1 - العرب وأصلهمذهب فيليب حتي في كتابه تاريخ العرب إلى أن العرب ساميو الأصل. وهم - استناداً إلى خريطتهم اللغوية - أكاديون (بابليون نسبوا إلى عاصمتهم أكاد)،م.، ثم سكن المنطقة التي تدعى بلاد الشام الأموريون والكنعانيون. ولما كان عام ۱۵۰۰ ق. م. ومن أهمها أواصر قربي لغوية (١).م. نحو الشمال، فظهر الفراعنة، ومن يسمون مينوساتي أو هيكسوس» أي الملوك الرعاة (۳). ثم هاجرت موجة أخرى، واستقرت في وادي الرافدين حوالي الألف الرابع قبل الميلاد، فاختلطوا مع السومريين وظهر نتيجة اختلاطهم الشعب البابلي ثم في الألف الثالث ق.م. كانت هجرة أخرى للأموريين نحو الهلال الخصيب فظهر الكنعانيون ولا سيما بفلسطين ويرى بعضهم أن سكنى الكنعانيين بفلسطين كانت قبل ذلك (۱)). وقد سمى الاغريق سكان الساحل منهم الفينيقيين (٢)، على اسم المدن الساحلية البحرية التي استوطنوها في سورية (٣). ثم نزل الانباط حوالى سنة ٥٠٠ ق . وتأثرت حضارتهم بالرومان. بدأت الهجرات الإسلامية. وكانت للآراميين أهمية تجارية كبيرة، إذ إن قوافلهم بلغت الشام وما بين النهرين، وآسية الصغرى، ملتقية بقوافل اليمن والثموديين من الحجازيين وكذلك ظلت للآراميين أهميتهم التجارية بعد سقوط دولتهم (٦)، كما أخذوا عن الفينيقيين حروفهم الهجائية. ويزيد شوقي ضيف موجة أخرى نزحت إلى الشمال هي موجة الأحباش في القرن الثاني ق. - وسوف نأتي على ذكرها .ويتوزع العرب على ثلاثة أقسام: عرب عاربة أو عرباء، وعرب وعرب مستعربة .أك العرب العاربة : وذكر ابن دريد (۸۳۷) - (۹۳۳) في الجمهرة انهم تسع قبائل : عاد وثمود وعمليق وطسم وجديس وأميم وجاسم وجميعها أمم منقرضة، إلا بقايا (۲). وذكر أحمد الهاشمي أن أشهر قبائلهم : طسم وجديس وعاد وثمود وعمليق وعبد ضخم وهي العرب البائدة (۳). وذهب جرجي زيدان إلى انهم : عاد وثمود والعمالقة وطسم وجديس واميم وجرهم الأولى وحضرموت ومن ينتمي إليهم (٤) .وعلى العموم، فإن جميع هؤلاء يسمون العرب البائدة، لأن قبائلهم بادت واضمحلت ولم يبق منهم إلا فلول انصهرت في القبائل الأخرى.وكانت لهؤلاء العرب ممالك وأمم امتدت إلى الشام؛ وكانت لهم قصور وأبنية مختلفة ومدن ومعظمهم شماليون يقول ابن خلدون (۱۳۳۲ - ١٤٠٦) : وكان لهذه الأمم ملوك ودول في جزيرة العرب، وامتد ملكهم فيها إلى الشام ومصر في شعوب منهم، ويقال إنهم انتقلوا إلى جزيرة بالقرب من بابل لما زاحمهم فيها بنو حام، فسكنوا جزيرة العرب بادية مخيمين. ثم كان لكل فرقة منهم ملوك وآطام وقصور، إلى أن غلب عليهم بنو يعرب بن قحطان (٥)). وذكر هذا المؤرخ انهم ملكوا في العراقأيضاً: إن قوم عاد والعمالقة ملكوا العراق (۱)) .وكان هؤلاء العرب قسمين: الأول من نسل لاوذ بن سام، ثم نزحوا إلى جزيرة العرب (۲). وتؤكد النقوش التي عثر عليها هناك ذلك .العمالقة : هؤلاء هم قدماء العرب من أهالي سكان الحجاز. وقد ذهب جرجي زيدان إلى أن اسمهم منحوت من اسم قبيلة عربية سكنت شكال العقبة. على الأرجح، واسمها بالبابلية ماليق». وأطلقت على طائفة كبار العرب (۳) .