مثل ابي، متناهية في الصغر، منطوية على نفسها في الخلاء ومشبوحة بين المدائن، تقع في المسافة ما بين القضارف والدندر، ليس بها سوق ولامخبز ولاجزارة، وتعتمد في تأمين حاجتها من ماء الشرب على قطار مخصوص يسمِّيه ناس السكّة حديد بقطر الموية يغشاها مرَّة في الأسبوع فتبل منه عروقها وتملأ منه فنطازين كبيرين يستقي منهما إنسان البلدة وحيوانها كما لو أنَّ البلدة هي في الاصل معسكر مؤقت لجيشٍ زاحف، لابدَّ له من جَبَراكة لصق البيت يعتني بشتولها لتزوِّده بالخضروات، ولابدَّ له في البلدات من مزرعة يفلحها لتؤمن له الخبز من محصول الذرة الرفيعة اضافة لما تغلَّه من السمسم وعيش الريف والعنكوليب والتبش، ولابدّ له كذلك من تربية الدواجن وسِعاية الأبقار لسدِّ حاجته من البيض واللحم واللبن حليبه ورائبه. لم يكن للحصيرة نهر يغذِّيها بالأسماك. ووجد محولجيتها هواية لهم ومصدراً غنياً باللحوم في التربص بالطيور العابرة لسماء البلدة، يشتتون لها الحبوب، يُشَرِّكون لها بضروب من الحيل ناصبين لها الشبكة الكبيرة يغرزون أوتادها في البرية المحازية للسكة حديد، فتهبط الطيورالمجهدة من التحليق الطويل في كَمَّاشة الارض. وهناك وفرة في دجاج الوادي الذي يمكن اصطياده في غابة مجاورة للحصيرة أول ما سكنا في الحَصِيرة لم نكن نملك إلَّا الدواجن. وكان الجميع في جيرتنا تقريباً يملكون حظائرعامرة بالأبقار، بل وكان منهم من له مُراح كامل من الأبقار مثل ناس فطنطون وهم أسرة قديمة في الحصيرة ترجع أصولها إلى قبيلة الفلاتة. برزت الحاجة عندها ماسة لتربية الأبقار. فاستعان أبي برجل من أهل القرى المحيطة كان يكثر من غشيان المحطِّ ليستقل قطارات الشحن التي تمرُّ بها لترحيل مخزونه من الذرة الرفيعة إلى أقرب مدينة بها سوق للمحاصيل مثل سنار أو القضارف أو الدندر. اتفق أبي مع الرجل على شراء بقرة حلوب وعد الرجل بجلبها مشياً على الاقدام مقابل أن يدفع له أبي عشرين جنيها. وبعد أسبوع أو نحوه أوفى الرجل بوعده وأحضر إلى المحطِّ بقرة تسرُّ حمرتها الناظرين قطع بها البراري المعشبة. بحث الرجل عن أبي فقيل له أنَّ أبي قد ذهب إلى الدندر لجلب لوازم الشهر من سوقها، فقام الرجل بربط البقرة إلى شجرة النيم الوريفة القائمة في المحطِّ أمام مكتب الإدارة بعد ان اوصى بها المحولجية الثلاثة الحاضرين آنئذ وهم عبد اللطيف ورحمة الله وعبد المعز. اعتنى المحولجية ثلاثتهم بالبقرة وجلبوا لها حزمة من القش وسطلاً به ماء حتى وصل أبي في أول المساء وترجَّل من القطار وقاد البقرة من وثاقها وأدخلها الحظيرة التي أقامها من الشوك خلف البيت. ملأت علينا دنيانا بفتوّتها وخوارها وصارت مدلَّلة الأسرة بلامنازع، حضرة أكلتْ الامباز، حضرة شِربت، حضرة مالها اليوم لاتبدو على مايرام؟ كسلانة ولاعيانة؟ فما العمل؟ ينزعج أبي غاية الإنزعاج، ولايهدأ له بال إلّا بعد أن يطلب النصح من ناس فَطَنْطون أسياد مُراح البقر الكثير فينصحونه بعمل شيء ما يجعل حضرة تتعافى وتنهض على قوائمها وتقبل على القشِّ المكوَّم. أرى وأتعلم أولى دروسي في الحياة من أبي شيَّال التقيلة، بشعرة الاجعد الفاحم السواد، يسد عين الشمس،عندما وافته المنية في ليبيا كتب لي خالي عادل وهو يعزيني مايلي: مثلما عاش ابوك في هدوء، رحل في هدوء.مقابل اجر شهري قام أبي بتسليم حضرة لراع يدعى عطيَّة وهو شاب طيب وهميم من قرية قريبة من الحَصِيرة. اضاف عطية حضرة لقطيع الأبقار التي يخرج بها إلى المراعي في كل صباح. وكان في بعض الأحيان يغشى الغابة في طريق عودته بالأبقار قبل المغيب ليجلب لي من أشجارها المُسَتَّفة بأعشاش الطيور صرَّات من النبق واللالوب ومايجده من سِمِبَر ورهو وهدهد وطير خداري لأضيفها فخوراً إلى ما ملكته وقتها من تشكيلة طيور كنت أحتفظ بها في قفص كبير جلبه لي أبي.