يا ابني إلى السيد م. أ. » من الإسماعيلية بمصر، لماذا تكتب إلي على تردد واستحياء؟ أتحسب أنك أنت وحدك الذي يحس هذه الوقدة في أعصابه من ضرم الشهوة، لا يا ابني ؛ هون عليك ، فليس الذي تشكو داءك وحدك ولكنه «داء الشباب، وقد كتبت فيه قديماً وحديثاً، ولولا أني لا أحب الحديث المعاد ولا أقتني (مع الأسف) إلا الأقل من لأحلتك عليها. ولئن أرقك هذا مقالاتي القديمة لنقلتها إليك أو الذي تجد وأنت في السابعة عشرة، فلطالما أرق كثيرين غيرك صغاراً وكباراً، ولطالما نفى عن عيونهم لذيذ الكرى، ولطالما صرف عن درسه التلميذ وعن عمله العامل وعن تجارته التاجر. وما الحب الذي افتنَّ في وصفه الشعراء وفي تحليله الأدباء إلا ما تجده أنت سواء بسواء، ولكنك أخذته مجرداً مكشوفاً فعرفه الناس فلم يُخدعوا عنه ، وأخذوه فلقوه بمثل ورق «الشكلاطةليخدعوا عن حقيقته الناس وشربت بفيك من الينبوع، والشهوة التي رسالتك والحان المغنين، ولكن الضمير هاهنا بارز ظاهر والضمير هنالك إلى كالشهوة في غزل الشعراء وشعر الغزليين ولوحات المصورين وشر الداء ما خفي واستتر !إنه ما أشرف على مثل سنك احد الا توقد في نفس شيء كان خامداً، فاحس حرّه في اعصابه، وتبدلت في عينه الدنيا غير إنه ما أشرف شيء الدنيا والناس غير الناس، فلم يعد يرى المرأة على حقيقتها إنسان من لحم ودم، ولكن أملاً فيه تجتمع الآمال كلها وأمنية فيها تلتقي الأماني ويلبسها من خيال غريزته ثوباً يُخفي عيوبها ويستر نقائصها ويبرزها تمثالاً للخير المحض والجمال الكامل، ويعمل منها ما يعمل الوثني من الحجر : ينحته بيده صنماً ثم يعبده بطوعه ربا ! إن الصنم للوثني رب من حجر ، والمرأة للعاشق وثن من خيال كل هذا طبيعي (٢) معقول، ولكن الذي لا يكون أبداً طبيعياً 1) يريد قول أبي نواس : حبتها بألوان التصاوير فارس تدور علينا الرّاحُ في عَسْجَدِيَّة قَرَارَتُها كسرى وفي جنباتها مَهَا تَدَّرِيها بالقسي الفوارس يصف كأساً ذهبية نقشت في قعرها صورة كسرى وزينت جوانبها بصور المها والفوارس (مجاهد). ۲) طبيعي هي الدائرة على أقلام البلغاء من القدم، والقياس طبعي ولا معقولاً أن يحس الفتى بهذا كله في سن خمس عشرة أو ست عشرة سنة، ثم يضطره أسلوب التعليم إلى البقاء في المدرسة إلى من عشرين أو خمس وعشرين. فماذا يصنع في هذه السنوات وهي أشد سنين العمر اضطرام شهوة واضطراب جسد، أما سنة الله وطبيعة النفس فتقول له: تزوج. وأما أوضاع المجتمع وأساليب التعليم فتقول له : اختر إحدى ثلاث كلها شر، ولكن إياك أن تفكر في الرابعة التي هي وحدها الخير، وهي الزواج! إما أن تنطوي على نفسك، على أوهام غريزتك وأحلام شهوتك تدأب على التفكير فيها وتغذيها بالروايات الداعرة والأفلام الفاجرة والصور العاهرة، حتى تملأ وحدها نفسك وتستأثر بسمعك وبصرك ، تراهن في كتاب الجغرافيا إن فتحته، وفي