إن المتعمق في دراسة التشريعات الإسلامية في مختلف مناحي الحياة يدرك إدراكا واضحا وجليا أن هذه التشريعات مما يثمر الطمأنينة النفسية والسعادة في حياته الدنيا، وغيرهم، وما أخذ عليها وما نتج من تطبيقاتها قديما إلا مظهر من المظاهر التي ابتلي بها الإنسان في مراحل شقائه. فالمجتمعات الرأسمالية والاشتراكية والشيوعية والوثنية تكتوي بمثل هذه التجارب المريرة إلى يومنا هذا. ووفرت السعادة والطمأنينة في الحياة الدنيا وأزالت القلق عن النفوس من المستقبل مع مراعاة الفطرة وتلاؤمها معها، لدليل على أن أحدا من البشر لا يستطيع أن يدرك هذه المجالات أو يحيط بها، وهي برهان ساطع على أنها منزلة من خالق الإنسان الذي أودع فيه هذه الطاقات والقدرات والاستعدادات فأنزل ما ينظمها جميعا ويوجهها لعبادة الخالق سبحانه وتعالى. ولم يعرف بتجواله في الآفاق بحثا عن النظريات والدساتير الإصلاحية. يقول الشيخ محمد أبو زهرة في كتابه القيم «المعجزة الكبرى»: ( . إن ما اشتمل عليه القرآن من أحكام تتعلق بتنظيم المجتمع وإقامة العلاقات بين آحاده على دعائم من المودة والرحمة والعدالة لم يسبق به في شريعة من الشرائع الأرضية، وإذا وازنا ما جاء في القرآن بما جاءت به قوانين اليونان والرومان، وما قام به الإصلاحيون للقوانين والنظم بما جاء في القرآن وجدنا أن الموازنة فيها خروج عن التقدير المنطقي للأمور، مع أن قانون الرومان أنشأته الدولة الرومانية في تجارب ثلاثمائة سنة وألف، من وقت إنشاء مدينة روما إلى ما بعد خمسمائة من الميلاد،  فجاء محمد صلى الله عليه وسلم ومعه القرآن الذي ينطق بالحق عن الله سبحانه وتعالى من غير درس درسه، وكان في بلد أمي ليس فيه معهد ولا جامعة ولا مكان للتدريس،