وانطلاقاً من نسب العمالقة إلى لاوذ أخي إرم كما ذكرنا، سنذكر مملكتين لهما : مملكتهم في العراق، ومملكتهم في مصر.1 - مملكتهم في العراق لعل أول من ذكر ملك العرب في العراق بروسوس اليوناني (القرن ٤ ق . م . ) . وكان جدوله موضوع نقاش شديد بين العلماء. وفي ما يلي هذا الجدول :111 دولة الأشوريينسنو حكمهماسم الدولةدول قبل الطوفان٤٣٢٠٠٠٣٤٠٨٠دول بعد الطوفان٨٦أرقامها)دول أخرىضاعتدولة الكلدان٤٥٨٤٩٢٤٥٤٥٥٢٦أما الدولتان الأوليان،واعتبروا الدول الأخرى تاريخية حقاً - ولا سيما الدول الثلاث الأخيرة. فإن نحن نظرنا إلى دولة العرب التي ذكرها بروسوس، وقارناها بالدولة البابلية الأولى - أي دولة حمورابي (٢٤٦٠ - ۲۰۸۱ ق. فأرقام عدد الملوك وسنو الحكم متقاربة، م .بالسومريين. وما لبثت الحروب أن نشبت بينهما في الألف الثاني ق.م.ق. م. ثم ثارت عليه شعوب مختلفة فدحرها (۳) . م . على سياسة أبيه. ولكن المملكة ما لبثت أن تفسخت في القرن الثالث والعشرين ق.م. وكانت لارسا آخر الممالك ؛ إلا أنها ما انفكت أن انهارت تحت ضربات حمورابي مات (۲۲۲۲) (۱). وأول ملوك الساميين الذين نذكرهم هو ساموابي (مات ٢٣٨٥) أي «ابن سام»، وهو رأس دولة بابل. وفي ما يلي جدول بالملوكالبابليين ومدة حكمهم (۲) :مدة حكمهاسم الملكمن سنة (ق.م)إلى سنة (ق . م)ساموابي۳۱٢٤١٦٢٣٨٥۱۵٢٣٨٥٤٥زابوم۲۳۷۰امیل سین۱۸٢٣٣٥۲۳۱۷سینمو بليتحمورابيشمسو إيلونا ٣٥۲۱۹۷٢٥عمى ديتانا٢٥۲۱۷۲٢١٧٤عمى صادوقا ٣٤۲۱۱۳شمسو ديتانا ۳۱۲۱۱۳۲۰۸۲ومجموع حكمهم ٣٤٤ سنة، تقاسمها احد عشر ملكاً كما نرى . وهنا لا بد لنا من أن نشير إلى أن التواريخ المذكورة (وقد نقلها جرجي زیدان تختلف عن تواريخ نقلها سواه للأشخاص انفسهم، فجعل حكم وجعل ملك حمورابي من سنة ۱۷۹۲ حتى ۱۷۵۰ ق.م، وحكم ابنه شمسو إيلونا من ١٧٤٩ حتى ۱۷۱۲ ق. ونحن أميل إلى هذه التواريخ .وكانت دولة حمورابي قد اقتبست من تمدن السومريين، واستعملت لغتهم في أول الأمر، ثم أهملتها حتى غلبت فيها اللغة السامية، وكانت هذه اللغة هيروغليفية، أما قوانين حمورابي التي تعتبر أس الدولة البابلية في التشريع فلم تكن إلا نوعاً من العقلنة لأنظمة قديمة سبقتها (4). وقد وردت قبلها أنظمة لبيت اشتار ملك ايسين من سلالة بابل الأولى. لن نتوسع في تاريخ الدولة البابلية الأولى. لكننا سنبين أنها عربية. ونعني بهذا أنها أنها تمت بصلة إلى العرق العربي، بل هي متحدرة من هذا العرق. فذهب بعضهم إلى أن مهد الساميين الحبشة في أفريقية (٥)، وقال آخرون بأن مهدهم جزيرة العرب. والقائلون بهذا الرأي أكثر نفراً وأعز انصارا، ولهم في ذلك آراء أخرى متنوعة الأدلة، ولكن مما لا يمترون فيه أن العربية كانت أبعد آفاق التاريخ التي أضاء فيها كوكب الحضارة المشرق، وقد تحققوا ذلك بما اكتشفوه سنة ١٩٠١ في بلاد السوس من آثار دولة حمورابي وهي المسلة التي دونت عليها الشريعة البابلية في ۲۸۲ نصاً، وما ثبت لهم من أن هذه الدولة عربية، وهي تبتدىء سنة ٢٤٦٠ ق . م (١) وواضح في قوله هنا أن دولة حمورابي عربية.1 - أورد بروسوس اسم دولة العرب كما ذكرنا، وقد قلنا إنها تتناسبودولة حمورابي من حيث التواريخ وعدد الملوك .