وَأَنَّكَ أَصْبَحْتَ مَسْؤولًا عَنْ رِعايَةِ والِدَتِكَ وَإِدارَةِ مؤَسَّساتِنا الخَيْريَّة، فَأَنْتَ الأَفْضَلُ كَفاءَةً وَأَمانَةً وَخُلُقًا. أُقَدِّرُ التَّحَدّياتِ الكَبيرَةَ الَّتي يواجِهُها شابٌّ نَشَأَ وَفي فَمِهِ مِلْعَقَةٌ مِنْ ذَهَب، وَأَعْلَمُ أَنَّ نَظْرَتَكَ إِلى النِّعْمَةِ تَخْتَلِفُ تَمامًا عَنْ نَظْرَتي إِلَيْها، وَلِذَلِكَ لَمْ أُحَمِّلْكَ ما لا طاقَةَ لَكَ بِه. أَمّا بَعْدَ أَنْ صِرْتَ مَسْؤولًا فَلا بُدَّ مِنْ وَضْعِ الأُمورِ في نِصابِها. سَتَشْعُرُ بِالفَخامَةِ عَلى كُرْسيِّ الإِدارَة، لِذَلِكَ تَحَصَّنْ بِالتَّذَكُّرِ وَالشُّكْرِ مِثْلَما كُنْتُ أَفْعَل، تَذَكَّرْ بُنَيَّ أَنَّني لَمْ أَغْضَبْ مِنْ أُسْرَتي الفَقيرَة، وَهُمْ يَنْعَمونَ بكُلِّ ما حُرِمْتُ مِنْهُ، وَلَكِنَّني كُنْتُ أَتَحَسَّرُ على المَدْرَسَةِ الَّتي أَجْبَرَتْني الحَياةُ عَلى مُغادَرَتِها باكِرًا. وَها أَنَذا أَدْعوكَ إِلى عَدَمِ الِاسْتِخْفافِ بِأَيِّ قَرارٍ أَوْ فِكْرَةٍ عابِرَة؛ تَنَبَّهَ رَجُلٌ كَريمٌ إِلى وُجودي وَأَمْثالي في الشَّوارِعِ القاسيَةِ المُظْلِمَة، اِسْتَثْمَرَ فينا وَعَلَّمَنا الصَّيْدَ وَأَعْطانا الصِّنّارَةَ الأولى بَدَلًا مِنْ إِطْعامِنا السَّمَكَة. كَما أَنَّهُ لَمْ يَحْكُمْ عَلى أَهْلِنا، ثُمَّ انْتَقَلْنا إِلى مَرْحَلَةِ الإِنْتاجِ بَعْدَ التَّعَلُّمِ حَيْثُ كَسَبْنا رِزْقَنا مِنْ تَعَبِ أَيْدينا. بِأَنَّهُ اشْتَرَطَ عَلَيْنا العَوْدَةَ إِلى المَدارِسِ للحُصولِ عَلى دَعْمِه، فَكُنّا نَعْمَلُ في الوِرَشِ بَعْدَ انْتِهاءِ المَدْرَسَة. لَقَدْ عَزَّزَ ذَلِكَ الرَّجُلُ فينا اعْتِزازَنا بِأَنْفُسِنا وَكَرامَتِنا الإِنْسانيَّة، وَساعَدَنا حَتّى حَصَلْنا عَلى شَهاداتٍ جامِعيَّةٍ أَوْ مِهْنيَّة. صَدِّقْ يا وَلَدي أَنَّني ما كُنْتُ لأَكونَ الشَّخْصَ ذاتَهُ لَوْلا تِلْكَ الكَفِّ الرَّحيمَة، فَلَوْلاها لَبقيتُ مِنْ أَطْفالِ الشَّوارِعِ الَّذينَ يَنْظُرُ إِلَيْهِمِ المُجْتَمَعُ نَظْرَةً جارِحَةً عَلى الرَّغْمِ مِنْ أَنَّهُ مُشارِكٌ في إِخْراجِهِمْ إِلى الشّارِع. قَرَّرْتُ مُساعَدَةَ النّاسِ الأَقَلِّ حَظًّا مِنّي لتَكْتَمِلَ إِنْسانيَّتي. وَمِثْلَما فَعَلْتُ أَتَوَقَّعُ مِنْكَ أَنْ تُكْمِلَ الرِّحْلَةَ بِمُساعَدَةِ آخَرين،