## أصول التحقيق في المخطوطات يُعد القرآن الكريم أول كتاب أنزله الله على رسوله صلى الله عليه وسلم، ودونه أبو بكر في مصحف واحد ثم دونه عثمان بن عفان في مصحفه المشهور. لم يكن تدوين الحديث مُعمماً حتى أوائل القرن الثاني للهجرة، وُجدت بعض مدونات في المغازي، والأمثال، والأخبار، والأنساب، والفقه والتشريع منذ القرن الأول للهجرة. لكن فكرة الرواية والنقل الشفوي كانت هي السائدة. اهتم أصحاب الحديث النبوي منذ البداية بصحته وصدقه خاصةً بعد تأخر تدوينه، و ظلّ يروى على مرّ الأجيال مما عرضه لوضع كثير. دفع ذلك المحدثين من قديم إلى التوثق في رواية الحديث من الرواة الذين يحملونه، فدرسوهم ووزنوهم بمعايير سديدة. تبع توثيق رواة الحديث توثيق مماثل لرواية كتبه وصحة نقلها عن مصنفيها. وُضع عمل ضخم من التوثيق العلمي يحيط رواية الحديث منذ القديم بسياج متين من الصحة والدقة. رافقه تحقيق واسع في صحة رواية النص، ونجد هاتين الصورتين من التحقيق والتوثيق في رواية الأشعار والأخبار القديمة. كان العلماء يستقون الأخبار والأشعار من القبائل العربية، و كانوا يرحلون إليها في مواطنها بنجد ليأخذوا روايتهم من ينابيعها الأصلية. هاجر كثير من البدو إلى البصرة والكوفة وبغداد فكانوا يرفدون هؤالء العلماء بما يريدون من مادة شعرية وأخبار غزيرة. اهتم المسلمون برواية الحديث النبوي الشريف اهتماماً بالغاً، لأنه يُعد في المرتبة الثانية بعد القرآن الكريم في التشريع الإسلامي. حَضّ الرسول صلى الله عليه وسلم على رواية أحاديثه. من يرجع إلى كتب الحديث وأهله تروعه الدقة في روايته والحذر البالغ في الأخذ عن المتهمين. أشترطوا في الحافظ شروطاً كثيرة، وأشترطوا فيما يروى حديثاً عنه أن يكون قد تحمله بطريقة من طرق ثمانية هي: السماع، والقراءة، والإجازة، والمناولة، والمكاتبة، والإعلام، والوصية، والوجاهة. بدأ المحدثون بتمييز الرواة المتهمين من الموثقين، مثل حماد الرواية وخلف الأحمر. كانوا ينخلون شعر الشاعر وغيره، ويزيدان في الأشعار. امتحن البصريون أشعار القدماء، ومحّصوا أسنادها ومتونها، حتى ظهر ابن سالم، ووضع كتابه (طبقات شعراء الجاهليين والإسلاميين) وهو خلاصة لما دققه علماء البصرة من نصوص الشعر القديم. كان رواة الشعر الموثوقين من أمثال ابن سالم يفحصون ما تضيفه القبائل إلى شعرائها من أشعار، ويرفضون ما يثبت عندهم زيفه. كانوا يرفضون رواية الرواة الوضّاعين ممن يحسنون صوغ الشعر وينسبونه إلى القدماء. كان علماء اللغة والشعر يشددون على عدم قبول رواية الشعر من صحيفة، أو من مصنف مكتوب، بل يجب أن يكون أساسها أُخذ من عالم ثقة في الرواية وفي اللغة. كثيراً ما يُنسب في مخطوطات دواوين الجاهلية والإسلامية إلى رواة البصرة، أو إلى رواة الكوفة. كان الأولون يبالغون في التشدد والتوثيق. لا ريب في أن القدماء عُنوا عناية واسعة بتوثيق دواوين الشعر القديم، و كانوا يزالون ينصّون على ما زاد في بعض الروايات، كما كانوا ينصّون على أوثقها. نجد في بعض الدواوين الشعرية القديمة أن تلك من صنعة هذا العالم اللغوي الكبير، أو ذاك. كانوا يَعنون بذلك أنه راجع الروايات المختلفة للديوان، وقابل بينها، وأخرجها معتمداً على أوثقها، وأضبطها في رأيه من الديوان. دائماً تتقدم النسخة المسندة غيرها من النسخ حتى في الرواية الواحدة. بذل علماء الشعر واللغة جهداً في توثيق