٢ - عُرف سكان البادية قديماً باسم «عمورو» ثم سموا عريبي»؛ واسمجد العمالقة عريب»، كما يذهب الطبري .- المشابهة التي بين لغة الدولة البابلية دولة حمورابي)، وبين اللغة العربية لا نجدها إلا من كان ناطقوها من بقايا العمالقة (٢). فاللغتان تتقاربان في صيغ الأفعال، وفي اعتمادهماالتنوين، وفي علاقة الجمع، وفي غير ذلك .- تركيب الأسماء البابلية - اسماء الملوك - عربي .ه التشابه في الآلهة وأسمائها بين البابليين وعرب اليمن۲ - مملكتهم في مصر : كانت للعرب علاقات بالمصريين منذ الزمن القديم. وقد نزح إليها الساميون ومعهم ابتدأ العصر الحديدي. وقد سمى المصريون أهل البادية شاسو» (١) ، وعند البابليين «العرب». وكان الشاسو يتنقلون في البادية المصرية ويعيشون حياة محض بدوية. (۲)وكان الشاسو من الغزاة، ويسرقون المصريين، فخافوهم. ولما تدهورت أمور مصر بعد نقمة الساميين عليها لسياستها الخارجية، وانقضوا على مصر السفلى، ومكثوا بها بضعة قرون، اقتبسوا خلالها الحضارة المصرية، وصار ملوكهم فراعنة (۳).أما العرب، فقد ذكروا دخول العمالقة مصر . يقول ابن خلدون: «إنبعض ملوك القبط استنصر ملك العمالقة بالشام لعهده - واسمه الوليد بن دومغ، ويقال ثوران بن أراشة بن فادان بن عمرو بن عملاق - فجاء معه وملك مصر واستعبد القبط، ومن ثم ملك العماليق مصر . وهو سنان بن الأشل، وفرعون يوسف وهو الريان بن الوليد، وفرعون موسى وهو الوليد بن مصعب. وذكر آخرون أن الريان بن الوليد يسميه القبط نقراوش، وأن وزيره كان أطفير وهو العزيز صاحب قصة يوسف (٤)) .ويذكر اليعقوبي (مات (۸۹۷) في تاريخه أن العمالقة دخلوا مصر. يقول: وكان أولاد بيصر قد كثروا وامتلأت البلاد منهم، فلما ملكوا النساء طمعت فيهم العمالقة ملوك الشام فغزاهم ملك العمالقة، ووطىء البلاد، ثم ملك آخر من العمالقة يقال له دارم بن الريان. وهو الوليد بن مصعب فاختلفت الرواة في نسبة . (۱) وغرقه الله في بحر القلزم.وقد ذكرنا أن العمالقة عرب (۲). ولفظة شاسو، كما بيننا، تعني البدو و العرب باللغة البابلية، إذ ورد في بعض النقوش المصرية أن الهكسوس قدموا من بلاد العرب ولفظه هيك شاسو تعني ملوك البادية لا الملوك الرعاة فحسب. وعليه، يكون العماليق قد وصلوا إلى مصر السفلى وأسس وا لهم مملكة فيها .٢ - تفرقهم بعد أن خرج العمالقة من مصر والعراق،في جزرة العرب ومن نسلهم القبائل البائدة التي سنأتي على ذكرها، وجعلها بعضهم في اليمن ونسبوا بناءها إلى ملك يدعى شداد. فيجعلون لفظة إرم اسماً لمدينة وصفت بأنها ذات عماد أي أساطين. وينقلون أنه كان لعاد بن عوص بن إرم ابنان، هما شديد و شداد ملكا من بعده. وسمع وصف الجنة فقال : لأبنين مثلها. فبنى مدينة إرم في صحارى عدن في مدة ثلاثمئة سنة، وكان عمره تسعمئة سنة، وإنها مدينة عظيمة، قصورها من الذهب واساطينها من الزبرجد