الملك الراحل المغفور له محمد الخامس، قضى حياته ملكًا على قلوب المغاربة، ووقف في عهد الحماية الفرنسية سدًا منيعًا أمام محاولات الاستعماريين لسلب المغرب سيادته، وكان الأمين الأوفى على حقوق شعبه، رافضًا المساومة على حريته وأمنه واستقراره. وقد صرح بقوله المشهور: "نظام الحماية كقميص وضع لطفل صغير، فكبر الطفل ولم يتغير القميص وبذلك أصبح غير صالح لأن يلبسه هذا الرجل الراشد". على إثر ذلك، قامت فرنسا بتنفيذ خطة إجرامية بنفيه من وطنه يوم 20 غشت 1953 إلى جزيرة كورسيكا، بعد أن رفض التنازل عن العرش، مؤكدًا أنه ملك البلاد الشرعي ولن يخون الأمانة التي أناطها به شعبه، متوكلاً على الله تعالى وواثقًا بنصره. اعتقد مدبرو المؤامرة أن الستار سيسدل نهائيًا على "مسرحيتهم" السافلة، لكن رياح الجهاد جرت بما لا تشتهي سفنهم. فقد تشبث المغرب ملكًا وشعبًا بالصبر والإيمان القوي بتحرير الوطن وعودة الملك المجاهد، الذي ألهمه الله الثبات والمصابرة في منفاه السحيق، فاستهان بالصعاب والشدائد وتحمل مشقة الغربة، معتصمًا بعزة وكرامة رسالته لتحقيق حرية بلاده ووحدتها. لم تمر سوى سنتين على النفي حتى انصدع الظلام، ورجع كيد المعتدين في نحورهم وانهار مخططهم، فعاد قائد الجهاد "والنسر الأبيض" إلى عرشه وشعبه وعشيرته، في استقبال شعبي مهيب لم يشهد له تاريخ العاصمتين مثيلاً. لم يكن محمد الخامس ملكًا وكفى، بل كان رسول أمة ضحى بتاجه ليرفع راية كفاحها ويضيء لها مصيرها ومستقبلها بين الأمم. يُظهر المقال كيف أن "التاريخ يعيد نفسه" في محطات قضية الملك الراحل محمد الخامس، مقدمًا ثلاث مقارنات تاريخية عميقة تستعرض عبرة الصبر والنصر. أولاً: تتجلى قضية محمد الخامس في "سورة يوسف" عليه السلام، كما أشار المرحوم أبو العباس أحمد التيجاني. فمواقف الملك اتسمت بالتبصر والصبر والأناة والتضحية لإعلاء كلمة الله وإسعاد وطنه ومواطنيه، مفضلاً المنفى ومواجهة كيد الظالمين بشمم وإباء على الانسياق وراء المغريات. وعند تنفيذ المؤامرة، "دخل معه السجن فتيان" (وهما نجلاه الأميران مولاي الحسن ومولاي عبد الله وكافة أفراد أسرته الكريمة). وبعد أن انكشفت الحقيقة وحصحص الحق، فُتحت المفاوضات بين محمد الخامس وفرنسا لترتيب عودته إلى عرشه وإنهاء عهد الحماية وإحلال الاستقلال والحرية، حيث جاء النصر بعد استيئاس الرسل، والعبرة في إحقاق الحق وإزهاق الباطل، وعودة الملك معززًا مكرمًا، شأن يوسف عليه السلام. ثانياً: يبرز تشابه كبير بين محمد الخامس ملك المغرب ومحمد الخامس ملك غرناطة. فقد تعرض الأخير لمؤامرة أدت لخلعه ونفيه، ولجأ إلى ملك فاس لطلب العون. وبعد صعوبات ومحاولات عديدة لاسترداد عرشه، عاد إلى غرناطة ظافرًا عودة لم يشهد لها التاريخ مثيلاً، وذلك بعد سنتين من الغياب، تمامًا كعودة محمد الخامس المغربي. وعندما تبوأ عرشه من جديد، كان رحيمًا بأعدائه وبالذين خانوا الأمانة، فازداد حباً واحترامًا وتقديرًا لدى رعيته. ثالثاً: تُعقد مقارنة مع سيرة الجنرال شارل ديغول، مقاوم يوم "18 يونيه 1940". فكلاهما قاوم استعمار بلاده الغاشم العاتي بكل دهاء وقوة، وتمسكا بالوفاء للعهد. وقد تمثلت مواقف محمد الخامس رحمه الله بجانب "فرنسا الحرة"، رافضًا تطبيق قوانين "حكومة فيشي" على اليهود المغاربة، ومرحباً بإنزال جيوش الحلفاء بشواطئ المغرب في نونبر 1942، ومعارضًا الجنرال نوكيس الذي رفض هذا الإنزال. لم ينس الجنرال ديغول هذا الموقف النبيل إزاء "فرنسا الحرة"، وبارك مشاركة الجيوش المغربية الفعالة في مقاومة الجيوش الألمانية. وفي زيارته للمغرب في غشت 1943، أدرك ديغول عن قرب عظمة شخصية الملك المغربي وتشبثه بتحرير بلاده، مؤمنًا بأن محمد الخامس ليس رجل "الحماية الفرنسية" بل هو رجل "الاستقلال والحرية". وبعد انتهاء الحرب العالمية الثانية، كان محمد الخامس أول زائر لفرنسا المحررة في يونيه 1945، حيث استقبله ديغول استقبال الأبطال وقلد ضيفه الكبير "وسام الحرية" ولقبه "برفيق التحرير" تقديرًا لمواقفه الشجاعة النبيلة ومرافقته له شخصيًا في درب النضال والتحرر من السيطرة الأجنبية. بعد توالي الأيام، أحرز المغرب على حريته واستقلاله، والتحق "محرر البلاد وبطل الاستقلال" محمد الخامس بالرفيق الأعلى، تاركًا ولي عهده وشريكه في المنفى ورفيقه في الكفاح والنضال، "موحد البلاد وباني الاستقلال" صاحب الجلالة الملك الحسن الثاني، ليواصل مسيرة التقدم والازدهار في مسيرة شعبه الخضراء الظافرة.