وتبلور ذلك التفكير حول مدي صلاحيتها وقيمتها في خدمة التطور الاقتصادي المتوقع في السودان من جانب، ونود قبل ان نناقش ذلك التفكير ونوضحه ان نشير الي ان المقدمات الطبيعية لها كانت قد ظهرت قبل استرداد السودان بوقت قليل. واقترح البحث عن موضع اخر علي الساحل السوداني يمكن ان تدخل اليه السفن ليلا، ونحن نعتبر بناء فنار سنقنيب في العام (1897) استجابة لحالة الملاحة دليلا علي اتجاه مصر الي وضع كل التسهيلات التي تخدم التجارة وتتفق مع سياستها في البحر الأحمر. واسست فيه بورتسودان فعلا ولكن لم يخل الامر من التجاه والتفكير في مواقع اخري علي خط الساحل السوداني. وهما مشروع سواكن - بربر مشروع مصوع – كسلا. يمتد منها الي بربر ويمر بطريق اروما الي نهر عطبرة، لان تصميم الخطة العامة لمد الخط الحديدي بين الساحل والنيل اتخذت منها نهاية تنتهي اليها المواصلة السريعة علي خط الساحل، وتمسك مستر مكولي مدير السكة الحديدية بالمحافظة علي سواكن، ومع ذلك فقد اتفق كل من واطسون وكتشنر وونجت علي ان سواكن لا يمكن ان تكون الميناء المناسب لتصريف تجارة السودان في ظل التطور الاقتصادي المرتقب. اما الحذر فكان لتجنب الفشل كما فشل مشروع سواكن – بربر سنة 1885، وتحققت لسواكن عندئذٍ افضل وسيلة يمكن ان تكون لخدمة النقل اليها من قلب السودان، فبدا التفكير في تجهيز سواكن واعدادها للوفاء باحتياجات التجارة وخدمة السفن. وكلف مستر كنيدي 1904 باختيار موقع سواكن وتقديم تقرير عن المبالغ اللازمة لتطهير الميناء وإزالة الحواجز المرجانية والشعاب التي كانت قد نمت وبدأت تسد الطريق المكشوف اليها في الذراع العمودية علي خط الساحل. فيما حول جزيرة سواكن لا يمكن ان تتحمل الا عددا محدودا من السفن، وبذلت محاولات جدية في اعداد نقطة جراهام علي الجانب الايسر للقناة الطبيعية الطويلة التي تمر بها السفن من عرض البحر الي جزيرة سواكن. ولكن كنيدي كان مصرا علي التقليل من قيمة أي مجهود يبذل، هكذا كانت الضجة التي اثارها كنيدي وهفها الحكم علي سواكن بالتقاعد، واقترح ونجت علي لورد كرومر ان يكون للسودان الميناء الجديد الخاص به، لخدمة تجارته المتزايدة طبقا للترتيبات الموضوعة والتخطيط المرسوم لتطويره، وتكوين لجنة من المختصين لإعطاء الكلمة النهائية، الذي صمم في خطابه للحاكم العام في أكتوبر سنة 1904 علي ضرورة النهوض باعداد مشروع شرم الشيخ برغوت وتحويله الي ميناء كبير للسودان. قبل ان نوغل في الحديث عن الصراع بين بورتسودان وسواكن وما كان من امر المنافسة بينهما واضمحلال سواكن، نود ان نقارن بين الموقعين وعلاقة كل منهما بالنمو المرجاني. كما تظهر في شكل حواجز خارجية بعيدة عنه بمسافات متفاوتة، وتلائم الأعماق الملاحة ومرور السفن، وخليج سواكن وشرم الشيخ برغوت كلاهما نشا من تصدع مهد للسفن طريقا من عرض البحر الي فم الخليج او الشرم بحيث يكون الدخول اليه في أعماق مناسبة تماما. اما الاختلاف الذي يمكن ان يبرز التباين بين قيمة شرم وشرم اخر، اما النوع الثاني فيتميز بطول الذراع الممتدة فيما بين البحر المكشوف وخط الساحل كما يظهر في حالة خليج سواكن كما يتميز بالعمق والضيق. وهكذا يمكن القول ان شرم الشيخ برغوت وهو من الطراز الأول يتفوق في صفاته البحرية علي خليج سواكن، ويمكن القول ان تلك المشاركة والتي تحولت الي صراع ومنافسة باتت واضحة وملموسة علي ضوء مقارنة حالة الملاحة وعدد السفن في كل من الميناءين في الفترة المحدودة من يناير الي نوفمبر سنة 1906، ومن ضمنها بعض سفن الملاحة الساحلية التي كانت تصل اليها من سواكن لنقل الرسالات المسجلة برسم بورتسودان وافرغتها السفن، اما سواكن فلم تلق الا الإهمال، وظلت سفنهم والسفن التي تحمل البضائع لهم تصل مرفأ سواكن من حين الي حين الي سنة 1924. وهم انفسهم يفسرون ذلك الإصرار والتمسك بسواكن علي ضوء احساسهم بسهولة التفريغ من السفن والتخزين في المخازن التي كانت لا تبعد عن المرابط