والياقوت، وفيها أصناف الشجر والأنهار المطردة. ولما تم بناؤها سار إليها بأهل مملكته، حتى إذا كان منها على مسيرة يوم وليل بعث الله عليهم صيحة من السماء فهلكوا كلهم (۳). وجعل جرجي زيدان مدة بناء هذه المدينة - على زعم الأساطير - خمسمئة سنة (٤) . وجَعْلُ إرم مدينةً خطأ - أكد على ذلك ابن خلدون ذاكراً سبب الالتباس قال: والذي حمل المفسرين على ذلك ما اقتضته صناعة الاعراب في لفظة ذات العماد انها صفة إرم، ورشح لهم ذلك قراءة ابن الزبير عاد إرم على الاضافة من غير تنوين ثم وقفوا على تلك الحكايات التي هي أشبه بالأقاصيص الموضوعة التي هي أقرب إلى الكذب المنقولة في عداد المضحكات. وإلا فالعماد هي عماد الأخبية، بل الخيام، وان أريد بها الأساطين فلا بدع في وصفهم، وإنهم أهل بناء واساطين على العموم بما اشتهر من قوتهم لأنه بناء خاص في مدينة معينة أو غيرها. وان أضيفت كما في قراءة ابن الزبير فعلى إضافة الفصيلة إلى القبيلة كما تقول كنانةوالياس مضر، وربيعة نزار (۱)) . وقد ذكر اليونان إحدى قبائل اليمن، وسموها باليونانية adramitai وليست هذه الكلمة حضرموت، إذ إن هذه تكتب Xadramotitai ، فالمراد بها اذا هو العادراميون - أي بنوعاد .ولما كان العرب يُنسبون إلى القبيلة، أو إلى الجد، فقد نسبوا إلىإرم.إرم، فلما هلكوا، قيل نمرود إرم، فلما هلكوا، قيل: سائر ولد إرمارمان (۲)) .وكثرت المبالغات في تاريخ عاد، وفي أفرادها. ومما قيل إن طولالرجل منهم ٧٠ ذراعاً إلى مئة ذراع، ورأس أحدهم كالقبة العظيمة، فزعموا أن عاداً عاش ألفاً ومئتي سنة، واعتدل بعضهم فجعل عمره ثلاثمئة سنة (٢) . وأهم هؤلاء الملوك شداد أعظم رجالهم وأكبر فاتحيهم. وقد ذكر ياقوت (مات (۱۲۲۸) أن في ذروة جبل جش - إرم مساكن لعاد وارم (۳) . وقد قال القرآن غير مرة إن الله أبادها لأنها كفرت واستكبرت ومقام ثمود كان في الحجر التي عرفت بمدائن صالح، فأخرجتها حمير إلى الحجاز وسماها اليونان thamudeni. وهذا نصه : هذا القبر الذي بنته كمكم بنت وائله بنت حرم وكليبة ابنتهما لأنفسهن وذريتهن في شهر طيبة من السنة التاسعة للحارث ملك النبطيين محب شعبه فعسى ذو الشرى وعرشه (؟) واللات وعمند ومنوت (٤) وقيس تلعن من يبيع هذا القبر أو يشتريه أو يرهنه أو يخرج منه جثة أبو عضوا أو يدفن فيه أحدا غير كمكم وابنتها وذريتها ومن يخالف ما كتب عليه فليلعنه ذو الشرى وهبل ومنوت خمس لعنات ويغرم الساحر (؟) غرامة مقدارها ألف درهم حارثي إلا من كان بيده تصريح من يد كمكم أو كليبة ابنتها بشأن هذا القبر والتصريح المذكور يجب أن يكون صحيحاً. صنع ذلك وهب اللات بن عبد عبادة (١)) .وربما كانت ثمود قد أبادتها الزلازل والبراكين (٢). ويقال إن قبيلةثقيف من بقايا ثمود (۳).لأنهم إحدى بطون ثقيف (٤) .طسم وجديس (٥) : يقترن هذان الاسمان ببعضهما كما هي الحالبالنسبة إلى عاد وثمود وكان محلهما باليمامة (١). ورأس طسم هو طسم بن لوذ بن أزهر، ورأس جديس هو جديس بن عامر بن سام، يدعى عمليق (۲).