ولذلك فإنّ الطريق الصّحيح إلى الإيمان المتفكّر هو العزم على “تغيير المرء لما بنفسه”[41] مرّة واحدة، لا يحتاج الدّين إلى عبيد يستعملون الشعائر دونما فهم لمعناها، من أجل نعيم أخروي تمّ تحويله إلى جهاز ابتزاز أخلاقي للفانين على الأرض، بل إلى أحرار يؤمنون بأنفسهم بناءً على ما يمليه العقل بمقتضى الطبيعة البشرية بمجردها. 43] إنّ الحريّة الأخلاقيّة هي النّمط الوحيد لخلاص العبيد من الخرافة. وذلك أنّه “لا يوجد أبدا أيّ خلاص للبشر إلاّ في القبول الأشدّ حميميّة بالمبادئ الأخلاقية الأصيلة في نواياهم”. 44] إنّ الأخلاق مقام مناسب تماما للتحرّر من إيمان الخرافة، ومن يرفض تحرّره بنفسه هو يزاول ضربا مقيتا من “الكفر الأخلاقي”[45] بفكرة الله نفسها التي يحملها في عقله : يكفر بما كُتب في قلبه “بقلم العقل” ويعوّل على ما يُحكى له من الخرافات. ذلك بأنّه لا يمكن لأيّ دين أن يعلّم النّاس أكثر ممّا يكون ممكنا “بالنّسبة إلينا، أي بالنّسبة إلى الاستعمال العمومي لعقلنا”. ينبّه كانط إلى أنّ “بحثا في الكتاب المقدّس عن ذلك المعنى الذي يكون في تناغم مع أقدس ما يعلّمه العقل، ينبغي التّمييز بين مشرّع الجماعة الحقوقيّة ومشرّع الجماعة الأخلاقيّة: في السياسة يكون الجمهور هو ذاته واضع الدساتير؛ 49] إنّ فكرة الله في عقولنا هي وحدها يحقّ لها أن تشرّع للجماعة الأخلاقيّة، ولذلك حين تتمّ معارضة قانون مدني غير مخالف للأخلاق بقانون آخر، فإنّ علينا أن نحكم على هذا القانون الأخير بوصفه قانونا “منحولا”. 51] فإنّ الجماعة الأخلاقيّة هي غير مرئيّة بالضرورة، 52] هي تفقد من أصالتها وتتحوّل إلى سياسة خرافة. لا يمكن أن يمدّ تأثيره أبعد ممّا يمكن للأخبار المتعلقة بالقدرة على الحكم على مصداقيته، فإنّه لا يمكن لنا التذفكير إلاّ في “إله واحد” وبالتّالي لا يمكن أن يوجد بالنّسبة إلى عقولنا إلاّ “دين واحد”. 54] وهكذا فإنّ كلّ من يقبل الخضوع إلى “قوانين نظامية لهذا الإله” أو ذاك، فإنّ إيمانه لن يكون سوى “إيمان تاريخي” ولن تكون معرفته ممكنة إلاّ “عبر الوحي” المنقول إليه عبر الأجيال. وذلك انطلاقا من أنّ “إرادة الله مكتوبة في قلوبنا على نحو أصلي”، يجدر بنا أن نسأل أنفسنا: هل نطرح مسائل الدّين بحثا عن “إجابة كلية صالحة بالنسبة إلى كل إنسان، ولو كلّفه ذلك التضحية بالمشاعر الدينية نفسها ؟ يذهب كانط إلى أنّ الأجدر بنا، وبما هو تشريع لم يصل إلى كلّ إنسان ولا هو يستطيع أن يصل إليه، هو لن يُعتبَر بالتالي ملزما للناس بعامة”. 