كان ســيد مكة وزعيمها . ليجمع الله تعالى للحبيــب ﷺ شرف النَّسَــب كله. من عبد المطلب إلى هاشــم إلى عدنان إلى اسماعيل ولد ابراهيم عليهما السلام . وكذلك الرسل تُبُعث في نَسََب قومها. فقد افتداه بمائة ناقة لنذرٍ نذره سابقاً. وقد شاءت الأقدار أن يموت والده عبد الله وهو لا يزال في بطن أمه. في ذلك العام )عام الفيل( شــاءت إرادة الله أن يخرج الحبيب ﷺ من بطن أمه ، التي حدثتــه أنها رأت نورا انبعث منها في الآفــاق حينذاك. لقد حظي يوم كما حاز شــهر ربيع الأول تلك الميزة عن باقي الشهور. فالكعبة على موعد قريب مع النبي الًحبيب. )محمد( . ومــا أدراكم ما محمد؛ محمود الصفات في الأرض والسموات. ﷺ. وكأني ببعض الاختلاف في حياته بشكل مبكّر كان لحكمة أرادها الله تعالى لاحقاً. فقد لقي حفاوة وترحيبــا كبيرا من جده وأعمامه بولادته. 5. كفالة وحضانة وشق الصدر: وكانت ثويبة خادمة عمه أبو لهب حاضنته ومرضعته الأولى. حتى جاءت أمه في الرضاعة )حليمة( السعدية. وكان يلمح الســعادة الغامرة في وجهها؛ ويســتطبُّ بحصانتها ومناعتهــا، تحت سمع وعين أمه حليمة . أدرك لاحقاً أنهما ملَكان مبعوثان من الله تعًالى لتهيئته لشيء عرفه لاحقاً. هذا الموقف أفزع إخوانه في الرضاعة. 6. يتُم الأم بعد الأب: عاش الحبيب ﷺ في كنَف جده سنتين أخريين، يثربِ تلك التي سيكون له معها شأن كبير في قابل السنين. وعند وصولهما إلى منطقة الأبواء؛ شاءت إرادة الله تعالى أن تقُبض روح أمه الحبيبة. إذ بترتيب الله تعالى يحُيله عليه إلى منحة وفرََجْ. 7. يتم الجد وكفالة العم: تــرك الحبيب ﷺ أمه في قبرها، وقفل راجعــاً إلى بيت جده مع القافلة التي كان فيها. جده الذي زادت رِقتَّه وعنايته به لســنتين أخريــين. حتى كان موعد الجد وجده لأبيه. إنه عمه أبو طالب. كثير العيال، قليل المال كما قيل. وقد تحركت قيمة الشعور بالمسؤولية في نفس الحبيب ﷺ؛ فوجد في رعايتها الأنُْسَْ. وتعلم شيئاً من فنون الإدارة والسياسة بشكل مبكّّر. ﷺ. 9. شهادة الصدق في السوق: واســتمر الحال على ما هو عليه، حتى بلغ الحبيب ﷺ من العمر اثني عشر عاما. وقد وجد من عمه هرمَا وتعَبا وكثرة عيال. فاستأذنه أن يشاركه في أعمال التجاًرة. ونوع مشــاركة له في إعالة أولاده . وهكذا دخل السوق. وكم في الســوق من إرهاق وتعب جسدي ونفسي . وقد وجد نفســه تسبح في بحر من الغش والكذب والاحتيال والاحتكار والربا . غــير أنه وجد معية الله تعالى لــه في وقت مبكّر ، تلك المعيــة التي جعلت منه دوًن أن يصــاب بلوثاتها وجراحاتها ودون أن يغرق بمائها وعُبابها . لكنّ ما كان يراه من بركة كانت تشــجعه وتغُريه بمزيد من الشفافية والابتعاد عن الغش بصوره المتعددة. رحلة ولقاء عابر: ويذُكر أن الحبيب ﷺ ارتحل مع عمه في طلب السوق والتجارة إلى الشام . وكانت زيارات سريعة عابرة. يذُكر أنه التقى على الطريق وفيِ عجالة وكان شاباً يافعا براهب نصراني اســمه )بحيرى( . وقد علم لاحقا أن هذا الراهب حذّر عمه من الًيهود خوفاً عليه، لا كما يزعم الزاعمون أنه قعد عنده زمناً أخذ عنه الرسالة والدين، 11. نقلة نوعية: وفيِ السوق شاءت إرادة الله تعالى أن تتعرف به سيدة شريفة اسمها )خديجة بنــت خويلد(. ونزلت البركة، ورجل آخر طلقها. فهي امرأة ذات خبرة اقتصادية واجتماعية وًمكانة رفيعة في قومها. 