التربية الإسلامية تمتد هذه الفترة حوالي ستة قرون ، بدءا من القرن السابع الميلادي عندما انتشر الإسلام في شبه جزيرة العرب ثم انقل سريعا إلى ربوع إمبراطوريتي الفرس والروم ، حتى القرن الثالث عشر عندما قضي على الخلافة العباسية في بغداد على يدا لمغول سقوط بغداد على يد هولاكو عام( ١٢٥٨م) ففقد العالم العربي الإسلامي الكثير من مظاهر وجحدته العقلية والروحية وسيطرت عليه أخلاط التتار والمغول وأخذ ينحدر في طريق الاضمحلال العلمي والاقتصادي ، متأثرا في الوقت نفسه بتداعي المسلمين في الأندلس إذ ذاك. وتقسم هذه الفترة في الواقع إلى أطوار يتميز كل واحد منها بخصائص وتأخذ التربية خلالها أشكالا متباينة بعض الشئ ، طور الفتوحات الإسلامية التي بدأت في عهد أبي بكر أول الخلفاء الراشدين وقاربت نهايتها في عهد الأمويين (٦٦١-٧٥٠) وهناك الطور الثالث ، طور تكوين الحضارة العربية والامتزاج بين الشعوب والحضارات ، ويبدأ هذا الطور مع بداية الطور العباسي تقريبا ويمتد حتى ظهور الأتراك السلاحقة وينتهي بظهور قبائل المغول المتبربرة في أواسط آسيا في القرن الثالث عشر الميلادي ، ولاشك أن في وسعنا رغم كل شئ أن نقول بوجود تربية عربية إسلامية عامة متجانسة إلى حد بعيد ، بدءا من ظهور الإسلام حتى أولا : أهداف التربية العربية الإسلامية: لم يكن هدف المسلمين من التربية دنيويا محضا كما كان عند اليونان والرومان مثلا ، ولم يكن دينيا كما كان عند الإسرائيليين في الصدر الأول ، وإنما كان غرضهم دينيا دنيويا معا ، وفي القرآن الكريم وابتغ فيما أتاك الله الدار الآخرة ولا تنس نصيبك من الدنيا" وفي الحديث الشريف أعمل لدنياك كأنك تعيش أبدا ، وأعمل لأخرتك كأنك تموت غدا". وسنري أن تحقيق هذا الهدف قاد العرب أيام الدولة الإسلامية إلى التزيد من أمور كثيرة ، على أنه يظل من الصحيح أن أغراض التربية التفصيلية تختلف في الواقع باختلاف المربين المسلمين ، وإن كانوا يكادون يجمعون على الغرض العالم الذي ذكرناه ، وعند الحديث عن آراء كبار المربين المسلمين في التربية. وسنرىعند دراسة مناهج التعليم وأسسها خاصة أغراض التربية كلها ، وسنري في الوقت نفسه أن العلوم الأخرى مقصودة في خاتمة المطاف من أجل هذه العلوم الدينية ولخدمة أغراضها. ولاسيما في الفترة الزاهرة من حضارتهم ، خلال القرون الأربعة الأولي التي تلت ظهور الإسلام. فقد كان هذا الهدف العام خصيبا ولودا قادرا على أن يفتق شتي الأهداف ، وكان في صلبه التبصر في شتي ظواهر الكون والإطلاع على مختلف حقائق الوجود والإحاطة بكل علم وفن وصناعة. أو لم يقدم الدين الإسلامي العلم على العبادة نفسها؟ أو لم يجعل العلماء ورثة الأنبياء؟ أو لم يوص القرآن الكريم بالتبصر في خلق السموات والأرض؟ ثانيا : معاهد التعليم في الإسلام ولاشك أن خير ما يبين أهداف التربية ومعالمها أن ندرسها من خلال مؤسساتها ومنشآتها، بالإضافة إلى دراستها عن طريق مناهجها وأساليبها وسنبدأ الآن بدراسة المؤسسات والمنشآت منتقلين بعد ذلك إلى الأساليب والمناهج. أمكنة التعليم قبل انتشار المدارس: نستطيع أن نعتبر عام ٤٥٩هـ حدا فاصلا فيما يختص بأمكنة التعليم عند المسلمين ن ففي هذا العام افتتحت في بغداد أول مدرسة من مجموع المدارس الكثيرة المنظمة التي أنشأها الوزير السلجوقي الشهير نظام الملك ، وقد انتشرت هذه المدارس في العالم الإسلامي حتى شملت البلدان والقرى الصغيرة ، ثم افتدي نظام الملك كثير من الملوك والعظماء سنتحدث عنهم فيما بعد. وقبل انتشار المدارس كانت حلقات التعليم لا تعقد في أمكنة من طراز واحد بل تعقد في أمكنة مختلفة ، ثم تنتقل بعد ذلك إلى أمكنة التعليم بعد ظهور المدارس. ١- الكتاب : سبق أن قلنا إن الكتاتيب وجدت قبل ظهور الإسلام ، لأنه كان المكان الرئيسي لتعليم الصغار القرآن ، حتى لقد اعتبره كثير من العلماء فرضا من فروض وفي وسعنا أن نقول أن المسلمين عرفوا نوعين من الكتاب: الكتاب الخاص بتعليم القراءة والكتابة ، والكتاب التعليم القرآن ومبادئ الدين الإسلامي ، وكان مكانه المسجد في الغالب. ومما يوصي به الغزالي أن يتعلم الطفل في المكتب القرآن وأحاديث الأخبار وحكايات