57] كلّ معتقد يستمدّ صلاحيته من سنّة أو وقائع أو أحداث سردية بعينها هو ينتهي إلى التحوّل إلى قرية روحية لا ترقى إلى طموحات الجنس البشري في التوفّر على كرامة كونية أمام نفسه. ولذلك فليس من مستقبل لأيّ نوع من دين الوحي سوى النجاح الكوني في ترجمة هذا الوحي إلى وحي عقلي محض في صلب الطبيعة البشرية بما هي كذلك. بل فقط عليه أن يقبل الترجمة الرمزية في لغتها بوصفها هي السقف الأخلاقي لدلالتها بالنسبة إلينا. ولذلك لا يمكن لأيّ دين نظامي أن يدّعي الكونية الصحيحة. وحده الاعتماد على العقل البشري بمجرده يمكن ويحقّ له أن يحثّ بني البشر أجمعين على الخروج من “إيمان الكنائس” الذي لا يتميّز عن الجماعة السياسيّة إلى “إيمان الدّين المحض” الذي لا يمكن أن يأخذ إلاّ شكل الجماعة الأخلاقيّة. عندئذ “علينا نحن أنفسنا أن نحقّق الفكرة العقليّة لهذا النوع من الجماعة”[58] الأخلاقيّة بعيدا عن أيّ “قوانين نظاميّة” تقدّم نفسها على أنّها إلهية، 59] والحال أنّ “هذه القيود الرهبانيّة هي في أساسها أفعال لا تبالي بما هي خلقيّ”[60] بل لا تهدف غالبا إلاّ إلى اغتصاب هيبة ما وسلطة ما على تلك الجموع. إلاّ أنّه يمكن أن يكون ثمّة ضروب كثيرة من المعتقدات”. 61] ولذلك ينصحنا كانط بألاّ نستعمل عبارة “الدّين” حين نخاطب الجمهور، بل فقط أن نكتفي بالإشارة إلى المعتقد[62] : إنّ الإنسان إمّا يهودي أو مسلم أو مسيحي لكنّه في صميمه لا يعتنق الدّين بحدّ ذاته. بل “نحن نخلع على أغلب النّاس شرفا كبيرا بأن نقول عنهم: هم يعتنقون هذا الدّين أو ذاك، وذلك أنّهم لا يعرفون أيّ دين ولا تهفو أنفسهم لأيّ دين؛ 63] كلّ متديّن هو متديّن قرية روحية محدّدة، وهكذا فإنّ حرية المعتقد غالبا ما يُساء فهمها: إنّ المضطَهد لا يشكو في الحقيقة من أنّه “مُنع من التمسّك بدينه” بل “لم يُسمح له أن يتّبع إيمان كنيسته على نحو عمومي”. 64] وهكذا فإنّ من يسمّى “كافرا” هو في واقع الأمر مجرّد مؤمن مختلف عنا. 65] وكل معتقد نظامي يقود في آخر المطاف إلى تصنيف الناس إلى كفار ومؤمنين. بل على العكس من ذلك هو يقصد إلى العمل الدءوب على تقريب كل دين شعبي من “نظرية خلقية مفهومة للناس كافة” هي وحدها تكون “ذات جدوى”. ولذلك نجد أنّ كانط يثني على جميع الأديان التي نعرفها بقدر ما تتأوّل العقائد الإيمانية “من أجل غايات حسنة وضروريّة بالنّسبة إلى كل النّاس”. 68] وفي هذا الصّدد بالذّات يأتي كلام جميل لكانط عن الإسلام، المرسوم بكلّ شهوة حسية، معنى روحيّاً جدّا حقّا”. 69] وذلك أمرٌ مطلوب أخلاقيا ويمكن أن يحدث، لأنّ القصد الكبير ليس نقد الدّين أو هدمه بل فقط بيان “الاستعداد للدّين الخلقي المطمور في صلب العقل البشري”. لا يعني تأويل الكتاب المقدّس بشكل خلقيّ العثور على المعنى الوحيد المقصود من قبله، بل فقط فتح المجال أمام “إمكانيّة أن نفهمه على هذا النحو”، لأنّ الإيمان التّاريخي هو “ميّت في ذات نفسه” لأنّه مجرّد “شهادة” على الإيمان، قد يقوم بها أيّ إنسان من دون أيّ جهد أخلاقي يُذكر. لكنّ الدّين العقلي المحض هو الطرف الوحيد الذي يمكن أن يقدّم تأويلا مناسبا للطبيعة البشريّة بعامّة، ولذلك فإنّ حريّة المعتقد