يغيب الحوار هو عامل الحوار، فهو الآلية التي من خلالها يستطيع العمل الإنساني اكتشاف ذاته، بل ويخلق أناسا باهتين، لا يحسنون صنع شيء يصبغ عبارة لينقل للآخرين فكرة أو معلومة أو تحذيرا فبعقلية الحوار والإقناع امتاز الإنسان عن غيره من الكائنات الحية، فهو يستطيع أن يؤثر ويتأثر من خلال كلمة، يستطيع أن ومن جانب آخر فإن جميع العلوم والمعارف الإنسانية لم تتطور إلا بالحوار، كذلك الأمن والعدالة والشورى لا تتحقق إلا بالحوار. بل إن أمور البيع والشراء لا تكون إلا بالحوار واحترام الجدال البناء شيء عريق في تاريخنا، وما آلت حالنا إلى التخلف إلا نتيجة لشلل في الفكر، لأن كلمة معضلة توحي بشيء في أصل المنهج وبنية الفكر، أما كلمة أزمة فلا تعني سوى عرض ذهب إن نتائج غياب الحوار ومن ثم نتائج الجمود، كثيرة ومريرة، تذكر منها، أشر الأشكال التاريخية أو الوقوف عند طقوس معينة. فحتى الذين استنبطوا بعض القواعد المنهجية والتنظيمية من الوحي لم يهتدوا - في الغالب - إلى التحرر من شكلها التاريخي وطريقة تنزيلها في المجتمعات الإسلامية القديمة، ثم نتيجة أخرى وهي عدم الاستفادة من التراث الإنساني المعاصر، وذلك في مجال الفكر الاستراتيجي والتنظيمي، فمنهج الدفاع عن الذات الذي انتهجه كثير من الإسلاميين تجاه الحضارة المعاصرة قضى عليم بالتقوقع حول الذات، والتوجس من استيراد الحكمة الإنسانية من مواطنها رغم حاجتنا إليها حتى وإن كانت من الغرب وكذلك عدم التصويب للعمل، فعملية التصويب لا يحسنها الجامدون، لأنها تعني تحريك مبدأ النقد الذاتي داخل العمل، وتجاوز النظرة الأحادية، وعموما يجب أن تفهم أن الاختلاف الواعي والمنظم، وأيضاً للرصيد الفكري والنظري الإسلامي، فعلى أولي الألباب أن يفكروا بجد في هذه المرحلة التي يواجهون فيها حرباً عالمية ثقافية وسياسية واقتصادية، وفي حركة وعي للمواقع حتى لا يكونون فريسة مخططات عالمية، إن الحوار الفعال هو رصد الطبيعة المواقف والتصورات التي تمثل محور التحرك الإسلامي، وتشكل مقدمة ضرورية لإثارة نقد علمي هادئ ومتزن يرتكز على قواعد معرفية وواقعية، بيد أن التصويب الحركي للعمل الإسلامي يحتاج إلى وعي شرعي وعلمي، ومعه نقاء الفطرة،