12:37 am] : مقدمة: موضوع هذا البحث هو الحجاج في الخطابة العربية في عصري صدر الإسلام وبني أمية، وهو العصر الذهبي للخطابة العربية؛ كان من أهمها ظهور الإسلام، واتخاذه الخطابة أداة للدعوة إليه، ووسيلة لعرض شرائعه وتشريعاته وأوامره ونواهيه، فكثرت الأحزاب السياسية، واتخذ كل حزب من الخطابة وسيلة للدفاع عن مبادئه أفكاره، كما كانت وسيلة لتحفيز الجنود قبل المعارك التي خاضوها ضد الفرس والروم؛ إذ كان من التقاليد الشائعة أن تسبق كل معركة بخطبة من القائد لترغيب الجنود في الإقبال على الجهاد، وقد أدى هذا الاتساع في الاعتماد على الخطابة إلى إضفاء أهمية كبيرة جدا على القدرة الحجاجية فيها، ومن ثم بلغت المهارة في الحجاج مبلغا عظيما كان من الواجب أن يُفرد ببحث مستقل يصف هذه المهارة ويوضح وسائلها. الأول : بيان أهم التقنيات اللغوية المستخدمة للحجاج في الخطابة في المادة موضوع الدراسة، فموضوع الحجاج كما يعرفه بيرلمان هو درس تقنيات 30/03, 12:38 am] : الخطاب التي من شأنها أن تؤدي بالأذهان إلى التسليم بما يعرض عليها من أطروحات، أو أن تزيد في درجة ذلك التسليم . للحجاج عبر الإقناع العقلي أو عبر التأثير النفسي. ويعني ما سبق أن هذا البحث يدور في فلك نظرية الحجاج التي تكرس جل اهتمامها إلى " تقنيات الإقناع ووسائل الإثارة والتأثير، وتبحث في مختلف الأساليب التي يعتمدها الباث لإقناع المتلقي برأي أو برؤية، أو حمله على الإذعان له دون اقتناع حقيقي . وهي بهذا . نظرية تنفي البراءة عن الخطاب، وتؤكد أن غاية الأدب القصوى هي أن يلج مناطق المتلقي ويفعل فيه فعلا قد يكون من القوة بحيث يدفعه إلى موقف أو سلوك معين، أو على الأقل يهيئه لهذا الموقف أو ذلك السلوك. وهي نظرية بلاغية حديثة . ومن البلاغة أفانين الإثارة والتأثير، كما تأخذ من علم النفس والاجتماع قوانين التواصل وأساليب الفعل في الآخرين . ويعرف (بيرلمان) و (تيتكاه) موضوع نظرية الحجاج بقولهما: "موضوع الحجاج هو درس تقنيات الخطاب التي من شأنها أن تؤدي بالأذهان إلى التسليم بما يعرض عليها من أطروحات أو أن تزيد في درجة هذا التسليم . وغاية كل حجاج أن يجعل العقول تذعن لما يطرح عليها . فأنجح الحجاج ما وفق في جعل حدة الإذعان تقوى درجتها لدى السامعين بشكل يبعثهم على العمل 30/03, 12:38 am] : المطلوب إنجازه، أو الإمساك عنه أو هو ما وفق على الأقل في جعل السامعين مهيئين لذلك العمل في اللحظة المناسبة " ويعني التحليل الدقيق لمجمل تعريفات الحجاج أنه لا يوجد إلا حيث يوجد الشك والاختلاف أو عدم الاجتماع على رأي ما ، وأن مداره على التمكين لذلك الرأي أو تلك الفكرة والتشديد عليها، وأن ذلك يكون بأحد أمرين: الأول: التوجه إلى عقل المخاطب واستخدام كل القدرات الاستدلالية لإيقاع التصديق. والثاني: اللجوء إلى العاطفة باستخدام وسائل التأثير في النفوس. وفي نوع الخطب البرهاني يكون استخدام كل طرائق فن الأدب جائزا، فالمهم هو التوسل بكل ما من شأنه أن يجعل الجمهور يقاسم الخطيب أراءه ومشاعره ولا يقتصر درس الحجاج على الخطابة والمنطوق من الخطاب فقط، وإنما يشمل أيضا دراسة الخطاب المكتوب؛ لأن الكاتب يكون مستحضرا الجمهور أثناء عملية الكتابة، بل إن كل خطاب أصبح موضوعا للتحليل البلاغي الحجاجي، كالخطاب اللغوي العادي، والخطاب الفلسفي، 12:39 am] : والخطاب الصحافي والخطاب السياسي والخطاب الديني من حيث إن كل خطاب له مخاطب ضمني يتوجه إليه بغية تحقيق مقاصده. وتأسيسا على ما سبق يمكن تحويل أهداف هذا البحث إلى الأسئلة الجزئية التالية: ما القيمة الحجاجية للبنى الأسلوبية الأشيع في الخطابة؟ - كيف نفسر قدرة هذه البنى الأسلوبية على التأثير والإقناع؟ - ما مدى تأثير الموقف والجمهور على البنية الأسلوبية للنصوص؟ ومن خلال الإجابة عن الأسئلة السابقة، تقديم قراءة جديدة للخطابة العربية في ضوء نظرية الحجاج؟ وقد فرضت هذه الأسئلة على البحث مادته، فالخطابة في عصر صدر الإسلام وبني أمية لم تكن فقط الأداة الأساسية في صراعات فكرية وسياسية كبرى، بل أتيح لها كذلك أن يتولى أمرها أناس ذوو مقدرة لغوية كبيرة، ومن ثم أصبحت القيمة الحجاجية لها فائقة، وأصبح من الواجب استقراء ما وصلنا من نصوص هذه الفترة استقراء تاما، وعندئذ أصبح من الضروري أن تتمثل مادة البحث في جمهرة خطب العرب، إذ إن الجمهرة قد جمعت الخطب المنسوبة لهذه الفترة جمعا كاملا. ورغبة في تحقيق الشروط الأكاديمية للبحث من حيث الالتزام باستقراء المادة وتصنيفها على كل المحاور الممكنة للتصنيف، 12:39 am] : ومراجعة نتائجها فقد آثرت الدراسة الاقتصار على أهم الوسائل اللغوية للحجاج في مادة الدراسة، وقد تمثلت في التصوير، والتوكيد، ولم يكن هذا التحديد سابقا على بدء الدراسة، إذ إنه كان نتيجة لاستقراء المادة وتتبع وسائل الحجاج فيها، فأردت الابتعاد عما يشيع في معظم الدراسات من الانطلاق من الدراسات النظرية للحجاج، والخروج منها بأهم وسائله، ثم تطبيق ذلك على المادة المدروسة، فتبدأ من المادة التي يشيع الحجاج فيها، وتخرج من تحليلها بما تقدمه، مما يثري الدرس المعاصر للحجاج بما يقدمه تراث المبدعين العرب، وقد أظهر اختلاف نتائج الدراسة بل اختلاف أفكارها عما أتيح لي مطالعته بعد الاستقصاء صحة ذلك النهج، وقدرة المادة موضوع الدراسة على إثراء المشهد المعاصر في الدرس الحجاجي، وصولا إلى تقديم نظرية عربية متكاملة في الحجاج بعد إنجاز عدد كبير من البحوث التطبيقية في هذا االتي تنطلق من تحليل ثراث الإبداع العربي. وتأسيسا على ما سبق ينقسم هذا البحث إلى ثلاثة مباحث، يخصص الأول الدراسة التصوير، والثالث لدراسة التناص. أما التصنيف الداخلي لكل مبحث إلى مطالب فيرتبط بالكيفية التي استخدم بها كل أسلوب من أساليب الحجاج في تحقيق غايته، أي بالإجابة عن السؤال عن وظائف ذلك الأسلوب التي أداها في الخطبة، أو بعبارة أخرى هل استخدم للإقناع العقلي، أو للتهييج العاطفي؟ وكلاهما كان الهدف منه التأثير في سلوك المخاطب، وهو أهم ما يسعى إليه الخطباء، كما أنه كان أكثر ما أثر في التنظير 30/03, 12:39 am] : لواجبات الخطيب الذي نصح مبكرا بالإعداد المسبق لخطبته، وبمراعاة أحوال إن قراءة الخطب المنسوبة لعصر صدر الإسلام وبني أمية، وتتبع وسائل الحجاج فيها، يراعون فيه وسائل التأثير والإقناع، وإن كان ذلك الإعداد لا يفسر بطبيعة الحال هذه المقدرة الحجاجية التي تبدو عديمة النظير، بل تفسر هذه المقدرة الأهمية القصوى للخطابة من ناحية، على نحو يعني ضمنا الإقرار بأنهم بلغوا في فن القول المستوى البشري الأعلى، أو مجموعة التقنيات الأسلوبية التي يستخدمها الخطيب بهدف إقناع المخاطب بفكرة، أو عمل ما، أو بهدف دعوته إلى العدول عن رأي أو سلوك ما في الخطب المنتمية لذلك العصر على نحو يسلط ضوءا أحسبه كافيا لإظهار المقدرة الحجاجية الفائقة للخطابة في ذلك العصر. المبحث الأول: التصوير أداة للإقناع والتأثير. يؤدي الوصف والتصوير أدوارا حجاجية متنوعة، إذ قد يستخدم للإقناع والاستدلال كما يستخدم للتأثير النفسي عندما يوظف للاستعطاف، أو للترهيب والترويع، كما يؤدي دورا محوريا في الترغيب والإغراء، وكلها وسائل حاسمة في التأثير على من يوجه له الخطاب. إن التصوير يصنع نوعا من الإطار، يؤدي إلى إبراز بعض الجوانب وإظهارها، وتهميش جوانب أخرى وصرف النظر عنها، وهو بذلك يقوم بنوع 12:40 am] : من التأطير الحجاجي؛ إليه المخاطب إقناعا، أو تأثيرا، أو ترهيبا ومن هنا لا يكون الوصف الوصف الإخباري المحايد، فكل صورة بمثابة حجة، أو مقدمة، حجاجية مصورة يقدمها المتكلم لاستمالة المخاطبين، والتأثير فيهم، برأيه، ووجهة نظره. يقول فليب بروتون " والتأطير غالبا ما يكون اقتراحا أن يقبل كذلك حركة التأطير المقترحة عليه، والتي لا يجب أن تكون بصفة عامة مفاجئة جدا ، النموذج الأول من أما النموذج الثالث فمن خطب الحجاج وفي هذه النماذج كلها يؤدي التصوير وظيفة التأطير الذي يركز الانتباه على مناط الاحتجاج، ويخاطب النفس للترهيب في النموذج الثالث. ۱/۱ - التصوير للاستدلال على صحة الموقف. ا خطبة الأحنف بن قيس بين يدي عمر. وقد وفد على أمير المؤمنين نائبا عن قومه، ليقنعه بأهمية حفر نهر لقومه فقال له: 30/03, 12:40 am] : - يا أمير المؤمنين إن مفاتيح الخير بيدي الله ، وقد أتتك وفود أهل العراق، وإن إخواننا من أهل الكوفة والشام ومصر نزلوا منازل الأمم الخالية والملوك الجبابرة ومنازل كسرى . فهم من المياه العذبة والجنان المخصبة في مثل حولاء السَّلى وحدقة البعير . وإنا نزلنا أرضا نَشَاشَة، طرف في فلاة وطرف في ملح أجاج، جانب منها منابت القصب، وجانب سبخة نشاشة، لا يجف ترابها ولا ينبت مرعاها . يخرج الرجل الضعيف منا يستعذب الماء من فرسخين، وتخرج المرأة بمثل ذلك تُرنّقُ ولدها ترنيق العنز، تخاف عليه العدو والسبع، فإلا ترفع خسيستنا وتنعش ركيستنا . وتأمر لنا بحفر نهر نستعذب به الماء هلكنا نتوقف هنا عند النقاط التي عني بتسليط الضوء عليها، فينعم أهلها بالخصب الوفير، فهم من المياة العذبة، والجنان المخصبة في مثل حولاء السلى وحدقة البعير تأتيهم ثمارهم غضة قبل أن تتغير " ولا نكاد نجد صورة تصف حالة الرغد في أمن ودعة أدق من صورة الجنين يحيط به كيس الماء في بطن أمه فيصله غذاؤه وهو آمن ما يكون والأمر نفسه مع صورة حدقة البعير وأبرزها في الخريطة اللوحة التي يرسمها لتأتي حالهم مناقضة لها، فيظهر الضد بضده، يقول: " وإنا نزلنا أرضا نشاشة طرف في فلاة، جانب منها منابت القصب، وجانب سبخة نشاشة لا يجف ترابها ولا ينبت مرعاها . 