لا تكفي كي يقوم هناك فهم أخلاقي حقيقي للدين؛ وهذه الحريّة هي مبررة تماما ليس فقط للفلاسفة بل حتى لعلماء الدين أنفسهم حتى يكونوا دوما منفتحين على الرأي الأفضل في فهم أي مسألة ويمكن عندئذ “أن يعوّلوا على ثقة الجماعة في قرارهم”. من أجل ذلك يفترض كانط أنّ كلّ خطوة يخطوها النّاس من الإيمان الكنسي والدّين النّظامي إلى الإيمان العقلي المحض هي ليست حيادا عن الدّين الحقّ بقدر ما هي خطوة تقرّب النّفوس أكثر فأكثر من ملكوت الله في الأرض[73]، أي من الجماعة الأخلاقيّة المنشودة وإن كانت محكوما عليها بأن تبقى دوما جماعة غير مرئية، لأنّه لا يسعها إلاّ العقل بعامة، لكنّ الكونية ليست معطى كسولا للعقول، لأنّه يقع عقلاً ما وراء الإيمان والكفر بهذا الدّين أو ذاك. ولذلك فإنّ عديد المناسك “هي (على مشقتها) لا تمتلك أيّة قيمة خلقية”. أن نؤمن بشكل حرّ يعني أن نؤمن كالإنسان الحرّ وليس كالمرتزق، وكانط يؤكّد بشكل حادّ على هذه الفكرة: إنّ العقائد النظاميّة هي كلها قائمة على مجاز تجاري فظيع، بحيث لا يُفهم غالبا من “الرّحمة” الإلهيّة غير “النعمة” التي تمنحها لهم (die Gnade مصطلح يعني تحت قلم كانط “الرّحمة” و“النّعمة” في نفس الوقت )، 77] لأنّه لا يمكن التّكفير عن الذّنب بأيّ نوع من الطقوس. بل باستعمال حريتنا وطبيعتنا البشريّة بشكل مناسب، أي بالاعتماد على “جملة القوّة التأمّلية لعقلنا”[78] بمجرده. لطالما عانى البشر من فقدانهم لنموذج أعلى يعتمدون عليه في خلاصهم. 79] إنّ القبول بإمكانيّة وجود إنسانيّة يرضى عنها الله هي فكرة عقليّة تشير إلى إيمان عقلي صرف، ومن ثمّ لا يتعلّق الأمر بمسألة “نعمة” بل بمسألة “سيرة”. وإبعاد البلاء عن الدولة”. 81] ما وقع هو نقل مصدر الدّيون من الأرض إلى السّماء. ومن ثمّ لا حلّ سوى معاملة الدّيون على أنّها نعمة إلهيّة تقتضي منّا الطاعة النهائية لسلطة مستبدّة بكرمها. نعني قدرته على التّشريع لنفسه فيما يجب ولا يجب أن يؤمن به بكلّ حريّة. بما هو القوة التي تمكّن البشر من معرفة الله نفسه، ولكن بما فينا من قوة عقلية على التشريع لأنفسنا. وذلك أنّه لا معنى لأيّ ألوهيّة تعطّل “الاستعداد الخلقي فينا، الذي هو الأساس وفي نفس الوقت المؤوّل لكل دين”. 83] ولن يوحّد البشر إلاّ قدرتهم على التّأويل الحرّ لأنفسهم. إلى ضرب أعلى من التّوحيد النّهائي، حيث “يسود دين العقل آخر المطاف على الكلّ، ”حيث يكون الله كل شيء في كلّ شيء”. ومتى بلغنا إلى الإيمان الحرّ به بوصفه فكرة حرّة، وكلّ من يواصل التّعويل على معجم الدّين النّظامي الذي يحوّل الدّين إلى كهنوت والشّعب إلى رعيّة محتاجة إلى حماية من خطر الآخرة على الضّمير البشري، بذلك فإنّ الإيمان الحرّ لا يهدف إلى إبطال دين الشعائر أو دين المعتقدات، بل فقط التعامل معه وكأنّه “إرادة حاكم العالم كما أوحيت إليه عن طريق العقل”. 