انظروا (هذه الطائرة في السماء) صَيحة يُطلقها الأطفال في الأرضِ لمّا يلمحون أضواء الطائرة المُلوّنة تخترق السّماء على عظمتها، وتبدأ أيديهم الصغيرة وأصابعهم التي لما يكتمل نموّها بعد بالتلويح للطائرة ذات الجناحين، يفتخر على أقرانه كونه استطاع أن يرمُقَها بعينيه قبلهم، فأحدهم سمع من معلم الجغرافيا أنّ الطائرة إن حلّقت واتّجهت إلى الشمال فإنّها حتمًا ستصل إلى واحدة من مناطق الخليج العربي لا محالة، فينشأ العِراك الطفوليّ المُحبّب إلى الجميع. أيًا كان اتجاه الطائرة فهي حتمًا نقلت بين جناحيها أناسًا من أوطانهم وإليها؛ ولذلك فإنّ الطائرة من أهم الآلات؛ الطائرة هي الحلم الذي يُداعب خيال الأطفال؛ فيحلم كلّ طفل في نفسه أن يكون الرجل الوطواط الذي يمتلك تلك الطائر الخارقة، الطائرة هي ذلك الحلم القريب البعيد بالنسبة لكل الناس على وجه هذه الأرض. وهو يرى كتلًا من القطن الأبيض المعلّق ما بين السماء والأرض، فيكون -على حد مخيلته- واحدًا من أبطال الخيال في إحدى الحكايات التي كانت تقصّها عليه جدّته في كل ليلة، ثم يغمض الطفل أخيرًا عينيه ويغفو وهو مستريح النفس طيّب الروح يستنشق عبقًا لا مثيل له من تلك القطع البيضاء الصغيرة لتزوره في حلمه كخرفان صغيرة جميلة. الطائرة هي الواسطة بين السماء بغيومها والأرض بأهلها وأشجارها؛ لكن لا يمكن أن تمرّ حياة الإنسان دون أن يتمنّى ولو لمرة واحدة أن يكون طائرًا أو يركب في طائرة ويُحلّق بين الغيوم ويسعى في السماء ليكون سيّد نفسه؛ حيثُ لا قوانين تحدّه ولا أسلاك تقسم السماء كما قسمت الأرض، هناك حيث يكون الإنسان في أعلى درجات حريّته. أمّا فوق ذلك فهو أمر صعب جدًا يؤدّي بالضرورة إلى هلاك النفس ولو بعد حين، فالتنقُّل ما بينَ البلدان أمرٌ ليسَ من السهولة بمكان، لا يُمكن لأحدٍ أن يَصِف شعوره وهو يعلو على كلّ المخلوقات بآلة صمّاء، فيجد روحه وذاته ما بين السماء والأرض، ويرمق العالم بنظرة المتأمّل الذي يسعى دائمًا نحوَ الحقيقة التي لا يُمكن أن تُوجد إلا بين الغيوم الصادقة، تلك هي الطائرة الآلة التي تمنح الشعور بالأمان للإنسان، فيخلق ذاته بين الطيور ويعيش بينهم ولو لمدّة صغيرة من الزمن، الخاتمة: الطائرة حلمي للسفر حول العالم استطاعت الطّائرة أن تكون الوسيلة الآمنة التي ضيّقت العالم حتى جعلته قرية صغيرة، حلمي الآن هو السّفر حول العالم عبرَ الطّائرة التي لا تأخذ من وقتي وجهدي شيئًا، والتنقّل بين البلدان لأتعرّف على الحضارات العَريقة، أحلُمُ أن أركبَ الطّائرة وأنظُرَ إلى العالم من النافذة فأرى سكّانه وممتلكاتهم مجموعة من النمل الضعيف الذي لا يقوى على شيء،