسنة النبوية، ومن الأدلة الحاثة عليها ما يأتي :1- أنها سبب في التقارب والاجتماع والألفة : قال تعالى : ﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِّنَ اللَّهِ لِنتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ (سورة آل عمران : ١٥٩] . لقوله بعد ذلك : غَلِيظ القلب ؛ أي : لو كنت سيئ الكلام قاسي القلب عليهم لا نفضوا عنك وتركوك، وألان جانبك لهم تأليفا لقلوبهم، كما قال عبد الله بن عمرو : إنه رأى صفة رسول الله الله في الكتب المتقدمة : أنه ليس بفظ ، ولا غليظ ، ولا سخاب في الأسواق، ولا يجزي بالسيئة السيئة، من الله عليك أن ألنت لهم جانبك، وخفضت لهم جناحك، وترققت عليهم، وحسنت لهم خلقك ، فاجتمعوا عليك وأحبوك ، ﴿ وَلَوْ كُنتَ فَظًّا ؛ أي : سيئ الخلق غليظ القلب ) ؛ أي : قاسيه ، لأَنفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ ، لأن هذا ينفر هم ويبغضهم لمن قام به هذا الخلق السيئ. فالأخلاق الحسنة، تجذب الناس إلى دين الله، وترغبهم فيه، مع ما لصاحبه من المدح والثواب الخاص، والأخلاق السيئة تنفر الناس عن الدين، وتبغضهم إليه ، مع ما لصاحبها من الذم والعقاب الخاص، فهذا الرسول المعصوم يقول الله له ما يقول ، فكيف بغيره ؟! أليس من أوجب الواجبات وأهم المهمات، الاقتداء بأخلاقه الكريمة، ومعاملة الناس بما يعاملهم به ، من اللين وحسن الخلق والتأليف، امتثالا لأمر الله، وجذبًا لعباد الله لدين الله ، ثم أمره الله تعالى بأن يعفو عنهم ما صدر منهم من التقصير في حقه ، وهي : لين القول والقلب، وبعيد عن السخاب والقسوة والإساءة للآخرين بظلم وعدوان، فهو لين الجانب في تعامله مع الآخرين وفق ما شرعه الله تعالى .۲- امتنان الله له أن بعث إلينا رسولاً رؤوفًا رحيما بأصحابه وأتباعه : قال تعالى: ﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُمْ حَرِيفٌ عَلَيْكُم بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَّحِيمٌ [سورة التوبة : ١٢٨] .فقد وصف الله تعالى نبيه هنا بالرأفة والرحمة لأصحابه، وأثنى على حرصه الشديد لهداية قومه إلى الحق، ومعرفة ما يشق عليهم وحل مشاكلهم ،٣- حث الله له الدعاة أن يلتزموا بخصال مدارها على اليسر والسماحة فى دعوتهم: قال تعالى : ادع إلى سبيل ربك بالحكمة والمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَحَدِلهم بالتي فى أَحْسَنُ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَن ضَلَّ عَن سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ (سورة النحل : ١٢٥). وهي : دعوة الناس إلى الإسلام بالحكمة لا بالعنف والقتل والدمار وإراقة دماء الأمنين، والموعظة الحسنة لا بالسب والشتم وتكفير المسلمين بظلم وعدوان، والمجادلة بالتي هي أحسن لا بالحيل والأكاذيب والاعتداء والظلم والفجور في الخصومة، والمعاقبة بالمثل والمنع منعا باتا مجاوزة الحد فيها، وعدم التأثر بمكائد المعتدين، والالتزام بالإحسان .٤-الحث على التعامل مع غير المسلمين بالبر والعدل : قال تعالى : ولَا يَنْهَاكُرُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَوْ يُخْرِجُوكُم مِّن دِبَارِكُمْ أَن تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ إِنَّمَا يَنْهَنكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ قَتَلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَأَخْرَجُوكُم مِّن دِيَارِكُمْ وَظَهَرُوا عَلَى إِخْرَاجِكُمْ أَن تَوَلَّوْهُمْ وَمَن يَتَوَلَّهُمْ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ ﴾ [سورة الممتحنة: ٨-٩) . يأمر الله تعالى في هذه الآية على البر والعدل حتى مع غير المسلمين المسالمين، وهو من أكبر خصال القيم الإسلامية القيمة، والمكافأة بالمعروف، والقسط للمشركين ، حيث كانوا بحال لم ينتصبوا لقتالكم في الدين والإخراج من دياركم، فليس عليكم جناح أن تصلوهم ، فإن صلتهم في هذه الحالة لا محذور فيها ولا مفسدة كما قال تعالى عن الأبوين المشركين إذا كان ولدهما مسلما : وَإِن جَهَدَاكَ عَلَى أَن تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلَا تُطِعْهُمَا وَصَاحِبَهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا وَاتَّبِعْ سَبِيلَ مَنْ أَنَابَ إِلَى ثُمَّ إِلَى مَرْجِعُكُمْ فَأُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ) (سورة لقمان : ١٥)ثالثا: آثار السماحة واليسر في القيم الإسلامية:للسماحة واليسر في القيم الإسلامية آثار إيجابية واضحة، ومن أهم تلك الآثار :1- التدرج في دعوة حديثي العهد بالإسلاموهو من آثار السماحة واليسر ، فَإِذَا عَرَفُوا اللَّهَ ، فَأَخْبِرْهُمْ أَنَّ اللَّهَ قَدْ فَرَضَ عَلَيْهِمْ خَمْسَ صَلَوَاتٍ فِي يَوْمِهِمْ وَلَيْلَتِهِمْ ، فَإِذَا فَعَلُوا ،