86] ذلك يعني أنّ الأمر لا يتعلق بالفصل بين الإيمان وعدم الإيمان، لأنّه أقدس ما يمكن أن يخطر على بال البشر عامّة؟ ولذلك ليس مطلوبا سوى الإنصات إلى ما هو عقلي في كل وحي، وتخريجه بشكل مناسب لطبيعتنا الأخلاقيّة، ولذلك لا معنى لأيّ عنف ديني عامّة. بين الدّين والعنف لا توجد أيّة رابطة ضروريّة، اللّهمّ إلاّ إذا تحوّل الدّين إلى سياسة والإيمان إلى استبداد روحي. وحدها الدّولة التي تعامل الدّين بوصفه مؤسّسة رسميّة للطّاعة، هي من شأنها أن تحوّل الدّين إلى جهاز عنف قابل للاستعمال بين أو ضد الجموع. وحده دين العبادات يقبل هذا النّوع من الاستعمال العمومي. وهاهي الأطروحة العالية في تفكير كانط عن الدّين: “إنّه في مبدأ الدّين العقلي المحض، بقدر ما يجب ومن جهة ما يجب أن يكون عملا بشريّا”. لا معنى لأيّ ثورة دينيّة طالما أنّها لا تستطيع أن تحدث إلاّ في شكل ثورة خارجيّة، والحال أنّ الثّورة على الدولة ليست مشكلا دينيا في شيء؛ إنّها بالأساس مقاومة مدنيّة لنمط فاسد من الشرعيّة لا علاقة لها بأيّ إيمان. معارك الدّول كلّها معارك تتعلّق بالشرعيّة؛ غير قابل للتّرجمة في أيّ جماعة مدنية إلاّ عرضا. لذلك ليس “دين العقل الكوني” الذي يصبو إليه كل مؤمن حرّ سوى ضرب من الاستعمال العمومي لحريّتنا وفقا لواجبات أخلاقية نريد لها أن تُعامل بوصفها أوامر إلهية، إنّ معركة التّنوير الحقيقي هي تلك التي تناضل من أجل مساعدة الإنسانيّة على الانتقال المتدرّج من “الإيمان النظامي” إلى “الإيمان الحر” تحت هدي فكرة “وحدة دين العقل المحض” بين بني البشر، وذلك بناءً على طموح شديد إلى بلورة ملامح “قانون دولي للشعوب، 91[91] مثل ذاك الذي تصبو إليه الدّول من أجل تحقيق السّلم العالمية. لكنّ كلّ إيمان تاريخي مطالب بالانفتاح على أفق الإنسانيّة. وأفضل مثال على ذلك هو المعتقد اليهودي. فإنّ اليهوديّة “قد أقصت الجنس البشري برمّته من جماعتها”. وليس لشعب وحيد بعينه”. ذلك بأنّ الاستعمال العمومي للدّين في ظل دولة قانونيّة لا يحتاج في واقع الأمر إلى أكثر ممّا يوجبه العقل من أشكال الإيمان. ولذلك خاصة تحتاج كل عقيدة تاريخيّة إلى علماء دين وإلى “جمهور عالم” يفهمها. أمّا إيمان العقل فهو في غير حاجة إلى أيّ “توثيق، بل هو يبرهن على نفسه بنفسه”. وأمّا الشطحات الصوفيّة وكلّ أشكال الترهّب والتعصّب والهوس الدّيني فهي لا تفعل سوى أن تجعل “عددا كبيرا من النّاس دون جدوى لهذا العالم”؛ هاهنا أدّى الاستبداد الدّيني إلى معاملة الملوك ومعاقبتهم “مثل الأطفال، أن يبقى الدّين صالحا على الصّعيد الأخلاقي. ولكن أيضا من دون أن نفرض على أيّ بشر الإيمان بذلك بوصفه أمرا مطلوبا للخلاص”. 