المصنّفات اللغوية والأدبية المعرقة في القدم. نجد على الورقة الأولى من كثيرة من المصنّفات أنّها موقوفة على طالب العلم، ويذكرون تاريخ وقفها، وقد نجد عليها أسماء من تملكوها قبل أن توقف، وتاريخ تملكهم لها. نجد عليها أسماء بعض العلماء الذين قرأوها أمام صحيفة الفنون أو في بعض الهوامش، لا يفيدنا ذلك في التوثيق منها فحسب، بل يفيدنا أيضاً في معرفة من ثقفها من العلماء. أول أدوات التحقيق جمع نسخ الكتب المخطوطة من المكتبات، وحين تتجمع نسخ الكتاب في أيدينا نرتبها حسب القدم. لا ينبغي إهداء النسخ غير الموثقة، و لا ينبغي أن نخدع بقدم النسخة. ينبغي أن نشير إلى أن من كتب العصور السالفة ما كثر تداوله حتى أصبح شعبياً. كان أسلافنا يعرفون أهمية الأصول الصحيحة، و كانوا يميزون بدقة بين خطوط المؤلفين والعلماء المصنفين. ينبغي أن نعرف أن القدماء كانوا يخطئون أحياناً في أسماء المؤلفين بعامل الشت باه عليهم، لذلك يجب مراجعة الأسماء التي يضعونها على المخطوطات بدقة. كانت مخطوطات دواوين شعر الجاهلية والإسلامية تعود إلى روايتين أساسيتين: بصرية وكوفية. وعادةً حين تتعدد مخطوطات ديوان أو كتاب يضع المحققون المحدثون لها رموزاً: إما من اسم الرواية، مثال: (ب) للرواية البصرية، و (ك) للرواية الكوفية، أو من اسم المكتبة التي توجد بها المخطوطة، أو اسم البلدة الموجودة بها. عرف القدماء فكرة الرموز التي يستخدمها المحققون اليوم. لقد كانوا يعرفون كل القواعد العلمية التي نتبعها في إخراج كتاب. لا بد من حيث رموز المخطوطات فحسب، بل أيضاً من حيث اختيار أوثق النسخ، لتخالص أدق صورة للنص. لعل خير ما يمثل عملهم في هذا الجانب إخراج اليونيني- حافظ دمشق المشهور في القرن السابع الهجري لصحيح البخاري. كثيراً ما يذكر المؤلفون القدماء مصادرهم التي ينقلون عنها. حينئذٍ ينبغي على المحقق أن يعارض الأصل الذي بيده على مصادره. قد يحدث أن ينشر كتاب من المخطوطات غير موثقة، فيدخله بعض السقم، و بعض التصحيف. فإذا قابلنا عليه فرعه، صحّحه على نحو ما نجد عند (ابن سعيد) في ترجمته (البن شهيد) الأديب الأندلسي المشهور. قد لا يذكر مؤلف مصادره في كتابه الذي ألفه، فيكون من السهل أن نُصير إلى نصوص من تلك الكتاب، ونقّ وّم منها. ومن خير الأمثلة على ذلك كتاب (الرد ع النحاة) للبن مضاء القرطبي المنشور من مخطوطة حديثة بالمكتبة التيمورية مليئة بالأخطاء والتصحيفات، حتى إن الناسخ كان يضع أحياناً الشطر الثاني للبيت قبل الشطر الأول، وقلما روى بيتاً صحيحاً. هناك صعوبات في الأصول والتحقيق، فكثيراً ما يُمحى جزء من عنوان المخطوطة، أو من اسم المؤلف. ويمكن التعرف على العنوان واالسم كاملين من مخطوطات أخرى للكتاب، أو من اقتباسات كبيرة منه في كتب تأخرت عنه. وإذا كان الممحو اسم المؤلف وحده، أو اسم الكتاب وحده، فإن التعرف عليه يكون أسهل. يحدث كثيراً في بعض النسخ والأصول أن يسقط منها أوراق ويسمى ذلك (خَرْما)، كما يحدث كثيراً أن يضطرب ترتيب أوراقها. من الكتب التي نجد فيها الآفتين معاً: آفة الخرم، وآفة االضطراب في الأوراق: القسم المصري من كتاب (خريدة القصر، وجريدة العصر)، ومن المخطوطات أيضاً: القسم الأندلسي من كتاب المغرب البن سعيد. كان المؤلفون يراجعون كتبهم، ويزيدون فيها. حينئذٍ ينبغي أن تتخذ أصلاً لتحقيق الكتاب آخر نسخة مزيدة. لا يصح أن ننشر كتاباً من