الأرض أطفال ورمال ودواب، وجرت عيناه وراء الصغيرات من البنات بلا ملل، في ركنه الأيسر نخلة عالية مقوسة الهامة، ثم رفع رأسه عن وجهٍ نحيلٍ فائض الحيوية بيِّن الإشراق، حدجَهُ بعينٍ رأت الدنيا ثمانين عامًا، فلم يملك سعيد من أن يهوي على يده فيُقبِّلها وهو يدفع دمعة باطنية استقطرها من جو الذكريات والأب والأمل والسماء في الماضي البعيد. وأين المريدون؟ أين أهل الذكر؟ يا سيدي محمد على بابك! وتربَّع أمامه على الحصيرة وهو يقول: أجلسُ دون استئذان لأني أذكر أنك تحب ذلك! شعر بأن الشيخ ابتسم من دون أن ترتسم على شفتَيهِ الغارقتَينِ في البياض ابتسامة، ترك الشيخ رأسه يهوي في صدره وهو يقول بصوت هامس: أنت تقصد الجدران لا القلب! ثم قال بصراحة ودون مبالاة: خرجتُ اليوم فقط من السجن! فَرَنا إليه بعين رائقة ثم تمتم: يقول إن كل سجن يهون إلا سجن الحكومة! فغمغم الشيخ دون مبالاة: ولك الساعة التي أنت فيها! إلا أنه تساءل مستزيدًا من الثقة: وأبي عم مهران الله يرحمه؟ فهز رأسه في طرب مفاجئ قائلًا: «وقال وهو على الخازوق باسمًا: جرَتْ مشيئتُه بأن نلقاه هكذا!» ورجعتُ بقدميَّ إلى جو البخور والقلق، فقال جادًّا: قلت لنفسي إذا كان الله قد مدَّ له العمر، – أنت طالب بيت لا جواب. فقاطعه بهدوء لا يخرج عنه: أنت تريد بيتًا ليس إلا! وقال: ليس بيتًا فحسب، فقال الشيخ كالمترنم: قالت المرأة السماوية: «أما تستحي أن تطلب رضا مَن لستَ عنه براضٍ؟!» فلَكَمه برحمة وقال له: أهذه أغنية مناسبة ونحن في الطريق إلى الشيخ المبارك؟ وترنَّح الأب وسط الذِّكر، وطرأَتْ فكرة بأن العادة أساس الكسل والملل والموت، وهو يرحب بكل مخلوق، فقال سعيد: على كل حالٍ فهذا البيت بيتي، هكذا قال بعض الشاكرين! فقال سعيد برجاء: إني في حاجة إلى كلمة طيبة. فلم يُعنَ بالالتفات إلى قوله، وعينا سعيد تتابع طابورًا من النمل يزحف بخفة بين ثنيات الحصيرة، ثم قال بلهجة المعتذر: غادرتُ السجن اليوم ولم أتوضأ! فقال بلهجة جديدة شاكية: أنكرَتْني ابنتي، فعاد الشيخ يقول برقة: توضَّأْ واقرأ! تلميذ كان يقف بين يديَّ كالكلب، بالاتفاق معها وشى بي، والرضا بما حكم وقَدَّر. ها هو أبي يسمع ويهز رأسه طربًا، ويرمقني باسمًا كأنما يقول لي: اسمع وتعلَّم، ومع العودة ذات مساء إلى بيت الطلبة بالجيزة رأيتها مُقبِلةً تحمل سلة، طاوية هيكلها على جميع ما قُدِّر لي من هناء الجنة وعذاب الجحيم. المردد لكلمات لا يمكن أن يعيها مُقبل على النار،