99[99] لكنّ هذه الحماية هي مضاعفة: حماية الكتاب المقدس من تحويله إلى جهاز استبدادي، ولكن أيضا حماية عقول الناس حتى تستطيع أن تؤمن بذلك الكتاب المقدس إيمانا حرّا تماما. لأنّ المعتقد ليس مشكلا قانونيا تابعا للشرعيّة؛ وأن تسمح للبشر بأن يواصلوا “التطوّر الحرّ للاستعدادات الإلهيّة لما هو الأفضل للعالم”100[100] في أنفسهم. إنّ الخطير في سياسة الدولة ليس عدم دفع الناس إلى تغيير معتقدهم أو تركهم يعتنقون دينهم الموروث، بل في منع المرء من “أن يقول رأيه الدّيني على نحو عمومي”، لأنّ منع التفكير ذاته هو يعني في الحقيقة “منع المرء من أن يفكّر على نحو مغاير لما قامت هي بضبطه”. 100[101] لكنّ معركة الإكراه ومنع العقول من التّفكير هي معركة خاسرة دوما. أمّا الدولة التي تقوم “بإغراء مشاعر الضمير لدى المحكومين” لئن كانت لا تخجل من الإضرار بالحرية المقدّسة للبشر فهي لا يمكن أن تخلق “مواطنين صالحين إلاّ بصعوبة”. وهكذا بدلا من “إعطاء الأفيون (Opium) إلى الضمير”، لا ينتج أفيون العقائد المستبدة إلاّ كفّارا جددا. كل معتقد هو مجرد “تمثيل رمزي يهدف فقط إلى أكبر إحياء للأمل” في البلوغ يوما ما إلى “ملكوت الرب”. 107[107] ولكن “من هو الكافر أو غير المؤمن عندئذ”؟ 108[108] من يحتاج إلى “ألاعيب تقوية كسولة”109[109] وإلى “إيمان مشعوذ”110[110] حتّى يكون له رجاء في حياة في المستقبل أم من تعلّقت همّته بتمجيد كوني للربّ بمجرّد “دين السيرة الحسنة”111[111] فحسب؟ بوصفها “مثلا أعلى جميلا عن عصر خلقي للعالم منتظَر بالإيمان ومتحقّق بواسطة إدخال الدّين الكوني الحقيقي”، وبالتّالي هي “يمكن أن تأخذ أمام العقل دلالتها الرمزيّة الجيدة”. نعني يُتواصَل ويُتقاسم على نحو كوني”. 113[113] لا ينبغي أن يكون ثمّة أيّ تناقض بين الشيء المقدّس والشّيء الخلقي. 114[114] كثير من النّاس يعتقدون أنّ الدّين شعور بلغز أو سرّ خفي لا تدركه عقولنا البشريّة. وعلى العكس من ذلك فإنّ أصل الدّين ليس المشاعر السرّية التي تفرقّ بين الناس بحسب تباين المعتقدات، 116[116] إنّه “ليس ثمّة واجبات خاصة تجاه الله ضمن دين كوني؛ فنحن لا نستطيع أن نفعل فيه ولا من أجله”. ولن يقبل أيّ دين أن يصبح دينا كونيا إلاّ بقدر ما يقبل أن يعبّر عن نفسه من خلال مفاهيم العقل، أي بقدر ما يستطيع التّعبير عن نفسه بوصفه “إيمانا حرّا”119[119] مفتوحا أمام أيّ كان. ولذلك فإنّ المعرفة المتبحّرة بالكتاب المقدّس لا تفيد شيئا إذا كان رهانها هو إنتاج أكبر مساحة من الهيمنة على أناس “امتلأت رؤوسهم بالعقائد الإيمانيّة النظاميّة فصارت عديمة الإحساس بدين العقل أو تكاد”. 120[120] إنّ رجال الدّين المسيحيين مثلا قد تحوّلوا إلى “موظّفين” كنسيين، بعد أن كانوا اغتصبوا من دين العقل أهليته لأن يكون على الدّوام المؤوّل الأعلى له… وبهذه الطريقة حوّلوا خدمة الكنيسة إلى هيمنة على أعضائها”. إنّ عبادة العبيد تحوّل الدّين في كلّ مكان إلى وهم وعبادة الله إلى مجرّد تعاويذ وطلاسم.