: حظنا أن نجد في الشيخ زايد رجلاً نعتقد أنه يتمتع بعدد من الخصائص والسمات الضرورية التي يجب توافرها في شخصية حاكم أبوظبي في الحقبة الجديدة ؛ فهو محبوب ويتمتع بالاحترام الواسع بين أبناء شعبه وعند الآخرين، وهو ودود ومنفتح في علاقاته مع الآخرين ومن صفاته الشجاعة والصراحة والكرم والحرص على مساعدة شعبه، وباختصار هناك فارق كبير بينه وبين شقيقه . وليس معنى ذلك أنه سيكون حاكماً تابعاً أو سهل الانقياد إذ يجتمع فيه كل كبرياء البدو واستقلاليتهم، ومن المؤكد أننا لن نستطيع نحن ولا أي جهة أخرى التأثير في قراراته، وتفهمه حجم المشكلات التي تواجه أبوظبي، واستعداده لقبول المساعدة في معالجة هذه المشكلات وحلها ، يجعلنا نعتقد أنه رجل يمكن لحكومة صاحبة الجلالة والآخرين أن يتعاملوا معه لما فيه مصلحة الإمارة. وأخيراً فإن لدينا من الأدلة ما يؤكد أن تولي الشيخ زايد مقاليد الحكم في أبوظبي سيكون موضع ترحيب من قبل الأسرة الحاكمة وشعب إمارة أبوظبي عموماً بما في ذلك قوة الشرطة». وتحديداً في أيار / مايو 1962 ، وأمام هذه الضغوط الهائلة و احتمالات المواجهة مع أكثر من جهة قرر الشيخ شخبوط في بداية الأمر أن يقبل تقديم التنازلات المطلوبة منه ؛ وهي تخصيص ميزانية مناسبة للتنمية، والموافقة على تنفيذ خطط تنموية. ولكن ما إن مرت فترة وجيزة على قبوله تلك المطالب حتى تبدل رأيه مرة أخرى ؛ وعلى سبيل المثال فقد وافق على تعيين معلمين من السودان، وبمجرد إبرام الاتفاقية مع حكومة السودان بدأ الشيخ شخبوط يتحدث عن عيوب في الترتيبات المتفق عليها . وكتب الكولونيل باوستد واصفاً إحدى زياراته للشيخ زايد، وكان قد أخفق في صباح يوم الزيارة نفسه في إقناع الحاكم بالعدول عن تراجعه فيما يتعلق بتلك الاتفاقية : أمضيت ساعة في المساء مع الشيخ زايد وأخبرته صراحة أن حكومة السودان قد بذلت كل ما في وسعها ، وأنها تريد من الحاكم أن يوقع على التعيينات . قال الشيخ زايد إنه لابد من إحضار المعلمين بأي شكل كان وإنه سيكون مسؤولاً عن ذلك .بعد أسبوعين من اجتماعه مع باوستد بدأ الشيخ شخبوط يثير قضية تنحيه عن في أعقاب تبادل لوجهات النظر بين الحاكم وشقيقيه الشيخ زايد والشيخ ويصف لنا باوستد ما جرى طبقاً لرواية الشيخ زايد قائلاً : قال (الشيخ شخبوط) إنه قرر التنحي عن الحكم ، وقال إن على زايد وخالد أن يديرا شؤون الإمارة. وأضاف أنه كان مخلصاً في إدارته لشؤون الإمارة لما فيه مصلحة أهلها ،بالحياة ( في العين) ويكتفيان بطلب الأموال منه ، تاركين له معالجة كل شؤون الإمارة . رد زايد بأنهما الشيخ زايد والشيخ خالد على استعداد تام لمساعدته في كل الأوقات في إدارة شؤون الحكم، بشرط أن يسمح لهما بذلك . وقال للحاكم : إذا كنت مخلصاً في رغبتك في العمل لما فيه مصلحة أهل الإمارة، فلا يكفي أن تبحث عن النصيحة فحسب، بل يتعين عليك أن تضع التوصيات التي يقدمها إليك الوكيل السياسي وسكرتيرك الخاص والموظفون المعينون للعمل في الإمارة موضع التنفيذ . ثم أضاف قائلاً إنه وشقيقه خالد على أتم الاستعداد لمساعدة الحاكم، بشرط أن يقبل الشيخ شخبوط ذلك ، ثم أوضح زايد لشقيقه أنه إذا كان يريد حقيقة أن يتنحى عن الحكم فلن يكون في وسعهما منعه .