الأبرار وأحوالهم ثم بعض الأحكام الدينية ، فالشعر ، على أن يحفظ الطفل من ويضيف ابن مسكونة إلى هذه المواد مبادئ الحساب وقليلا من قواعد اللغة العربية. فأهل المغرب فيما يقول يقتصرون على تعليم القرآن ، من أشهرهم الضحاك من مزاحم (١٠٥هـ) ، ٢ - القصور: لأن هدف كليهما تعليم الصبيان ، والمعلم هنا لا يسمي معلم صبيان أو معلم كتاب ، بل يسمي (مؤديا) ، في هذا المجال خطوات واسعة فأنشأوا في قصورهم مدارس خاصة يلتحق بها أولاد علية القوم وسرائهم. ٣- حوانيت الوراقين : ثم غنت مسرحا للثقافة والحوار العلمى. وظهرت هذه الدكاكين منذ مطلع الدولة العباسية ، وانتشرت سريعا في العواصم والبلدان المختلفة وحفلت كل مدينة بعدد وأقر منها ، كابن النديم صاحب الفهرست ، وإنما كانت تتعدي ذلك إلي مهام ثقافة بالغة الأهمية ، إذ كان الوراقون هم الذين ينسخون الكتب الهامة ويعرضونها للراغبين فيها. وهكذا كانت حوانيت الوراقين مغذي ومراحا للطلاب والعلماء ، يتذاكرون فيها ويناقشون ، حتى كان الجاحظ يكثري دكاكين الوراقين ويبيت فيها للنظر. لم يعد المسلمون المنازل مكانا صالحا للتعليم العام ، لافتقارها إلى السكون والراحة ، وغير أن وطأة الحاجة دعت إلى قيام حلقات تعليمية بالمنازل الخاصة. وقد جري التعليم الإسلامي بالمنزل في عهد الإسلام وقبل نشأة المساجد ، ليعلمهم مبادئ الدين الجديد. وبالإضافة إلى دار الأرقم كان الرسول (صلي الله عليه وسلم) يجلس بمنزله بمكة ويلتف حوله المسلمون ليعلمهم ويزكيهم. ٥ - الصالونات الأدبية: ظهرت هذه الصالونات ساذجة في العصر الأموي ، وانتشرت رائعة غنية في العصر العباسي. يفتتح النقاش في الصالون ، وللصالونات الأدبية آداب خاصة وتقاليد معينة يجب أن يرعاها أولئك الذين كان يسمح لهم بحضورها ، عن تاريخ العرب ومواقعهم الشهيرة وعن تاريخ ملوك الفرس ونظم حكوماتهم على أن الصالونات الأدبية بمعناها الصحيح لم تبد إلا في العصر العباسي ، فأصبحت هذه الصالونات تعقد في أرقات منظمة وشملت مع قصور الخلفاء قصور الأمراء والعظماء ، وتنوعت هذه الصالونات ، ولكن مجالس العلم والأدب ظلت أرفعها قدرا وأعظمها قيمة. الخ) وفي أيام الرشيد نفسها كان ليحيى بن خالد ، وهو ذو بحث ونظر ، مجلس يجتمع فيه أهل الكلام من أهل الإسلام وغيرهم من أهل النحل ، وكان ذلك لمجلس خصبا جدا ، ولما كانت المناظرة والجدل . ما كان يعتمد عليه المعتزلة في نشر آرائهم ، فقد وضعوا أسسا تعتبر بحق قواعد علم البحث والمناظرة وسنري بعضها عند الحديث عن (طرائق التعليم). وكان عهد المأمون سلسلة انتصارات للمعتزلة في مجالس البحث والمناظرة الكثيرة التي عقودها مع الشيعة والملحدين من الدهرية والثنوية وسواهم . وفيها تلاحي مخارق وحسين الضحاك في أبي العتاهية وأبي نواس أيهما أشعر . وبعد الواثق تدهور الوضع السياسي وتدهورت معه النهضة العلمية. ونشأت الممالك المستقلة أو شبه المستقلة التي انقسم لها العالم العربي الإسلامي ، وظهرت عواصم عديدة كل منها مثلث دور بغداد ، وهي التي يكذرها أبو حيان مفصلة في الامتاع والمؤانسة ومنها مجلس أبي عبدالله الحسين بن سعدان (٣٧٥هـ) ومجلس سيف الدولة الحمداني بحلب ، الخ. ٦ - البادية : كانت اللغة العربية حتى عصر صدر الإسلام فصيحة سليمة ، وكان ارتكاب ذلك اللحن عارا لا يغتفر، وهكذا فسد اللسان العربي وظهرت لغة يسميها الجاحظ لغة المولدين أو البلديين. وظهر اللحن لدي العرب أنفسهم ، وتعدي عامة الناس إلى خاصتهم ، ويتحدث ابن خلدون في مقدمته حديثا مفصلا عن تاريخ اللحن في اللغة العربية ، والذي يهمنا أنه بينما كان اللحن يفشو في الحضر حيث اختلط العرب بالأعاجم بقيت اللغة سليمة تماما في الصحراء التي لم تجذب إليها الأعاجم ولا من فسدت لغتهم وعلى هذا أصبح البدو هم الذين تؤخذ عنهم اللغة الصحيحة ، والشافعي ٢٠٤هـ) ، والرياشي (٢٥٧هـ). يرتبط تاريخ التربية الإسلامية بالمسجد ارتباطا وثيقا. واستمرت كذلك على مر السنين والقرون. ثم توسع المسلمون في عصورهم التالية في فهم مهمة المسجد فاتخذوه مكانا للعبادة ومهدا للتعليم ودارا للقضاء ن وكان أول مسجد أنشئ في الإسلام مسجد قباء ، وكانت تعقد فيه حلقات العلم ،