12. زواج ميمون: وذات يوم جاءته جارية من قِبلَ خديجــة تعرض أن يكون زوجا لخديجة . خديجة بنت خويلد رضي الله عنها . ورزقه الله تعالى منها الأولاد الذكور، والبنات وقد عشن حتى شهدن الرسالة، ومتن على التوحيد والإيمان. ليبحث عن حلول لأزمة بل كارثة كانت مكة والعالم كله يتيه فيها. ألا وهي أزمة الجفاف الروحي والوثنية السائدة وغياب التوحيد العريق. ﷺ. 13. لقد كتب الله تعالى للحبيب ﷺ القبول في قومه قبل أن يبُعث رسولاً فيهم . فكان ذات يوم عند بوابة من بوابات الحرم أوشك على دخولها إذ سمع أهل مكة يقولــون: أتاكم الأمين. إذ بهم يطلبونه لحّلّ نزاع دام بينهم قرابة أربعة أيام حول ترتيب وضع الحجر الأســود في مكانه، بعد تمام بنــاء الكعبة، وقد شاركهم قبل ذلك في البناء. وأن تأخذ كل قبيلة بطرفَ من الثوب ويرفعوه ، بأنه سيكون له دَور طليعي لاحقٌ في حل أزمتهم، 14. جعل له حضورا في قومه. وهم يعرفونــه جيدا في رعاية أغنامهم، وحل مشــكلاتًهم، كل ذلك في مرحلة الشباب الفوَّار، ﷺ. فالبيئة القبلية لا تفتح أفقا واســعا لأبنائها خارج الصندوق المقفل. ذاك الغار الكائن في جبل شاهق الارتفاع ، كان يمــي فيه الليالي ذوات العدد، ثــم يرجع إلى خديجة رضي الله عنها ويتزود ثانية ليعود. لقد حملــت خديجة رضي الله عنها عنه عبء التجارة ورعاية الأبناء. وهي تشــعر أنه يبحث عن حلول ويفكر في أمر كبــير. لقــد زاد الظلم ووأد البنات والزنا والربا، وأنهم رعاع لا قيمة لهم بين الًأمم وغوغاء. 16. منطلق البعثة الشريفة: لقد نزل عليه وهو في الغار أمين الوحي جِبرِْيُلُ عليه السلام. وقد كان لقاؤه الأول بــه مرعبا؛ ثمً قال له: )لم لى لي ما ويصحًبهم في بعض مراحل تبليغها. لقد كان موقفا مرعبا. ولا يدري كيف نزل، وقد خشي على نفسه منً الهلًاك أو البلاء. استراتيجيات إدارة الموقف الملُتَِبِس: ثم استدعت تاريخ علاقته بها، لتثبت أن ما حصل معه ليس شراً بل هو الخير المطلق. لقــد ذكرته بأنه كان؛ لكنها بعدُ تريد الاطمئنان أكثر والكشــف عن لغــزِ ما حصل معه. فأخذته إلى )ورقة بن نوفل( وكان من أبناء عمومتها. ثم طلبــت منه أن يحكيً له ما جرى معه ، فأخبر ورقة بكًل شيء. ﷺ. 18. تشريف وتكليف: فما كان من ورقة إلا أن بشرَّه وخوَّفه في الوقت نفســه. بشرَّه بأنه ســيكون النبي الخاتم للبشرية. لا رغبة في الزعامة التي لم يكن يتوقعها مطلقا، فوجد في فكرة ومبدأ النبوة )طالما أًنها جاءته كهبة من الله تعالى( فرصة لذلك. وقد تذكّّر كلامه بعد) 1٣( عاماً، يوم الهجرة من مكة إلى المدينة. ﷺ. ذاك الرجل الأصيل النبيل الذي تمنى لو كان شــابا لينصره. حال جديد: رجع ﷺ بمعيّة خديجة الحبيبة. تكليف في ثوب تشريف. وقــد بلغ من العمر أربعين عاما. نظر حينها خلفه وأدرك كيف أن الله تعالى صنعــه على عينه وهيَّأه بالمنــع ثم باًلمنح؛ ووجده ضالاً فهداه، ووجده فقيرافقيراً فأغناه؛ ليكون مؤهلاً لحمل أمانته ورسًالته إلى خلقه. 20. وتذكر حادثة شــقِّ الصــدر. تذكر عصمــة الله له من مجرد مســاس الأصنام، 