فلقد عرف شمال إفريقيا في فترة العصر الحجري الحديث تعاقب عدة ثقافات تظهرها لنا الرسومات الصخرية للصحراء الكبرى، بالإضافة إلى وصفهم في البرديات والنصوص المصرية التي تعود إلى عصر فجر السلالات وعصر الدولة القديمة وإلى غاية نهاية الألف الثاني قبل الميلاد. أما عن الرسومات الصخرية الصحراوية التي تنقسم إلى خمسة مراحل تاريخية، فهي تشير إلى تعاقب عدة ثقافات على المنطقة سادت خلالها مشاهد الرعي التي كان أبطالها من الأجناس المتوسطية والزنجية، ثم سادت مشاهد الخيول ومشاهد العربات التي تبدو أحدث عهدًا من فترة الحيرميات والبقريات التي ترجع إلى العصر الحجري الحديث حيث ساد المناخ الرطب، وتعرف نصوص البرديات المصرية ساكنة شمال إفريقيا من غير المصريين على أنهم التمحو تارة والتحنو تارة أخرى. أما عن النصوص التي تعود إلى فترة حكم الملك رمسيس الثالث الذي حكم مصر في عصر الدولة الحديثة، فهي تعرفنا بأسماء القبائل التي كانت تنتشر في صحراء ليبيا غرب واد النيل، بالإضافة إلى الصفات المورفولوجية لعناصر تلك القبائل التي تذكر من بينها: التحنو والتمحو والليبو والريبو والأكابواشة ذوي الشعر الأشقر والعيون الزرقاء المعروفين بارتداء الخوذات واستعمال الأسلحة البرونزية، والمشواش والشردن والتورشة والشكل كما أظهر المصريون الليبيين في رسوماتهم على أنهم ذوي بشرة بيضاء وعيون زرقاء وشعر أشقر تارة، وذوي بشرة سمراء ولحى مسترسلة ويلبسون جلود الحيوانات المفترسة تارة أخرى. كما مثلهم هذه الرسوم وهم يضعون بعض الريشات على مؤخرة رؤوسهم. ويعتبر عمل المؤرخ الإغريقي هيرودوت المعروف بالتواريخ مصدرا مهما لتاريخ العالم القديم، وتزداد أهميته عندنا لاهتمامه بليبيا في القرن الخامس قبل الميلاد، فهو يعرفنا في كتابه الرابع بتقاليد وعادات القبائل الليبية التي كانت تنتشر في الأراضي التي تقع غرب واد النيل. كما تتعرف على جوانب عديدة من تقاليد الليبيين من خلال أعمال الجغرافيين من أمثال سترابون وبطليموس الذين خلفا وصفا للتركيبة الطبيعية والبشرية في ليبيا. وإذا ما توفرت لدينا المعلومات ولو القليلة منها عن قبائل الليبيين الشرقيين من خلال النصوص اليونانية، فإن الغموض يبقى يخيم على تاريخ ليبي الغرب أسلاف التوميد والمور في ذات فترة كتابة تواريخ هيرودوت، ولا تكاد تجد ذكرا لها إلا في مناسبات خاصة تتعلق باستيطان الفينيقيين السواحل المغرب القديم في أواخر الألف الثاني قبل الميلاد، وصراع قرطاجة والإغريق فيما يعرف بالصراع القرطاجي الإغريقي ثم صراع قرطاجة والرومان فيما اصطلح على تعريفه بالحروب البونية أو البونيقية. تبقى الروايات التي تتطرق إلى أصول سكان المنطقة القدماء يشوبها كثير من الغموض، فبينما شكك هيرودوت في أصول بعض القبائل الليبية لارتيابه فيما يرويه الليبيون من أخبار اعترف الجغرافي الإغريقي سترابون بقلة المعلومات المتوفرة لديه بخصوص هذا الموضوع.