30/03, ولا ينبت مرعاها، فهو يشرح ويكرر لاستحضار الصورة، وتأكيد الأزمة التي نتجت من أنهم قد فاتتهم مزية الأرض الخصبة التي ينبت مرعاها، كما فاتتهم مزية الصحراء النقية قليلة الأوباء، في مقابل من ينعم بالغذاء آمنا مطمئنا كالجنين يحيط به كيس الماء. وبعد هذه المقارنة التي أظهرت سوء حالهم يستطرد في تصوير المشقة الناتجة من النزول بمثل هذه الأرض القاسية التي تخلو من الماء العذب، ويمعن في وصف الخوف الذي يصيبهم جراء إقامتهم بها، ترنيق العنز تخاف عليه العدو والسبع ". وهنا ينسب المشقة إلى الرجل الضعيف، وإلى المرأة التي تسير فرسخين تحمل ولدها، لتوضيح أن المشقة ليست مشقة جسدية بسبب الضعف فقط، وإنما يضيف إليها مشقة معنوية تتجسد في تلك المرأة الضعيفة التي تخرج بولدها خائفة عليه، فتنظر إليه كما تنظر العنز إلى ابنها الذي تخاف عليه الذئب. وواضح أن الأحنف إنما يعلم أنه يخاطب أمير المؤمنين الوقاف على كتاب الله عز وجل، حيث يجمل القرآن الكريم الحديث عن صعوبة العيش في صفتي الخوف والجوع في قوله جل شأنه: ( فَأَذاقَهَا اللهُ لباس الجوع والخوف بما كانوا يصنعونَ ) [النحل : ۱۱۲] فيقوم الأحنف بإحالة ضمنية تقنع من يعرفها أيما 12:44 am] : الطلب ليس من شأنه فقط أن يجبر نقصهم، ويغير ضعفهم، بل من شأنه أيضا أن يزيد في عيالهم، ورجالهم. وهو يعرف أن هذا المأمول هو مبتغى أمير المؤمنين الذي كان حريصا على زيادة العرب لا سيما في هذه المنطقة حماية لها. ثم يستطرد الأحنف في حجاجه حين يوجه النظر إلى الجانب المظلم من المستقبل إن لم يستجب أمير المؤمنين له، المتوقع إذا لم يتغير الأمر إلا الهلاك. إن النص يمثل درجة رفيعة من الحجاج الذي لا يترك إمكانية لعدم ومن هنا يقارن بهذا التصوير الرائع بين قومه، على أساس ما يعرفه من صفات مخاطبه. حقهم في الحصول على أولية المساعدة بسبب ما هم عليه من المشقة والمعاناة التي لا مشقة، ولا معاناة فوقها، فليس حال أسوأ من حال من اجتمع عليه الجوع والخوف، وإلا لما جعل الله هذه الحال عقابا لسبأ على ظلمهم، وقد استخدم التصوير لتجسيد درجة قصوى من الخوف والتعب. بيان المستقبل المأمول الذي سينهى تلك المشقة بقرار أمير المؤمنين، إذا قبل حفر النهر، والذي لن ينعكس عليهم فحسب، وإنما على الأمة التي ستزداد بيان المستقبل المخوف إذا لم يستجب له، وهو هلاكهم وما يستتبع ذلك من خسارة بني تميم القائمين على ثغر عظيم على الباب الشرقي لشبه الجزيرة. وما كان 30/03, ومن ثم صاغ الأحنف حجاجه وفق ما يعرفه عن مخاطبه، يعرى الحجاز، متدرجة في بنية حجاجية متصاعدة فكأنه يقول: شاهد هذه الصورة لإخواننا في مصر، والشام، والكوفة، وما ينعمون به في مياههم العذبة، وتأمل في ما نعاني منه من جفاف، وانعدام للماء العذب [ أليس من العدل أن وإليك صورة المعاناة اليومية للشيخ الكبير والمرأة الضعيفة، وإلا فاستعد لسماع نبأ هلاكنا الذي سيعرى به الحجاز وهذا أخوف ما يمكن وبعد هذه الخطبة تحقق للأحنف ما أراد، الذي طلبه، يعرف صفات عمر رضي الله عنه، وأهدافه، ووسائله في تحقيقها. 12:49 am] : ب خطبة طارق بن زياد بعد عبور المضيق خطب طارق بن زياد في جنوده بعد عبور المضيق، قائلا: "أيها الناس! أين المفر ؟ البحر من ورائكم، وليس لكم والله إلا الصدق والصبر. واعلموا أنكم في هذه الجزيرة أضيع من الأيتام في مادب اللئام، وقد استقبلكم عدوكم بجيشه وأسلحته، وأنتم لا وزر لكم إلا سيوفكم، ولا أقوات إلا ما تستخلصونه من أيدي عدوكم، وتعوضت القلوب من رعبها منكم، ولكن هذه الخطبة تظهره على قصرها مجادلا عظيما، ولا يمكن فهم هذا إلا في ضوء تحديد الهدف الذي يريد الوصول إليه، حيث ينبني الحجاج وما استخدم من تصوير بقصد الإقناع على أساس هذا الهدف. إن الهدف الاستراتيجي الذي يود القائد تحقيقه هو التعجيل بحسم المعركة. إنه لا يقاوم احتمال الفرار فقط، فقد قاوم ذلك بحرق السفن، إن الفكر الاستراتيجي ينبني على إدراك المعوقات والفرص، وقد بدا أن أهم الفرص المتاحة لهم هو الرعب الذي دخل قلوب الأعداء من جيش المسلمين، ولذلك بنى حجاجه على مقاومة التراخى بوصفه العائق الأكبر الذي يُضيع الفرصة الأهم. وأنه لا مفر من الحرب والقتال، فقد صارت أمرا مفروضا، فالبحر من ورائهم، والعدو أمامهم، وليس أمامهم إلا 30/03, والصدق، والإخلاص في القتال " واعلموا أنكم في هذه الجزيرة أضيع من الأيتام في مآدب اللئام، وقد استقبلكم عدوكم بجيشه، وأسلحته وأقواته موفورة. وأنتم لا وزر لكم إلا سيوفكم تأتي المعطيات الحجاجية في شكل صور متتالية متدرجة، أو لقطات يؤدي تأملها إلى الهدف المقصود، مع ملاحظة أن ما أقصده بالصورة ليس الصورة البيانية فحسب، بالكلمات، وإن بدون مجاز. ويعيشونه، ولكن الخطيب يريد أن ينطلق منها، ويجعلها أكثر حضورا في أذهانهم، إنها من باب استحضار الحال، واستدعاء المشهد الذي تحدث عنه البلاغيون في معرض حديثهم عن قوله جل شأنه: (فَخَرَّ عَلَيْهِمُ السَّقْفُ مِن فَوقِهِم) [النحل: ٢٦]، وأنت تحس هذا من نفسك، فإنك إذا تلوت هذه الآية يخيل إليك أن سقفا خر على أولئك من فوقهم، وحصل في نفسك من الرعب ما لا يحصل مع إسقاط تلك 12:51 am] : وهكذا يفعل الخطيب عندما يريد استحضار المشهد لأهمية وجوده أمام المخاطب. إن من مشاغل الخطيب أن يخرج ما يعتبره مهما بالنسبة إلى حجاجه من حيز الغياب إلى حيز الحضور، كما أن عليه أن يشدد على بعض الصور التي هي حاضرة في أذهان سامعيه، فيجعلها أكثر حضورا، فالعاطفة لا تأخذ في الاعتبار إلا الحاضر فحسب، أما العقل فإنه يأخذ في الاعتبار الآتي، وما يليه من أزمنة. وهو ما يعنى أن الحاضر من حيث هو ظاهرة نفسية عنصر جوهري في الحجاج ثم تأتي اللقطة الثانية لتوضيح موقفهم من حيث الإمداد والتموين، أو ما يسمى الآن بالدعم اللوجستي واعلموا أنكم في هذه الجزيرة أضيع من الأيتام في مآدب اللئام، وأنتم لا وزر لكم إلا سيوفكم، ولا أقوات إلا ما تستخلصونه من أيدي عدوكم. ولولا وضع هذا المشهد في موضعه من الحجاج لظن المتلقي ضعفا، وأن المقصود بها هو بيان وضعهم من حيث الإمداد والتموين، الصورة الثالثة صورة العدو ذي العدة والعتاد استقبلكم عدوكم بجيشه وأسلحته وأقواته موفورة وبالتالي. فالانتظار لن يزيده إلا قوة، إلا ضعفا. 30/03, 12:51 am] : الصورة الرابعة صورة الجيش الحالية المرعبة في عيون الأعداء، وإن امتدت بكم الأيام على افتقاركم، ولم تنجزوا لكم أمرا ذهبت ريحكم،