21. وتحولَ الخوف إلى شوق: بدأت آيات الرسالة تتنزل على قلبه. والوحي يلُهمه ويرشده ويكلفه ويوجهه. لكن انقطاعه عنه فترة قصيرة سُميت بمرحلة فتور الوحي زاد من شــوقه له، فكان كلــما لقيه طلب منه أن لا يغيب عنه طويلاً ، حتى فهم أنه لا يتنزل إلا بأمر الله الكريم العظيم. مقصد الرسالة: فقد وقع قوله تعالى: به تج( المدثر: 3، موقعه من قلبه ووجدانه ، فأدرك أنه بشرٌ مؤيدَّ بالوحي . لقــد كان القرآن العظيم ثروتــه وزاده وعدته. لقد منحه الله تعالى بالحكمة التي ألهمه إياها تفويضا بشرح وبيان كتابه العظيم ، فضلاً عن نقله بأمانة من أمين الوحي جِبِْيل عليه السلام إًلى العالمين. ﷺ. من تلك اللحظة. لقد كان التوحيدُ المنطلِقُ من الشهادتين هو عنوان الرسالة الأول: فلا شرك ولا أصنام ولا وثنية. وأشــهد أن محمدامحمداً رسول الله. 24. وآمن معها بناتها الطيبــات. وقد كان في حجره مكفولاً عنده. وآمــن صاحبه أبو بكر رضي الله عنهم كلهًم . كان إيمان الأوائل معتمدا على أمرين اثنين: وهذا من فضل الله تعالى عليه. ثم بدأت حلقات الإيمان تتســع. فقد فهم كل مؤمن دوره في نقل الإيمان لغيره. على يدي صاحبه ورفيق دربه أبو بكر أو غيره من الأصحاب رضي الله عنهم. فهــذا عثمان بن عفان وأبو ذَر الغفاري وســعد بــن أبي وقاّص وطلحة بن عبيد الله والزبير بن العوام رضي الله عنهم وغيرهم كلهم نالوا شرف الســبق في الاسلام. ومع اتســاع حلقات الإيمان كانت تتســع حلقات السور والآيات التي تتنزل تعليماً وتطميناً له ﷺ ولأصحابه الكرام. 25. لكنه فهمَ أن النزول كان يناسب زمانه. كيف لا وهو يعلم أنه لا نبي بعده. كان القرآن في مكة يحكي قضايا الإيمان ويرُكِِّّز على إجابة شبهات المشركين ، ويرغّب ويرهّب المهتدين. كتمان للإيمان: بدأت قريش تشــكّ في حركة غريبة تدور في الأفــق على الرغم من حرصه الشــديد على الإسرار والكتمان. حتى لا يســتفز عصبية قريش. لدرجــة أن الحبيــب ﷺ كان يطلب من المســلمين الجــدد الكتمان حتى عن إخوانهم. وكان يطلب ممن يسلمون من خارج مكة أن يكتموا إيمانهم ويرجعوا لأقوامهم إلى حين ظهوره لاحقاً. الأذى المبكر: والآباء متوكلون بتعذيب أبنائهم. ولكن قريشــا كانت حريصة على سُوقها وتجارتها؛ بل قبلت أنً يشتري أبو بكر رضي الله عنه عددا من العبيد المهتدين ليطلق سراحهم ويخلصهم من إيذاء أسيادهم. وكان هذا منً أحب المواقف إلى قلبه. ﷺ. إلى عبادة رب العباد. 28. في دار الفتى الشجاع؛ صحيح أنه كان غلاما صغيرا، لكن صغر سنه كان مموهاً لمشركي مكة. وكلهم يملك من الحماســة ليفتدي الإسلام بكل ما يملك على اختلاف طبقاته. 29. بقيت الدعوة بالتهامس. وأن التهامس لا يناسب غاية تلك الدعوة وطموحها الفتية. فكانت مرحلةً. لكنها لم تكن كل مرحلة. ونادى القوم وجهر بدعوته ومِن حوله عشــيرته وعموم المهتدين . لقــد كان الحبيب يعلم أن درء المفاســد أولى من جلــب المصالح. ثم لإدراكه أنه ليس كل مفســدة درؤها أولى من جلب كل مصلحة. فكان الصدع والجهر وكان ما تبعه من إيذاء. 30. ثم ثن ثى ثي فى( المسد: 1. ثم تصدى لمحاربة دعوته كبراء القوم كأبي جهل وأمية بن خلف وعقبة بن أبي معيط وغيرهم. ثم اتهموه بالسحر والكهانةً والشــعر والجنون. وهم يجمعون بذلك الأذى المعنوي والمادي. عليهم من الله ما يستحقون. 