فأنشدت قائلة :أَتَيْنَا أَخَا طَسْمِ لِيَحْكُمَ بَيْنَنَا فَأَنْفَذَ ظُلْما فِي هَزِيلَةً ظَالِمَا لَعَمْرِي لَقَدْ حَكَمْتَ لَا مُتَوَرِّعًا وَلَا كُنتَ فِي مَنْ يُبْرِمُ الحُكْمَ عَالِمَا نَدِمْتُ وَلَمْ أَنْدَمْ وَإِنِّي بِعَشْرَتي وَأَصْبَحَ بَعْلِي فِي الحُكُومَةِ نَادِمَاإذ ذاك غضب عمليق ومنع أن تزوج بكر من جديس أو أن تهدى إلى فأذلهم كثيراً. واستمر الأمر كذلك حتى زوجتبكر تدعى الشموس وهي عقيرة بنت عباد أخت الأسود، فافترعها عمليقثم أطلقها. فوصلت إلى بني قومها في أسوأ منظر فاستحثتهم على القتال،أَيُجْمَلُ مَا يُؤْتَى إِلَى فِتَيَانِكُمْوَأَنْتُمْ رِجَالٌ فِيكُمُ عَدَدُ النَّمْلِجهاراً وَزُفَتْ فِي النِّسَاءِ إِلَى بَعْلِ وَتُصْبِحُ تَمْشِي فِي الدِّمَاءِ عَفِيرَةٌ وَلَوْ أَنَّنا كُنَّا رِجَالاً وَكُنْتُمُنِسَاءٌ لَكِنَّا لا نُقِرُّ بِذِي الفِعْلِ فَمُوتُوا كِرَاماً أَوْ أَمِيتُوا عَدُوَّكُمْ ودبُّوا بِنَارِ الحَرْبِ بِالحَطَّبِ الجَزْلِ فَبُعْداً وَسَحْقاً لِلَّذِي لَيْسَ دَافِقاً وَيَخْتَالُ يَمْشِي بَيْنَنَا مِشْيَةَ الفَحْلِفهب أخوها الأسود واستحث جديس وأحكم الخدعة. فدعا طسماً إلى طعام أعده لهم، بعد أن طمر سيوف جديس، فلما قعدوا في مجالسهم يأكلون، فسار معهم إلى اليمامة، وانذره بعضهم من أخت متزوجة ترى الراكب من بعد مسيرة ثلاثة أيام يقال لها اليمامة. ورأتهم هذه، فأنذرت جديس، فأغار الحميريون على جديس وأفنوها (١)، وقد ذكرها الشعراء في شعرهم كثيرا.وهرب الأسود بعد مهلك جديس إلى جبلي طيىء قبل نزول القبيلة المسماة بهذا الاسم فيهما. وكان يأتي بحمار سمين وهم لا يدرون من أين. وقد فنيت جديس في أوائل القرن الخامس للميلاد. ويقال إن طسماً وجديس هما من ولد الأزد بن إرم بن لاوذ بن سام بن نوح (1) . (۱)القبائل الأخرى وهي أميم ومسكنها بادية أبار بين عمان والاحقاف وعبيل بيثرب ؛ ووبار ومسكنها أرض وبار باليمن (۲). وأخبار هذه القائل قليلة .دولة الانباط : مقر هذه الدولة جنوب - شرق فلسطين، وهي أرض صخرية. والانباط (أو النبط) بدو من عرب الشمال، انتشروا في القرن السادس قبل الميلاد حيث ذكرنا وكانت تلك المناطق تخضع لنفوذ الكنعانيين والآراميين (۳). وكان الحوريون قد سكنوا بلاد العرب الصخرية وسماهم اليونان troglodytes. ثم جاء الأدوميون (0) الذين ذكرتهم التوراة، وساعدوا بني خدنصر في فتح أورشليم، وكانت مكافأتهم تأييد سلطتهم في أدوم (1). وما لبث الأنباط أن داهموا الأدوميين من الشرق، وكانوا، علىالأرجح، نازحين من بادية الشام (٢) . تقع في وادي موسى ومعنى البتراء الحرة،وكانت طبيعة البلاد تساعد الأنباط كثيرا في المعارك إذ فشل انطيغونس خليفة الاسكندر مرتين في حملاته عليهم (٥) : انتظر خروج الرجال من المدينة في المرة الأولى فأغار عليها، فالتقى الأنباط جنوده عندما كانوا عائدين وقتلوهم. وحاصر المدينة في المرة الثانية، فعجز عن دخولها، فانسحب.