القرآن كظاهرة دينية غيبية مرتبطة بالوحي، جديرة بأن تكون في موطن الدراسة والاهتمام، ومن حق الإنسانية في مسيرتها الطويلة أن تقف متدبرة ظاهرة الدين في الحياة البشرية، وأن تتأمل في النبوة كحقيقة مدركة ثابتة، بكل ما تحمله النبوة من مؤشرات وما تبشر به من قيم، إن البشرية اليوم وقبل اليوم عكفت على دراسة مظاهر الحياة الإنسانية وتطلباتها من منطلق الرؤية العقلية المادية، والعقل يدرك ما يقع تحت مجهره، والعقل يقف حائرا أمام الظاهرة الدينية، بل يقف حائرا أمام الكون وعظمة الكون، ويقف عاجزا أمام تفسيره لظاهرة الحياة، والحياة البشرية تحكمها معايير وقوانين بعضها مدرك ومفهوم، وأن ندرس تاريخ الأديان كوقائع مدونة أو محفوظة أو مروية، وأن نتحدث عن حياة الأنبياء منذ ولادتهم إلى وفاتهم، ولكن من الصعب علينا أن نستوعب بعقولنا حقيقة الدين كظاهرة غيبية مرتبطة بالسماء، وينفذها ملائكة يبلغون رسالة الله إلى الأنبياء. وفي نفس الوقت لا يمكن للعقل البشري أن ينكر حقيقة الدين، ولا أن يتخطى المفاهيم الدينية، ولا تتصور البشرية بغير دين، الغيب، والإنسان أقل قدرة من أن يحيط بالكون وأن يفهم أسراره وغوامضه، ولا عن معنى الحياة التي يعيشها، وفي معظم الأحيان يقف موقف العجز المطلق أمام ظاهرة صغيرة لا يستطيع فهمها، معلنا عجز الإنسان عن الفهم، والدين ليس كرواية تاريخية، والوحي ليس كحدث تاريخي مروي بأسانيد موثقة، والأمر أعمق من ذلك وأكثر دقة، وهو دراسة ظاهرة الدين والوحي والقرآن. ولا شك أن الإنسان يحتاج إلى ما هو أكثر من العقل، وإلى ما هو أكثر من الرواية، إنه يحتاج إلى الفهم، يحتاج إلى النظر الشمولي للحياة، الإنسان أسمى من العقل وأشمل، والإنسانية جزء يسير من أسرار الأرض، والكون كله مخلوق، والمخلوق لا يقاس بالخالق، وإذا عجز العقل عن إدراك بعض أسرار الإنسان والحياة على الأرض فإن من الأولى أن يكون أكثر عجزا عن إدراك أسرار الكون. والإنسان القديم منذ فجر الإنسانية أحس بحاجته للدين، وكان نزوعه للدين واضحا في تفكيره وسلوكه، قد يخطئ الإنسان الطريق، وقد يضل في بحثه عن الدين، ولكنه لم يستطع أن يتخلص بطريقة فعلية من الدين، وأثبتت الآثار القديمة التي اكتشفها الإنسان أن الإنسان البدائي كان يمارس عبادته الدينية بطريقة تلائمه، وكانت له شعائر دينية يتمسك بها، ونما هذا الشعور في ظل الحضارة، وأصبحت المعابد الصروح الأولى التي بناها الإنسان، وما زلنا حتى اليوم نجد في المعابد القديمة رموزا تؤكد عمق الشعور الديني لدى الإنسان القديم، ولعلنا لا نبالغ إذا قلنا: إن الحضارات الأولى كانت حضارات ذات مضامين دينية. وارتبط الدين منذ القديم بمفهومين: الأول: ارتباط الدين بالحضارة والثقافة، وهذا ما يؤكد أن المعابد القديمة كانت مراكز إشعاع ثقافي وعلمي، فالدين يدعو إلى العلم ويشجع التعليم، وكان رجال الدين هم علماء عصرهم، وكانت المعابد الأولى مدارس للتعليم، وحيث يكون الدين تكون الحضارة وحيث يكون الدين تكون الثقافة، وفي تاريخنا الإسلامي كانت المساجد هي المدارس الأولى، وكانت هي الجامعات الأولى في العالم الإسلامي،