و انك لعلى خلق عظيم إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله ، صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه أجمعين، وسلم تسليما كثيرا. من أحسن الخلق أخلاقا؟ الرسول عليه الصلاة والسلام وقد قال الله تعالى فيه: {وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ} ١ وفي الصحيح أن هشام بن حكيم سأل أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها عن خُلق الرسول صلى الله عليه وسلم فقالت: "كان خلقه القرآن. فقال: لقد هممت أن أقوم ولا أسأل شيئا" !! فهو صلى الله عليه وسلم أكمل الناس خلقا في جميع محاسن الأخلاق وجميل الخصال والأفعال. والحوادث والوقائع التي وقعت في عهد الرسول عليه الصلاة والسلام, بل إنه صلى الله عليه وسلم، كان حسن الخلق حتى مع الأطفال: فكان يلاطفهم ويلاعبهم, ما فعل النغَيْر؟ " ، فحزن عليه الصبي واغتم فكان عليه الصلاة والسلام يلاطفه قائلا: "ماذا فعل النغير". وجانبا كبيرا من اهتمامه، وينصح ويربي . ويدخل السرور عليهم ـ، وهو من هو ـ صلى الله عليه وسلم ـ في علو منزلته وعظم مسؤولياته . ومواقف النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ التي تبين مدى حبه ورحمته بالأطفال كثيرة، منها مداعبته وملاطفته لعمير ـ رضي الله عنه ـ . ومعرفة أخبارهم، يوجد عندهم الاعتداد بالنفس، ويعتبر ذلك سلوكا تربويا ودعويا . وحفظت عنه هفوة ، فما زاد مع كثرة الإيذاء إلا صبرا ، وعلى إسراف الجاهل إلا حلما ، إذ كان لا يغضب لنفسه أبدا ومواقف حلمه ـ صلى الله عليه وسلم ـ مع الإيذاء والغلظة وجفاء المعاملة وسوء الأدب كثيرة فقال : ( إني لم أبعث لعانا ، ولكني بعثت داعيا رحمة لهم ، يتجاوز عن المسيء ، ألم يأن لك أن تعلم أن لا إله إلا الله ؟ ، ما أحلمك وأكرمك وأوصلك )(الطبراني) وهو ما نختم به هذه الأمثلة، فقد جيء إلى النبي بأبي سفيان في فتح مكة، وهو حينئذ رئيس قريش وكان هو الذي حزب الأحزاب للنبي ﷺ وكان سببا في قتل حمزة أسد الله تعالى وقتل سبعون من المسلمين في أحد، فجيء به للنبي ، ومَنْ مثله حينئذ ليس له عهد ولا أمان، أشهد ألا إله إلا الله». قال: «أما آن لك أن تشهد أني رسول الله؟». قال: «في النفس من ذلك شيء ! انظر إلى حلم النبي ﷺ وهو في هذا الموقف قد فتحت له مكة ودخل الناس في دين الله أفواجا، وكان غنيا عن إسلام أبي سفيان – الذي قضى أغلب عمره يقاتل النبي ، بل كان يمكنه أن يقتص منه لما كان سببا فيه من إيذاء وتعذيب وقتال للمسلمين إذا بأبي سفيان يقول الكلمة لمشهورة للنبي ﷺ بِأَبِي أَنْتَ وَأُمِّي؛ مَا أَحْلَمَكَ وَأَكْرَمَكَ وَأَوْصَلَكَ الخلاصة، أنه كان مهما فعل فيه يحلم! يحلم مع المسلين والمنافقين واليهود والخوارج وغير ذلك، وهو ما ينبغي أن يتأسى به المرء المسلم حتى لو امتلأ المرء غيظاً وضيقا وكمدا . فلا يكون المرء صالحًا إلا أن يكون حليما. وانظر إلى هذه الآية التي تبين هذا المعنى كما قال تعالى لما دعى إبراهيم ربه جل وعلا يقول : رَبِّ هَبْ لِي مِنَ الصَّالِحِينَ فَبَشِّرْتَهُ بِغُلَام حليم [الصافات: ١٠١، ١٠٠]. فلما دعا أن يرزقه الله تعالى ولدًا صالحا، كانت إجابة الله تعالى أن رَزَقَهُ ولدًا حليما، وكأنه لا يكون الصلاح إلا بالحلم، وأن أعظم مآثر الصلاح أن يكون المرء حليما؛ ولا يستطيع أن يصبر على أن يشتم أو أن يهان أو أنتصاب كرامته بشيء، وأنه لا بد أن يرد، يقول النبي ﷺ: «إنما الحِلْمُ بِالتَّحَلُّمِ ) ومعناه: أن يجاهد المرء نفسه على أنه كلما بدر سبب من أسباب الغيظ والغضب ومعاجلة العقوبة وعدم التريث والطيش والسفه، وأن يلجمها بلجام الشرع، وأن يستعمل حينئذ كل ما يكون من أسباب منع الغضب ومن أسباب الدفاع عن النفس والانتقام لها من تذكر الله تعالى وثوابه وعقابه، وكلما أساء إليه أحد