وقوي الانباط وأسسوا دولة وضربوا النقود. وأقدم ملك وصل الباحثون إلى آثاره هو الحارث الأول (مات ١٦٩ ق. م - ٤٠ م) الذي بلغت دولتهم خلال حكمه أوج مجدها (٦) ، وبعد سقوط البتراء تحولت الطرق التجارية إلى مدينة تدمر. وفي ما يلي نسخة نبطية بالأحرف العربية عثر عليها بينأنقاض مدائن صالح (۳) :٢ - الكسي لنفشه وبلده واحره ولمن دي ينفق بيده- كتب تقف من يد عيدو قيم له ولم دي ينتن ويقبر به- يوجر او يتالف علو هي كيتب كله أو يقبر به انوش- لهن لمن دي علا كتيب وكفر وكتبه دنه حرم۱ - هذا هو القبر الذي بناه عائذ بن كهيل بن٢ - القسي لنفسه واولاده واعقابه ولمن يكون في يده- في شهر نيسان السنة التاسعة للحارث ملكه - الانباط محب شعبه ولعن ذو الشرى ومناة وقيس- الا الذين اسماؤهم أعلاه إن القبر وما كتب عليه حرم مقدم (إلىأبد الآبدين) (1) وكانت هذه المدينة تجارية، شأن البتراء، وقد حاول الرومان فتحها في نصف القرن الأول ق. م. ففشلوا . ثم تدخلوا في أمورها حتى صارت مستعمرة رومانية في عهد سبتيموس سفيروس (مات (۲۱۱)(۳).وكان معظم سكان تدمر آراميين، أو من بقاياهم (۳) .وفي عهد أذينة (أذينث اذيناسوس مات (٢٦٨) الملقب بملك الملوك (٤) توسعت سيادة تدمر ؛ لأنه ساعد الرومان على الفرس، فكافأوه، وما لبث أن صار سيد سورية وما يليها من آسية الغربية، حتى إن الأمبراطور غليلنس (مات ۲٦٨) اعترف بأذينة أمبراطوراً على المشرق (٥) .ثم مات أذينة وابنه الأكبر هيروديس، فملك ابنه الثاني وهب اللات وصارت أمه زنوبيا في الآرامية : بث زباي صاحبة النفوذ، فبسطت نفوذها على مصر وقسم كبير من آسية الصغرى وقهقرت الرومان حتى أنقرة (٧) ، ووصل رجالها إلى مصر (الاسكندرية). هذا الأمر أغضب أورليانوس - ولا سيما أن زنوبيا كانت قد أعلنت استقلالها عن رومة (1) - فحاصر بجيشه الجرار تدمر. وحاولت زنوبيا الفرار، لكن الرومان قبضوا عليها ؛ فعفا اورليان عنهم، وكان هذا عام ۲۷۲م . ولكن تدمر ما لبثت أن ثارت عندما كان أورليان في طريق العودة، فعاد إليها ، ودك أسوارها، وقتل معظم سكانها .وقد ذكرها العرب باسم الزباء»، وتشوهت قصتها عندهم بانتقالها على الألسن، فابتعدت عن الصواب (۲) ، ودخلتها مبالغات كثيرة. واللافت أنهم جعلوا الزباء ابنة رجل من العماليق يدعى عمرو بن الظرب (٢). ويدعون القحطانيين نسبة إلى يعرب بن قحطان. وقد سموا متعربة لأنهم أخذوا العربية عن العرب البائدة أو العاربة). فهم - كما يذهب العرب - ليسوا خُلَّصاً. يقول ابن دحيا: «وهم الذين ليسوا بخلص، وهم بنو قحطان (٤)). وفي تعرّ بهم يقول الرافعي : ويعرب هذا هو الذي يزعم العرب أنه أصل اللغة الفصحى (٥)). ويقول ابن دحيا : وسمي يعرب بن قحطان واسمه مهزم لأنه أول من انعدل لسانه عن السريانية إلى العربية. أما دولتهم الصغرى فعرفت مملكة الجبئيين ومملكة القتبانيين ومملكة القريين. بيد أن العرب لا يعتبرون لسان حمير وبقايا جرهم وسكان أقاصي اليمن لساناً عربياً. وواضح هنا انهم لا يعتبرونهم من نسلهم. وقال أبو عمرو بن العلاء : ما لسان حمير وأقاصي اليمن بلساننا ولا عربيتهم بعربيتنا (۳). وفي ما يلي نعدد الممالك العربية الجنوبية :أ - الدولة المعينية : نشأت في بطن اليمن، ثم استولت على معظم المناطق الجنوبية. إذ إن دولتهم ظهرت في اليمن منذ القرن الثالث عشر ق.