نسخة بها زيادات واضحة إذا لم نستطع أن نحصل على نسخة سليمة منها من الممكن أن تُنفي ما دخل عليه من إضافات. كان من الممكن أن تنفي عنه ما دخل عليه من إضافات على نحو ما يُلاحظ في كتاب (الدرر في اختصار المغازي والسير). فليس منه سوى نسخة وحيدة محفوظة بدار الكتب المصرية. لا ينبغي أن نغتّر بنسخة عليها قراءات العلماء، أو عليها تمليك أو وقف لجامع، أو مكتبة، أو مدرسة، فقد يكون في النسخة أغالط لا يتبينها المحقق. لذلك كان يحسن دائماً معارضة النسخة التي تتخذ أصلاً على كل المصادر التي يمكن أن نلتقي بها، ولو لم يصرح بأسمائها المؤلف. يحتاج نشر الدواوين وكتب المختارات من الأشعار والموشحات إلى فقه دقيق بعلم العروض. ولتلافي صعوبات الخط العربي لتشابه الحروف، اقترحوا أن يوضع تحت الحرف المهمل نفس النقط الذي يوضع فوق مثيله المعجم. نشأ منذ القرن الثاني للهجرة أجيال كثيرة احترفت (نسخ المخطوطات). كان كثير منهم يحسن الخط، ولا يحسن العربية، فكان يخطئ فيما يكتب. قد ينسخ من نسخته وراق ثان على شاكلته فيضيف إلى أخطائه أخطاء جديدة. ربما نسخ من هذه النسخة الثانية وراق ثالث من طرازهما فتراكمت الأخطاء. قد يظن أن المخطوطة إذا كانت بخط المؤلف كفي المحقق مئونة تقويم ما قد يكون بها من تصحيفات، أو أخطاء، وهو ظن لا يستقيم إلا إذا أثبت هوامشها ما يدل على أنه راجعها، و صححّها، وقوّم ما بها من بعض العوج والاضطراب. ال تصحيف عبء ثقيل على المحققين. عُني به رجال الحديث عناية واسعة منبهين على ما وقع من تصحيف في الرجال أو الرواة، أو في المتون، أو نصوص الأحاديث. لا بد أن يميز المحقق للمخطوطات من ضربين من الغلط عند المؤلفين: ضرب ينشأ من السهو، وهذا من حقه تصحيحه. ضرب آخر ينشأ من التطور اللغوي على مر الزمن، واستخدام المؤلفين عمداً لبعض الكلمات، و العبارات العامية. يجب على المحقق أن لا يصلح هذا الضرب الثاني من الغلط. ينبغي على كل شخص أن يقدم لكل كتاب يحققه بترجمة مختصرة عن مؤلفه، و منهج تأليفه، و مصادره. يشير إلى اعتماد صاحبه على المشافهة والمشاهدة، إن كان قد اعتمد عليهما الكاتب في نصوصه، ثم يتحدث عن قيمته، ومدى إضافاته للبحوث الأدبية، أو العلمية المتصلة به، مبيناً صلته ببعض الفروع التي أخذت عنه، كما يبين مدى إفادة الباحثين منه، ثم يصف نسخته التي اعتمد عليها في نشره نسخاً دقيقاً. لا بأس أن يتوسع المحقق أحياناً في مقدمة الكتاب الذي كان ينشره إذا كان ذا فائدة علمية وطريفة وتاريخية التي يحملها الكتاب. لا بد من التقييد بالتقسيمات التي وضعها المؤلف لكتابه، و لا يدخل عليها عناوين جديدة. يعتني المحقق بصور الأ قواس الصغيرة والكبيرة، و وضع أرقام الأصل أساسي في التحقيق. بجانب الأرقام الخارجية يحسن أن توضع في كتب التراجم أرقام داخلية تتعاقب فيها تراجم النص شعراء وغير شعراء. من ينبغي العناية بترقيمه (كتب القراءات). كتاب في القراءات ينبغي أن تفهرس آياته التي ورد فيها الخلاف بين القراء مرتبة بحسب أوائلها على حروف المعجم، يوضع فهرس أيضاً للعالم الواردة فيه. دائماً لا بد من فهرس لموضوعات الكتاب. وإذا كان كتاب تراجم وضع لتراجمه فهرس مستقل عن فهرس العلماء. إن تحقيق أي كتاب أو ديوان ليس عملاً هيناً، بل هو عمل شاق مرهق، إذ تمتد فيه صعاب لا تكاد تحصر، صعاب في جميع النسخ، وفي فحص عناوينها، ومقابل ة النسخ، ومعارضتها.