استطابت حضرة حياتنا في الحصيرة. وصار لها حِبَّاناً في قطيع ناس فَطَنْطون. وتجلَّت خصوبتها فاسعدتنا بولادة العجول. وزاد إنتاج لبنها وفاض حتى غمر جيراننا الاقربين منهم الحيطة بالحيطة والابعدين محدثا تغييرا ملحوظا في مطبخنا. من بين ما ولدتهم حضرة أسرني عجل فريد يشبه أمه مَلَك علي أقطار نفسي فافتتنتُ به واصطفيته بلاتردد، وصار هوساً لي هو والطيور أرقب نموَّه معجباً باكتسابه القوَّة حتى كبر وصاريخرج للمرعى القريب مع أصحابه من عجول ناس فَطَنْطون الذين كانوا يأتون إليه ويتجمَّعون أمام حظيرتنا وينادونه بخوار منغَّم يفهمه ويستجيب له. مثلما يفعل الغدَّارون من بني الانسان، برفسة قوية مفاجئة، أصابت جبهتي ودمِّمتها وصرعتني وألقت بي على كومة القشِّ المكوّم والأُمباز حتى تمَّ انقاذي وانتشالي من الحظيرة وبنقلي إلى الشفخانة القريبة من المحطِّ حيث عالجني الحكيم وقتها أحمد بَقَّاري.عند رحيلنا إلى كسلا عام 1975 في مقطورة يجرها قطر بضاعة كان الوقت ظهراً. بعد ودّاعنا للجيران والأحباب تحركنا تترجرج بنا المقطورة التي احتوتنا مع أثاث البيت وقفص طيوري. الحاجز. ثم كسلا بسواقيها الخضراء في ذلك الزمان وقاشها الغاضب وجبالها المبروكة. أنعشنا هبوب الأنسام . سرت في ابداننا انسام السودان كالمخدر فغفونا تهدهدنا اسماء المحطات الخلوية، وتمرجحنا ذات اليمين وذات الشمال رجرجة القطار المسافر.قبل رحيلنا من الحصيرة واجه أبي معضلة ترحيل أبقارنا إلى حلفا الجديدة حيث تسكن والدته وجدتي فاتة سادق. كانت الحصيرة وقتها معزولة وليس بها وسيلة ترحيل. كان أبي قاب قوسين من التخلص من الأبقار ببيعها في الحصيرة بأي ثمن عندما تصدَّى الراعي عطيَّة للأمر وأخبر أبي أنه سيسوق أبقارنا ويوصلها مشياً على الأقدام حتى يسلمها لجدتي في حلفا الجديدة. تلك كانت هدية لاتقدَّر بثمن قدََمها عطية لأبي وقرَّر أن يخاطر بنفسه ويقطع تلك المسافة الهائلة على درب لم يعرفه من قبل. آه، يا دروب الرعاة في بلدي الحبيبزوَّد أبي عطية بلوازمه من الطعام والمصاريف واوصى زملاءه في كل المحطات ان يحسنوا وفادته عندما يمر بهم للمبيت والتزود بالماء. انطلق عطية في يوم رحيلنا نفسه ولكن في الساعات الاولى من الفجر تتبعه الأبقار في مقدمتها حضرة. فخطر له أن يبلِّغ أبي رسالة أودعها عند ناظر المحط في المتنا. اخبره فيها أنه عائد الى الحصيرة مع الأبقار التي تمرّدت عليه. ولما وصلها كان الوقت ليلاً. كان في استقباله حسب الله ناظر المحطّ الجديد ومعه المحولجية الثلاثة. تفقد أبي الأبقار فوجدها قد دخلت الحظيرة. فقضي ليلته في ضيافة المحولجية. واستقل قطاراً للشحن ولحق بنا في القضارف، تاركاً عطية يكمل المسير وحده حتى وصل إلى قريتنا في البطانة. وصل بأعجوبة بعد مسيرة شآقة إستمرت عدة ايام ، ينام في العراء متوسداً ساعده، متسلحا بعكَّازوسكين في جفيرها مربوطة في الضراع. وصل إلى قريتنا بعد عناء شديد متتبعاً مسار القطار لاينحرف عنه خشية التوهان. وعندما يلم به العطش أو يكبس عليه ( أي يدهمه) الليل المظلم أبوكديس. كان يغشى أقرب محط في طريقه ليروي ظماه ويتزود من خيرات سلسلة التضامن بين عمال السكة حديد. يوقد عطية النار ويتناول عشاءه ويرقد محاذرا ألا يستغرقه النوم فتنتهز الابقار السانحة وتشرد اويصيبها مكروه من مخلوقات الليل الشريرة. نجح عطية في الاختبار بفضل شجاعته وقوة التضامن العمالي الذي وفر له سلسلة متينة لاتنقطع من الغوث خففت عنه مشاق السفر حتى بلغ قريتنا البعيدة المندسة في البطانة بين الترع والمزروعات سالماً معافى دون ان يمسسه ضرٌّ ووقف امام بوابة بيت جدتي كثّ الشعراغبره مرتدياً سروالاً وعراقي ابيض اللون ومركوباً احمر من جلد البقر. وسلَّم جدَّتي الأبقار كاملة العدد وهو يقول لها: البقر دا أمانة من ولدك محمد ياحاجة. تناول ماقدم له من طعام وشراب ثم قفل في الحال عائداً إلى الحصيرةفي حظيرة جدتي في البطانة عاشت حضرة أعواماً زاهية ولدت فيها المزيد من العجول ومنحت اللبن حتى رجعت ذات يوم من المرعى بضرع مثقوب يسيل من الحليب بعد ان ثقبته الأشواك في الطريق. فلم تجد جدتي مناصاً من بيعها وحليبها المشلشل يبلل التراب.