طلعة البدر إن لمحته، وفي حمرة الشفق وفي سواد الليل، وفي أحلام اليقظة وفي رؤى المنام. أريد لأنسى ذكرها فكأنما تَمَثَلُ لي ليلى بكل سَبيل ثم لا تنتهي بك الحال إلا إلى الهوس أو الجنون أو انهيار الأعصاب. وإما أن تعمد إلى ما يسمونه اليوم «الاستمناء» (وقد كان يسمى قديماً غير هذا ، وكان له في كتب الآداب باب لا أحب أن أدل عليه أو أرشد إليه، وهو وإن كان أقل الثلاثة شراً وأخفها ضراً (1) ، ولكنه إن جاوز حده ركب النفس بالهم والجسم بالسقم، وجعل صاحبه الشاب كهلاً محطماً كثيباً مستوحشاً، يفر من الناس ويجبن عن لقائهم ويخاف الحياة ويهرب من تبعاتها، وهذا حكم على المرء بالموت وهو في رباط الحياة. وإما أن تغرف من حماة اللذة المحرمة وتسلك سبل الضلال وتؤم بيوت الفحش، تبذل صحتك وشبابك ومستقبلك ودينك فإذا أنت قد خسرت «الشهادة» التي تسعى إليها والوظيفة» التي تحرص عليها والعلم الذي أملت فيه، ولم يبق لك من قوتك وفتوتك ما تضرب به في لج العمل الحر. ولا تحسب - بعد - أنك تشبع ؛ لا، إنك كلما واصلت واحدة زادك الوصال نهماً، كشارب الماء الملح (۲) لا يزداد شرباً إلا ازداد عطشاً. وأحسست من الألم لفقدها مثل الذي يحسه من لم يعرف امرأة قط. وَهَبْكَ وجدت منهن كل ما طلبت ووسعك السلطان والمال، فهل يسعك الجسد ؟ وهل تقوى الصحة على حمل مطالب الشهوة؟ ودون ذلك تنهار أقوى الأجساد. وكم من رجال كانوا أعاجيب في القوة وكانوا أبطالاً في الربع (۳) والصرع ۱) لست أدعو إليه ولكن أقرر حقيقة قررها كثير من كبار الأطباء ووافقوا فيها رأي الفقهاء من الحنفية في الجملة. ۳) الربع رفع الأثقال، وصاحبه الرباع. غرائزهم حتى أمسوا حطاماً. وجعل مع الرذيلة عقابها : الانحطاط والمرض (1). ولزب رجل ما جاوز الثلاثين يبدو - مما جار على نفسه - كابن متين، وابن ستين يبدو من العفاف كشاب في الثلاثين. ومن أمثال الإفرنج التي سمعناها وهي حق وصدق: «من حفظ شبابه حفظ له شيخوخته. ولو ترك الرجل غريزته، ولم تكن هذه المغريات من الصور والروايات والأفلام وتكشف النساء وشيوع الفاحشة، لما هاجت به الغريزة إلا مرة أو مرتين في الشهر والشهرين؛ لأن من القواعد الثابتة في العلم أنه كلما ارتقى الحيوان (والإنسان هنا حيوان) في سلم التطور قل عنده السفاد وطال الحمل. فالديك والدجاجة لأن مدة الحمل (بالبيضة) يوم واحد، أما القط يتسافدان كل يوم (وهو من ذوات الأثداء) فيسافد القطة مرة أو مرتين في السنة لأن ۱) حينما نشرت دار المنارة هذه المقالة في رسالة مستقلة سنة ١٩٨٦ أضاف الشيخ رحمه الله في هذا الموضع حاشية لم تكن في الطبعات السابقة، قال فيها: "يبعث الله النذر لمن أراد أن يعتبر، ومن ذلك المرض الخبيث الذي جَدَّ الآن وأعيا الأطباء علاجه وعز عليهم دواؤه الذي لا يأتي إلا من الفسوق وارتكاب الفواحش، وهو الإيدز». ولو هداهم الله إلى معرفة دوائه لأرسل لهم نذيراً غيره، يوم القيامة، يوم تبرز الجحيم فتلتقم كل كفار أثيم والعياذ بالله" (مجاهد). حملها مرة في السنة أو مرتين. وأظن أن الإنسان أرقى من القطب فلماذا يكون للقط موسم واحد (هو عندنا شباط) وتكون شهور السنة كلها شباط عند بعض الناس ؟ لهذه المغريات ! فالبلاء كله من هذه المغريات، من دعاة الشر ورسل إبليس الذين يزينون للمرأة التكشف والتبرج والاختلاط باسم المدنية والتقدمية والنهضة النسائية، ولكن للذبح! والذين دأبوا على نشر صور العاريات في مجلاتهم من الممثلات الأجنبيات أولاً، ثم من بنات المدارس بدعوى الرياضة ونساء السواحل بحجة الاصطياف، وعملوا على ذلك الدهر الطويل، ولولاهم ولولا مجلاتهم ولولا تلك الروايات من قبل وهاتيك الأفلام من بعد، ولولا الذين تخرجوا بمدرسة الضلال ثم ولوا هم ( مع الأسف ) أمر أبنائنا وبناتنا في مدارسنا، ما رأينا ولا توهمنا أننا سنرى يوماً بنات المسلمين يكشفن عن سيقانهن وأفخاذهن للعبة بكرة السلة أو لعرض في حفلة الرياضة أو لاصطياف على الساحل. ولو بعث قاسم أمين ومن شايعه على دعوته من رؤوس الفتنة، ورأوا إلام انتهت إليه المرأة بدعوتهم التي أرادوا بها غير وأؤكد لك أن ذلك الأمر في حقيقته أتفه وأهون مما تظن، ولولا هذا الذي يجمّل المرأة ويحسّن الحب، لما رأيت لتلك الصلة وأنا لا أريد أن أعقد هذا الفصل الذي أكتبه ليكون مفهوماً واضحاً بمصطلحات علم النفس، وإن خرقته سال ماؤه فاحترق الإبريق، وإن وصلت به ذراعاً كبيراً كذراع القاطرة أدار لك المصنع وسير القطار وعمل الأعاجيب. فالأولى حالة من يحبس نفسه عن شهوته يفكر فيها ويعكف عليها، والثانية حال من يتبع سبل الضلال ويؤم مواطن اللذة المحرمة، والثالثة حال المتسامي. فالتسامي هو أن تنفس عن نفسك بجهد روحي أو عقلي أو قلبي أو جسدي يستنفد هذه القدرة المدخرة ويُخرج هذه الطاقة المحبوسة : بالالتجاء إلى الله والاستغراق في العبادة، أو بالانقطاع إلى العمل والانغماس في البحث، أو بالألوان لوحة، أو بالألحان نغماً، أو بالجهد الجسدي والإقبال على الرياضة والعناية بالتربية البدنية أو بالبطولة الرياضية والإنسان - يا ابني - محب لنفسه لا يقدم أحداً عليها، فإذا وقف أمام المرآة ورأى استدارة كتفيه ومتانة صدره وقوة يديه، كان هذا الجسم الرياضي المتناسق القوي أحب إليه من كل جسد أنثى، ولم يرض أن يضحي به ويُذهب قوته ويعصر عضلاته ويعود به جلداً على عظم من أجل سواد عيني فتاة، ولا من أجل زرقتهما! هذا هو الدواء: الزواج، وهو العلاج الكامل، فإن لم يمكن فالتسامي، يؤدي. أما ما يقوله المغفلون أو المفسدون من أن دواء هذا الفساد الاجتماعي هو تعويد الجنسين على الاختلاط حتى تنكسر بالاعتياد حدة الشهوة، وفتح المحلات العمومية» حتى يقضى بها على البغاء السري، فكلام فارغ.