على تاريخ العلاقة بين الطرفين، وسأركز الحديث على الجانب الاستشراقي محاولاً في ذلك أن أبين فداحة الخلل الذي ترتب على قلة تمكن أولئك النفر المثقف الذين كانوا يمثلون الغرب في تعامله مع المسلمين من خلال اللغة العربية بوصفها أهم لغة لفهم الإسلام والمسلمين، وسأعتمد في رسم الصورة على البحوث الاستشراقية - ما أمكن - على أن الأمر يحتاج إلى ما يكمله ببحث في المصادر العربية عن صلة المسلمين باللغات الأوروبية عبر القرون الطويلة الماضية . لم يلتفت الأوروبيون في العصور الوسطى إلى أهمية اللغة العربية، ويؤكد «رينو» هذا المفهوم بقوله : والمسيحيون من جهتهم لم يكونوا ليفكروا في تلك العصور التي ساد فيها الجهل والبربرية في بلدهم في تعلم اللغة العربية، والتاريخ لا يحدثنا في هذا السياق إلا عن كاهن واحد وهو رئيس سانت جال واسمه هارتموت Hartmate الذي كان درس في حوالي سنة ۸۸۰م اللغة العربية إلى جانب العبرية واليونانية (١٢) ، وأغْرَبُ من هذا أن اللاهوتيين البيزنطيين كانوا أقرب إلى المسلمين موقعاً، والحرب سجال بينهم وبين المسلمين، وحاجتهم إلى العربية أشد من حاجة الأوروبيين، غير أن «جهلهم بالعربية قد منع عنهم كل اتصال مباشر بالرسالة القرآنية على حد تعبير بلاشير (۱۳) . وتلفيق التهم المزعومة ضد الإسلام . ولم تكن عامة الناس في أوروبا تفهم الذي يجري في بلادهم بل صعب عليهم أن يفهموا موقف الفاتحين : فمتى استسلم بلد من تلقاء نفسه كان المنتصرون يحترمون ممتلكات المنشآت الدينية . وأما البلدان التي لا تستسلم . إلا بالقوة فهي تتعرض لعنف الاحتلال (١٤) . فإن قبلوا غدوا جزءاً من المجتمع الإسلامي، وإلا عُرضت عليهم الجزية يدفعونها، لا شك في أن هذه المعلومات كانت خافية في كثير من الأحيان على أبناء الفهم. وكان القساوسة يقومون بمهمة المترجم الذي ينقل آراء الفاتحين وذلك بحكم تصدر القساوسة ورجال الدين النصراني لزعامة شعوبهم سياسياً وثقافياً، وقد جمع هؤلاء - إلى جهلهم باللغة - حنقهم على الإسلام والمسلمين فكان من الطبيعي أن ينقلوا إلى أقوامهم آراء المسلمين بتحريف شديد، كيف لا . وهم لا يفهمون كلمة الإسلام إلا على أنها مرادفة للإلحاد. ولا يفهمون كلمة مسلمين إلا على أنها مرادفة للقتلة. وقد ظل هذا الموقف مرافقاً لعلاقاتهم بالمسلمين، الذي زار فلسطين سنة ١٣٢٣م ، فإن هذا الراهب الإيرلندي قل أن يذكر المسلمين دون أن ينعتهم بنحو «خنازير» و «حیوانات . وأبناء بعل وعباده . وأبناء سدوم . (١٥) . ويبدو أن الأوروبيين، وعلى مدى أزمنة طويلة، رأوا أن الحل الأمثل للتعامل مع المسلمين هو القضاء عليهم عسكرياً، فإذا كان هذا هو الحل فلا داعي ، إذن، ففي هذا مضيعة للوقت، وقد أعرب عن هذا الهدف «رامون لول Ramon Lull ) بعد سقوط عكا في أيدي المسلمين عام ۱۲۹۱ بعد أن تنامى إلى أسماع الأوربيين نبأ الانتصار الإسلامي، قال «لول» فيما أورده عنه سوذرن»: «إذا عاد المبتدعون (النساطرة) عن بدعتهم، واعتنق التتار المسيحية فيمكن القضاء بسهولة على السرازانيين (١٦) يعني المسلمين. وقد علق سوذرن بعد أن أورد هذا النص بقوله : وعلى هذين الأمرين كانت أوروبا قد عقدت الأمال، بيد أننا نلاحظ أن متشدّد ميورقة (رامون لول) يتحدث عن القضاء على المسلمين، لا عن هدايتهم. الاتجاه الفكري في أوروبا والدعوة إلى حرب المسلمين ثقافياً : ولكن هذا الرأي الذي ذهب إليه «لول لم يكن ليمثل الرأي الأوروبي في عمومه، فقد ظهرت قبل ذلك وبعده آراء تحث على ضرورة التعرف عن كتب على أفكار المسلمين ولغاتهم، وعلى هذا فقد استخف أصحاب هذا الرأي بالأسلوب ونشطوا في الدعوة إلى تنصير المسلمين. وقد دعا إلى هذا الاتجاه وفي فترة مبكرة رئيس دير كلوني Cluny المعروف باسم بطرس المبجل Petrus Venerabilis الذي تبنى فكرة ترجمة القرآن للمرة الأولى . - فترجمه الإنجليزي روبرت كتون Robert Ketton إلى اللاتينية سنة ١١٤٣م . وكانت هذه الخطوة أول استثمار للغة العربية . وقد كان ذلك جزءاً من مخطط عام يدعو إلى تنصير المسلمين من خلال تشكيكهم في معتقداتهم - أي بالوسائل الثقافية بدلاً من قوة السلاح (۱۷) . . وقد كشف عن هذا المخطط الراهب بطرس المبجل حيث وجه خطاباً للمسلمين قال فيه : إنني لا أهاجمكم كما يفعل كثيرون بيننا بالسلاح، إنني أوجه إليكم كلمات فقط، بغير عنف، وبتعقل وهدوء من غير كراهية وبحب كبير . . . وقال في تسويغ إقدامه على ترجمة القرآن الكريم، وهذا هو الشأن في العمل الذي أقوم به هنا، فإذا لم يكن بهذا الطريق إعادة المسلمين إلى المسيحية الصحيحة، فلا أقل من أن يستفيد العلماء المسيحيون من عملنا في مجال دعم إيمان المسيحيين السذج الذين يمكن أن تضير هذه الصغائر فهل يعني ذلك أن عقبات اللغة بدأت تزول ؟ يعقب سوذرن» بعد أن أورد الخطاب السابق لبطرس قائلاً: «أما آمال بطرس المبجل في هداية المسلمين إلى محاسن المسيحية الكاثوليكية فقد خابت أيضاً، إذ بقيت نداءاته إلى المسلمين حبيسة كلمات اللغة اللاتينية (۱۸) . فاللغة إذن : كانت جداراً سميكاً يحول دون أن يسمع أي من الطرفين صوت الآخر، وقد عبر عن هذا جوزيف رينو بقوله : من المعروف أن العرب عموماً لا يهتمون باللغات الأجنبية في القديم (۱۹). ۱۷) مر بنا أن «رامون لول» كان يُمثل اتجاهاً داعياً إلى التخلص من المسلمين بالقضاء عليهم، وأما بطرس المبجل فيمثل الرأي الداعي إلى القضاء على خطر المسلمين بتنصيرهم، وقد أشار «بلاشير ص ١٥ إلى جوهر الروح العدائية بين «لول» و «بطرس حيث أشار إلى أن مبادرة بطرس إلى الترجمة، انتقلت عن ذهنية الحروب الصليبية . والدليل على ذلك في الحماسة التبشيرية عند ريمون لول . ۱۸) سوذرن، ص ۸۰ (۱۹) «رينو» ص ٢٤٦ . وأود أن ألفت الانتباه إلى أن هذا ليس سياسة إسلامية. فمن المعلوم أن الرسول ﷺ أقر زيداً على تعلمه اللغة العبرية ولم ينكر الإسلام عموماً على أحد تعلم = وقد شعر المبعوث البابوي Wilhelm Postel بحرج شديد حين أتيحت له الفرصة ليناظر المسلمين والبوذيين سنة ١٢٥٤م في منغوليا في حضرة الخان المنغولي الأكبر. فقد أحس فلهلم» بحسرة شديدة لأنه سيناظر المسلمين والبوذيين وهو لا يُحسن أي لغة شرقية . وقد كان الموقف خطيراً فريداً، فلعلها المناظرة الأولى من نوعها بين أصحاب هذه المفاهيم، وهو حلم الأوروبيين الأكبر الذي إذا تحقق أصبح المغول ـ وهم أصحاب الكفة الراجحة على المسلمين عسكرياً - قوة نصرانية جديدة تضاف إلى قوة أوروبا النصرانية في حرب المسلمين وإبادتهم (۲۰) . النوايا التنصيرية وجهل أوروبا بالإسلام: إن محاولة الاتجاه الداعي إلى عقم المحاولة العسكرية في مواجهة المسلمين، وهذا يعني أن هذه المحاولات تستحكم خلف مواقف مقرّرة ثابتة مفادها أن المسلمين وباء وشر ينبغي أن يقاوم (۲۲) . وقد كان موقف المسلمين يتسم بالتسامح النسبي (٢٣)، بيد أن أوروبا لم تعرف شيئاً عن الإسلام فكانت في هذا ضحية رجال الدين من جهة، ومن جهة ثالثة تقصير المسلمين في الجانب الدعوى الذي يتطلب أول ما يتطلب معرفة بلغات القوم ودراسة علمية للأساليب المناسبة في التعامل معهم . وقد ظل موقف أوروبا يتذبذب بين الدعوة إلى القضاء عسكرياً على المسلمين وعدم إضاعة الوقت في أي أمر يمكن أن يعرقل هذا الهدف والدعوة إلى حربهم حرباً ثقافية، وقد امتد هذا الأمر من بعد الحروب الصليبية إلى بداية ما اصطلح عليه بعصر النهضة الأوروبية، ويرى «سوذرن» أن النصف الثاني للقرن الثاني عشر كان بداية لمرحلة التعقل، ومن الداعين لهذا الاتجاه أوتو فون فرايزنغ Otto von Freising الذي صحح بعض المعلومات الخاطئة في أذهان الأوروبيين عن الإسلام فقرر خطأ المزاعم اللاهوتية التي تدعي أن رئيس أساقفة «سالزبورغ» قتلة المسلمون في القاهرة. عام ١٠٠١م لأنه أقدم على تدمير الأصنام التي يعبدها فقال: «إن المسلمين يعبدون إلها واحداً . ولا يذمون في زعمهم المسلمون المسيح . وأما عيبهم - في نظره - فهو أنهم ينكرون أولهية المسيح ويؤمنون بأن