31. وكانت معجزته ﷺ وهم أهل لغــة وفصاحة وبيان. أو أن يصبر عليهم. ﷺ. ولا يُذكر سوى أنه دعا عليهم بالهلاك أو على بعضهم مرة واحدة أو مرتين. مساومات: وكان من كيدهم ومكرهم أنهم ســاوموه أكثر من مرة على ترك دعوته مقابل أن يعطوه أموالاً ونســاءً ومناصب. ولكن الله تعالى كان يثُبته، وقال له بأنه يوف يعطيه فيرضيه؛ فأعطاهً وأرضاه. وليتهم اكتفوا بإيذائهم له دون أصحابه وأحبابه الذين وجدوا العنت والمشقة والحرمان والتعذيب كذلك بسبب ثباتهم على العقيدة. كانت ســنوات الدعــوة الأولى ثقيلة ثقيلة. لقد كانــت حصيلة المؤمنين بمكة قليلة لكنهم هــم الذين حموا الدين في نفوسهم الزكية وحملوه إلى العالمين. ولا يملك إلا أن يقول لهم: صبااً آل ياسر فإن موعدكم الجنة. ﷺ. 33. تنفيس وتخفيف: ولقد ألهمه الله تعالى لأسلوب حكيم في استقطاب حتى الخصوم ممن كان يأمل هدايتهم. يترك يهًوديته. وضماد الأزدي يترك خصومته . ويموتون في سبيله رضي الله عنهم. ثم حِمية للإيمان بعد أن لمسه وأدركه. رضي الله عنهما. وكذلــك كان يوم إســلام عمر بن الخطــاب رضي الله عنــه رافعة معنوية لأصحابه. لكنه كان يعلم أن النصرة والرزق كذلك إنما تأتي ببكة الضعفاء. ولقد تعرض لعتاب ربه في صاحبه الأعمى )ابن أم مكتوم( حين أشــاح بوجهه عنه رغبة في إسلام بعض كبراء قريش. وقد جاء يسأله وكان في حوار معهم. ﷺ. ويعترضون على القرآن والصحابة بمثل اعتراضهم على شــخصية الرسول ﷺ. وتضاعف الأذى فكانت فكرة الهجــرة مخرجا للمهتدين من جهة. وكاًنت خيــارات مكان الهجرة متعددة. فهاجروا في الســنة الخامسة للبعثة . الوحي له وبحرصه على معرفة التوازنات السياســية مِن حوله أن فيها ملكاً عادلاً لا يُظلم عنده أحد، 36. وقد أقاموا في الحبشة فترة وجيزة. قرأ سورًةً فيها سجدة، فسجد مَن كان حول الكعبة معه سجود رهبة لا إرادي. لا سجود إيمان حقيقي. وقــد زعم بعض من ســيخاصمهم الحبيب ﷺ أمام الله تعــالى بأنه داهن المشركين وقَِبَ الســجود لأصنامهم كي يســجدوا لله تعالى. وهذا ما كان ولن يكون. المهم هنا أن أصحابه بلغهم إشاعة وخبا مكذوبا يقول بإسلام قريش فرجعوا من الحبشة. فعرف كفار مكة برجوعهم فتعرًضوا لإيًذاء مضاعف. 37. موقف قريش من هجرة الحبشة: عندئذ قرر كبراء مكة أن يبعثوا بهدايا مع رجلين من رجالهم إلى الحبشة ليأتوا بأصحابه مكبلين مقيدين بالسلاســل إلى مكة. وكان أن تم رشوة من كان حول النجاشي من الرهبان قبل الدخول إلى مجلســه بالهدايا. فوفَّــق الله الصحابــة وحبيب النبــي ﷺ وابن عمه )جعفر بــن أبي طالب( رضي اللــه عنه ليرد هــذه الفرية. 38. وطرد عمرو بــن العاص ومن معه. وله هو وأمه مريمً مكانة رًفيعة عند الله وعند المسلمين. فطــرد النجاشي عمرو ومن معه من مجلســه. وأصدر تعميمه بأن أصحاب الحبيب ﷺ آمنون عنده. وأن من سبهم سيُغرمَّ. إقامة ناجحة وأهداف رابحة: مكــث أصحابه ﷺ في دار النصارى مع قوم متعصبين لنصرانيتهم، مختلفين في لغتهــم وطباعهم؛ لم يغــيروا ولم يبدلوا وحافظوا على ثقافتهم ودينهم وهويتهم بتوفيق الله وحفظه لهم. وكان من أعظم ثمار دعوتهم؛ إســلام ملك الحبشة )النجاشي(، الذي أسلم على يديه عمرو بن العاص رضي الله عنه لاحقاً. 