م. كما يرى بعضهم (٤). وبعضهم بلا لقب مثل أب يدع - أليفع - حفن بن أب يدع - وغيرهم .وكانت الحكومة وراثية في معين، يجوز أن يتولاها اثنان معاً. وكاناسم الملوك في الحقبة الأولى مزواد (۲). ولعل هذا الاسم يتضمن معنى وشمل نفوذ المعينيين جزيرة العرب كلها . إلا أن دولتهم كانت دولة تجارية والأرجح أن عاصمتهم كانت في بادىء الأمر، معين، كما ذكرنا، ثم صارت القرن» أو «قرنا (۳)».وقد ذكرت التوراة المعينيين (٤) ،ب - الدولة السبئية ورثت هذه الدولة حكومات قتبان ومعين، والأقوال في أصلهم مضطربة، ولكنهم تدرجوا في حكمهم من الإمارة الصغيرة إلى الملك الواسع (۲). وتوسعوا هناك مستفيدين من ضعف المعينيين (٤) . ويدعى القائم على أمور الدولة مكرب وهو يجمع بين الكهانة والملك (٥) . وكانت هذه الدولة تعرف بتجارتها ويرجع الفضل إلى سبأ في نشر نفوذ الدولة السبئية، وهو أول ملك من ولد قحطان. وقيل إنه سمي عبد شمس، وكان أول من ملك من ملوك العرب، وسبى السبايا (٦)).ويبدو أن السبئيين مروا بأربعة أطوار، فكان ملكهم في الطور الأول يسمى مكرب سبأ»، ثم «ملك سبأ وريدان - وكان ريدان محفدا (۷) من محافدهم الكبرى، سمي بعد ذلك ظفار - ثم قالوا : ملك سبأ وريدان وحضرموت واعرابها في الجبال وتهامة (۱)). وينقسم تاريخ الدولة السبئية إلى طورين : الطور الأول هو العصر السبئي الحقيقي،-1- العصر السبئي الحقيقي : يبدأ هذا العصر بين القرن الثامن والتاسع ق. وأول ملوك ذمر علي. واثنا عشر ملكا (٢). فهم ثلاثة وعشرون جيلا ويقدر مرحلة حكم الدولة بنحو سبعمئة سنة. وكان الحكم في الحقبة الأولى أي منذ القرن التاسع أو الثامن ق.م) يتصف بطابع كهنوتي، ثم تجرد منه في المرحلة الثانية من حوالي ٦١٠ ق.م. حتى ۱۱۵ ق . م . ثم صارت مأرب العاصمة (۳) ، وابتنوا فيها سداً شهيراً هو سد مأرب الذي سنأتي على ذكره لاحقاً. وصارت دولة السبئيين صلة الوصل بين مصر والشام والعراق والهند والحبشة. ولما ذهبت قوة هذه الدولة، بنظرنا ليس هو الواقع،قادرين على ترميمه . ولما انتقلالثقل إلى ريدان (ظفار) قوي هؤلاء وسيطروا فصارت ريدان هيوحمير في التاريخ هو ابن سبأ. يقول اليعقوبي : ثم ملك بعد سبأ حمير بن سبأ، واسم حمير زيد، وكان أول ملك لبس التاج من الذهب مفصصاً بالياقوت الأحمر (۲)). وكان الحميريون يقيمون في ريدان قديماً، وقيل : كانوا حكاماً في قتبان (۳). ولما سنحت لهم الفرصة سيطروا، في القرن الثالث، ملك سبأ وذو ريدان وحضرموت ويمنت واعرابها في الجبال وفي تهامة (٥)) .