أما رد الحاكم فكان انتقاد الشيخ زايد على إنفاقه أموالاً على بناء المتاجر ومضخات الري والمشروعات الزراعية وغيرها في البريمي (العين)، وأجاب الشيخ زايد بأنه إذا كان في وسع الحاكم أن يقدم أي دليل من أي ناحية على أن الأعمال التي قام بها في العين لم تكن لصالح مواطني أبوظبي، فإنه يقبل اتهام أخيه له بأنه كان مخطئاً فيما فعل . وأضاف زايد إذا كنت تريد أن تكون مخلصاً لشعبك، وأشرف بنفسك على أوجه إنفاق الأموال واستغلالها لمصلحة الإمارة،ورد الحاكم بأنه إذا ما خصص ميزانية للحكومة فإن الناس سيعرفون ما يدخل خزائنه من أموال، وهو ما يشكل حرجاً ولا يمكنه أن يوافق عليه . فرد زايد بأن ذلك هو المتبع وأن عوائد أي إمارة وميزانيتها من الأمور المعروفة لكل من بل وتنشر في الأوراق الرسمية وأن ذلك أمر عاديومع تزايد الضغوط الرامية إلى إحداث تغيير في الإمارة أضحى الشيخ شخبوط أكثر ضيقاً بما ينشر عنه من تعليقات سلبية في الصحافة العالمية التي بدأت تلم تدريجياً بأخبار الثروة النفطية في أبو ظبي . وتشكل لدى الشيخ شخبوط اقتناع راسخ بأن هناك حملة منظمة لتشويه سمعته، ولم يكن ذلك الهدف جديداً عليه ؛ فمنذ ثلاثينيات القرن العشرين عايشت أجيال من المسؤولين البريطانيين عناده وتمسكه برأيه، فيما أعجب كثيرون بصلابته في الدفاع عن وجهة نظره وسعيه إلى تحقيقها، وأعجب آخرون بلطفه . ولم يكن الشيخ شخبوط يتصرف على النحو الذي يستوجب تدخلاً مباشراً وعنيفاً، إذ كان السلـم يـعـم أبوظبي، وكان الشيخ شخبوط - رغم كل التحفظات - هو الحاكم الشرعي الذي اختارته الأسرة الحاكمة وقبله الشعب . ولم يكن وارداً أن يتم أي تغيير لحاكم أبوظبي، إلا بتدخل من الأسرة الحاكمة .كان تعيين الكولونيل باوستد بوصفه أول وكيل سياسي بريطاني في أبوظبي، الفرصة التي أتيحت أخيراً لإيصال رسالة الشيخ زايد إلى الحكومة البريطانية، والتعامل معها من خلال مسؤول كبير مثل باوستد . وأوضح الشيخ زايد أنه وأخويه الشيخ خالد والشيخ هزاع والأسرة الحاكمة وكل أفراد الشعب ينشدون تطوير أبوظبي. وقد أوضح الشيخ زايد في كل المناقشات التي جمعته مع باوستد وغيره من المسؤولين البريطانيين عدم رغبته في تولي الحكم، بل انحصر كل ما يرغب فيه حقيقة في جانب واحد وهو أن يتحول شقيقه إلى فعل ما فيه مصلحته ومصلحة شعبه . وقد نجح الشيخ زايد في ذلك، وشجع البريطانيين على استخدام نفوذهم لدى الشيخ شخبوط لتحقيق هذا الهدف، غير أن النتائج التي تمخضت عن تبنيهم لهذه الرؤية كانت متواضعة للغاية، قياساً على حجم تطلعاته وآماله المنشودة .