40. عودة ميمونة: ولو أنه ﷺ وصله أن هويتهم وعقيدتهم قد تأثرت في الحبشة لطلب رجوعهم إلى المدينــة المنورة فور دخوله وهجرته لها لاحقــا. لكنه أذن لهم بالعودة في السنة السابعة للهجرة بعد أن تخلص من آخر حصن مًن حصون يهود في المدينة وذلك عند فتح خَيْبرَ. وكان مما يقال بأنه قال حينهــا: لا أدري بأيهما أسرِّ أكثر. بفتح خَيْبَ. أم بقدوم جعفر. وأيدهم بســلطة النجاشي . وحماهم من الذوبان والانصهار في مجتمع الأغيار. 41. نظــر ﷺ حوله فوجــد عددا قد لا يزيد على خمســين مــن أصحابه حوله فحسب. سوى عمه أبو لهبٍ. منهم )المطعِم بن عدي( وغيره فوقفوا في وجه أبي جهل. وتمردوا على حصاره الجائر. ويقال بأنهم ذهبوا لتمزيق بنود الحصار فوجدوا أن حشرات صغيرة قد أكلت تلك الورقة التي كتبوا البنود عليها وعلقوها في الكعبة. وهكذا طويت صفحة من العناء شكلتْ له ﷺ حرجا كبيرا مع أصحابه الذين اعتادوا المشــقة والعنت. ولكن الله سلمّ. 42. تلك التي هي من سيدات أهل الجنة. تلك التي أخبرنا عنها أنها من كاملات النساء. ثم مات في العام نفســه عمه أبو طالب. ذاك الذي وقف متحديا قريش كل قريش في سبيل حمايته وإيوائه. بل ويهدي من يشاء سبحانه أن يهديه. رحلة الطائف: ووقع اختياره على الطائف لقربها من المدينة ومناسبة أجوائها. فظن أنه لعل في ذلك ما يدعو ثقيف إلى الاهتداء أو أن يقبلوه لاجئاً يتحرك في تبليغ الدعوة دون مضايقة من أحد. ذهــب في تلك الرحلة الشريفة بصحبة خادمه )زيد بن حارثة( رضي الله عنه في مشهد فيه من التكتم عن قريش، عرض ورفض: ولما وصل ﷺ الطائف وعرض رســالة ربه لزعمائهــا بهدوء. رده الزعماء بسخرية، بل حرضوا غلمانهم ومجانينهم ضده. وتكبر بعضهم عن مجرد سماعه ومحاورته. وكان قــد طلب منهم أن يكتموا خب مجيئــه إليهم عن قريش طالما أنهم لم يُســلموا. غير أنهم لم يســلموا ولَم يكتموا. فخرج مِــن عندهم وقد نجح في تبليغهــم. عودة حزينة وقلب كبير: خرج ﷺ من الطائف حزينا، لأنهم تسببوا فيما هو فيه من عنت. لكنــه ﷺ طلب منه ألا يفعل، وهذا ما حصل فعلاً. لقد رفع ســهام دعائه لربه شــاكياً ضعفه وقلة حيلته، وكان همه الأكب أن لا يكون في اجتهاداته ما يخالف أمر ربه. عند خروجه من الطائف: أكــرم الله تعالى الحبيب ﷺ عند رجوعه مــن الطائف وكان ذلك في العام العاشر من البعثة، وحاور فيه خادمهم عداس النصراني، وأنه على معرفة بنبي الله يونس عليه السلام. وقد نزل تحت شــجرة فلقيه عندها نفرٌ من الجن سمعوا القرآن فاهتدوا، ثم رجعوا إلى قومهم منذرين. في مشهد من مشاهد المواســاة له من الله تعالى على ما أصابه من ثقيف. وكان يحســب أن المشكلة ستنتهي بمجرد وصوله مكة. لكنها في الحقيقة بدأت هناك. عند عودته لمكة: فعزموا على منعه من دخولها؛ فوقف على بوابات مكة يفكر. فالخيارات أمامه محصورة. هل يخبر أصحابه ليحضروا لمســاعدته. وهذا ما قــد يؤدي إلى مزيد من المشكلات لهم. لكنه لم يستنفدبعدُ كامل الجهد في مكة. وله فيها أصحاب يخشى عليهم من فتنة قريش. وللضرورة أحكامها.