وكانت هذه الدولة ميالة إلى الحرب؛ واستمر حكمهم حوالى ٦٤٠ سنة تنقسم إلى قسمين: القسم الأول كان الملك خلاله يدعى «ملك سبأ وذو ريدان»، والقسم الثاني (يبدأ منذ العام ۳۰۰ م). كان الملك في أثنائه يدعى «ملك سبأ وذو ريدان وحضرموت واليمنات (٦)). وقد توالى في المرحلة الأولى ۱۳ ملكاً، سوى الذين لم تعرف أسماؤهم، وحكموا من سنة ١٧٠ م. حتى ٢٥٠ م. وفي المرحلة الثانية ١٤ ملكاً،ذكرناه . وقد حفلت روايات العرب بكثير من المبالغات في وصف أعمال ملوك حمير كزعمهم أن زعيمهم شمر يهرعش وطيء فارس وخراسان وبنى مدينة سمرقند، وأن اسعد أبو كرب مات عام ٤٢٠) غزا اذربيجان والقسطنطينية وهزم الترك (١). وغير ذلك من أخبار مبالغ فيها (٢) .وقد ذهب الأحباش النصارى بملك الحميريين الذين كانوا يهوداً في عهد ذي نواس وأنشأوا لهم مملكة على شاطىء البحر الأحمر دامت حتى عام ٥٧٠م. المعروفة بعام الفيل.ج - فتح الأحباش بما أن الأحباش ليسوا يمنيين بل أفارقة، هؤلاء غزوا بلاد العرب عام ٣٤٠ م، وأجلوا عام ۳۷۸ م . فاسترجعت حمير سيادتها. وقيل إن يهوديا كان في نجران قُتل له ابنان ظلماً، فرفع أمره إلى ذو نواس فزحف هذا الأخير على نجران، وقتلأهلها ومعظمهم مسيحيون فاستنجد رجل نجا من المجزرة، ثم عام ٥٢٥م. وهزموا ذو نواس، وقتلوه وأكثر رجاله (۱) ؛الرسول (ص)، ومات أبرهة الحبشي بالجدري وأكثر رجاله .وقد حاول الأحباش تنصير البلاد، فأنشأوا مزاراً دينياً في الجنوب المزاحمة مكة الوثنية وكعبتها (۲). واحدهما من قبيلة فقيم والآخر من بني مالك، فأعد العدة للحرب، وهيأ الفيلة للحملة على مكة، إلا أنه مات وجيشه بالجدري (۳). وكان خراب سد مأرب في زمن الحبشان (٤).د - الجبثيون والقتبانيون والقريون الأمتان الأوليان تجاريتان، لميعرفهما العرب. وذكر جرجي زيدان أنهم من أهل اليمامة، ينتسبون إلى قرية» - وهو اسم اليمامة القديم (٥) . ويعتبرها العرب من العرب العاربة التي لم تبد، الا انهم ذابوا في أهل كندة، فصاروا من عدادهم (٦) .۱ - الاجتماع : كانت كل مملكة تتألف من قصور، ويدعى القصر محفدا، يملكه شيخ أو أمير. وكان بداخل كل محفد معبود، نادرا ما يبرح قصره. وقد اهملوا الجيش لقلة فتوحهم الا عند الجاجة. والصناع والتجار والزواج عندهم كان مشتركاً، ولهم أن ينكحوا امهاتهم، ولكن يشترط عليهم دائماً أن يتزوجوا من داخل بيتهم (1) .٢ - الصناعة والزراعة لعل أهم ركيزة في ما يمكن أن يسمى صناعةعرب الجنوب هو التعدين. فقد كثرت فيها مناجم الفضة والذهب والأحجار الكريمة والهمداني عقد فصلاً ذكر فيه طائفة كبيرة من معادن تلك البلاد (۲) ، كذلك قامت الصناعة هناك على تحضير بعض المنتوجات التجارية، كالبخور وغيرها (٤)، وهي صناعات خفيفة .أما الزراعة فكانت مزدهرة. وكثرت البساتين والرياض، ولا سيما حول المدن؛ وأشهرها سدمأرب .- البناء : اشتهر الجنوبيون بالبناء، فأقاموا المدن مثل مأرب ( وتدعى أيضاً سبأ) (٢)، ومعين، وظفار، وصنعاء (۳)، وغيرها . وقد كثرت القصور الفخمة والهياكل (٤) ، وأهم تلك القصور قصر غمدان في صنعاء .ينسب بناء هذا القصر إلى ملك يمني يدعى يشرح بن يحصب (٥) ؛ والطبقة الأخيرة سقفها من الرخام الشفاف، يمكن للناظر أن يرى من خلاله، فيميز الغراب من الحدأة. وللقصر أوجه أربعة منها واحد مبني بحجارة بيضاء،