بأكثر من امتار معدودة، وتوجد في نفس مساكنهم التي يقطنون الأدوار العليا منها ويضعون بضائعهم في أدوارها السفلي. ولعل من الطريف ان يتغاضي الانجليز في حكومة السودان عن إصرار السواكنية وغيرهم من سكان سواكن خلال تلك الفترة التي كانت مشكلة الماء العذب وتوفيره لبورتسودان قد استحكمت ولم يصل البحث فيها الي نتيجة إيجابية مرضية. ويعني ذلك انهم لم يضعوا قيودا علي سواكن ومرور السفن بها وارتباط سكانها بخدمة التجارة المارة رغبة منهم في عدم تحميل الميناء الجديد عددا كبيرا من السكان في وقت لم يتوفر فيه بعد المورد الكافي الغني للماء العذب بكميات كافية. من اجل ذلك نحن نعتقد ان الاستمرار الصراع بين سواكن وبورتسودان من 1907 الي 1922 لا يبرره في الواقع تمسك السواكنية بجزيرته، ويمكن القول ان قيام الحرب العالمية الاولي واضطراب الخطة الموضوعة لحل كل المشكلات المتعلقة بالماء العذب وتوفيره والتي وضعت قبيل قيامها بوقت قليل، هو الذي منح سواكن فرصة اخري تمتد من 1914 الي 1922، هو الذي مكن الحكومة بعد ذلك من تضييق الخناق علي سواكن ووصول السفن اليها، كما ان الأعماق لم تكن مطمئنة بالنسبة للسفن الكبيرة. وسواكن اليوم خالية من كل اثر للحياة والنشاط فيما عدا أولئك البجة من الهدندوة الذين يسكنون القيف في ظهير خط الساحل المباشر في مواجهة الجزيرة والخليج. وجدير بالذكر ان السواكنية الذين اعتزوا بمينائهم وتمسكوا بها وما زال في قلبهم الحنين والشوق وما زالت منازلهم سليمة، ولا يمكن لزائر غريب يهبط الي سواكن من التلال او يقترب منها من ناحية بورتسودان ان يصدق انها مهجورة خالية تماما من كل اثر للسكان. كما يري مياه الخليج ساكنة هادئة لا يشق سطحها حتي ولو قارب صغير. ويقتصر ذلك التفاعل علي موسم الحج عندما يتجه الحجاج السودانيون وغيرهم ممن يمرون بطريق السودان. ويقومون بنفس الدور الذي مارسه اجدادهم قرونا طويلة في خدمة الملاحة والتجارة. وهكذا كان التدهور والانهيار الذي أصاب سواكن كمركز للعمران وجاء كنتيجة لخري لسياسة الحكومة التي حاولت بشتي الطرق تجميد قيمتها وتحويلها الي موقع اثري. وموانئ الساحل السوداني في جملتها – كما قلت تتميز بالحساسية، وبانها تكاد تكون المرآة التي تنعكس فيها صورة القوة السياسية التي تهتم بها او باستخدامها من اجل الحصول علي السلع والمنتجات السودانية. ونشير الي ان السواكنية اثاروا بعد تشكيل الوزارة الوطنية السودانية الاولي عاصفة من الاحتجاج وفندوا السياسة التي رسمت لإسدال الستار علي مدينتهم. وبذلت المساعي من اجل انقاذ الموقف وتكونت لجنة أهلية للبحث عن حل لمشكلة سواكن. محل مشكلة الماء وتوفيره، لأنه يعني نشاطا إضافيا يتمثل في زيادة عدد سفن الملاحة الساحلية التي تنقل قطن دلتا طوكر من مرفأ ترنكتات الي محلج القطن في القيف المواجه لجزيرة سواكن من ناحية الجنوب، ويجتمع حينئذٍ في سواكن عدد كبير من البجاة ومعهم اسرهم لتلبية احتياجات الخدمة الموسمية في المحلج. ونحن نعتقد ان أي محاولة لإحياء سواكن لن تكون مجدية اذا ما كان الغرض من لك عودتها الي وظيفتها كميناء في خدمة الملاحة والتجارة. ولذلك يجب ان يكون البحث في احياء سواكن وفق خطة مرسومة، نلخصها في خطوتين أساسيتين ومع ذلك فلا يمكن ان نتكهن بوقت معين للانتهاء من أي من تلك الخطوتين، لان الامر تقديري بحت وتتحكم فيه ظروف لا يسهل الحكم عليها او تقديرها. وليكن لنا في نشاط الحياة فيها في موسمي الحج والحلج دليل يضع أيدينا في بداية الخطة التي يجب ان ترسم وان تخطط. ونعني بذلك خلق الاعمال المناسبة التي يمكن ان يتجمع من اجلها السكان لتلبية احتياجات تلك الاعمال. ويجب ان يتبع ذلك كله بحث جدي في سبيل توفير مياه الشرب العذبة لها من مجموعة ابار (شاطا) التي تبعد عنها بحوالي الف متر، ويمكن القول ان التنمية الاقتصادية في السودان في القطاع الزراعي والرعوي في السنوات الخمس الأخيرة تقترب منا من تلك الحالة،