التعايش ومبدأ حرية المعتقد: أكثر من مرة، لأهميته كمنطلق للتعايش بين الناس على ظهر هَذِهِ البسيطة، وعلى سبيل المثال لا الحصر، في كتابه العزيز؛ حيث ينهى عن الإكراه في الدين؛ لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَد تَّبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ فَمَن يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنُ بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى لَا انفِصَامَ لَهَا وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ ، والمولى القادر على كل شيء، ومن أمره بين الكاف والنون يعطي للناس حرية الاختيار فيقول : ﴿فَمَن شَاءَ فَلْيُؤْمِن وَمَن شَاءَ فَلْيَكْفُرْ ) (2)، فيقول سبحانه: ﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً ) ، وهذا المبدأ من ثوابت الإسلام الأساسية، فمن أوائل ما أُنزِل عَلَى رَسُولِ اللَّهِ من القرآن في مكة قوله تعالى: إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ لِلْعَالَمِينَ ) لِمَن شَاءَ مِنكُمْ أَن يَسْتَقِيمَ ، ينهى الإسلام عن سب غير المسلمين، يقول الله تَعَالَى : ﴿وَلَا تَسُبُوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ فَيَسُبُوا اللَّهَ عَدْوا بِغَيْرِ عِلْمٍ كَذَلِكَ زَيَّنَّا لِكُلِّ أُمَّةٍ عَمَلَهُمْ ثُمَّ إِلَى رَبِّهِم مَرْجِعُهُمْ فَيُتَيْتُهُم بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ ) . التعايش ومبدأ الاعتراف بالآخر والتحاور: حَتَّى لو كنا لا نرى صحة اعتقاده، قال تعالى: (لَكُمْ دِينَكُمْ وَلِيَ دِينِ) ، وَهَذِهِ السورة في القرآن تسمى سورة الكافرون»، وابتدأها المولى سبحانه بقول قُلْ يَتَأَيُّهَا الْكَافِرُونَ ) ، فقال تَعَالَى: ﴿ إِنَّ الَّذِينَ ءَامَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالصَّابِئِينَ وَالنَّصَارَى وَالْمَجُوسَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا إِنَّ اللَّهَ يَفْصِلُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ . حيث يدعو القرآن إلى الإحسان في الحوار، وإن أساء الآخر، والآية ليست دعوة للحوار البناء فحسب بل يفهم منها دعوة من لا يحسن الحوار، ولا يجد في نفسه الكفاءة العلمية، والصبر على خوض غمار التحاور، فالمولى سبحانه يأمر باتباع أفضل السبل، وأجمل الحديث، وأتم الأخلاق في الحوار؛ حيث جاءت الدعوة إلى الحوار بصيغة أفعل تفضيل أحسن وهي المبالغة في الحسن وبذل الجهد في إيصال المعلومة، وتقريبها للمُحاور بحيث لا يملك من جمال أسلوبك إلا الاستمتاع بحديثك سمعاً وبصراً حَتَّى تدخل من هذا الباب إلى قلبه فتنتج المحبة. الإحسان إلى المخالف وبره، ما لم يقاتل ويعلن الحرب؛ حيث قال سبحانه وتعالى: ﴿لَا يَنْهَنَكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ تُخْرِجُوكُم مِن دِيَارِكُمْ أَن تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ، من جميع أصناف الملل والأديان، أن تبروهم وتصلوهم وتقسطوا إليهم ؛ لأن الله عز وجل ، عم بقوله تعالى : ﴿ لَا يَنْهَنَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ تُخْرِجُوكُم مِّن دِيَارِكُمْ أَن تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ ﴾ جميع من كان ذلك صفته، فلم يخصص به بعضاً دون بعض، لأن بر المؤمن أحداً من أهل الحرب ممن بينه وبينه قرابة نسب، أو ممن لا قرابة بينهما ولا نسب غير محرم، إذا لم يكن في ذلك دلالة له، أو لأهل الحرب على عورة لأهل الإسلام، علو قدر الجنس البشري عند الباري سبحانه، أو لونه، أو عرقه، أو جنسه فهو مكرَّم من عند الله تَعَالَى: ﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي ءَادَمَ وَحَمَلْتَهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَهُم مِّنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِّمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلا ، ومن تكريم الله تعالى للإنسان بأن جعله خليفة في الأرض، قال تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ للملائكة إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةٌ ) . ولقد ورد في القرآن الكريم نداء الله للناس بقوله يا بني آدم» في سورة الأعراف، خمس مرات، قال تعالى: ﴿ يَنبَنِي ءَادَمَ قَدْ أَنزَلْنَا عَلَيْكُمْ لِبَاسًا يُوَارِي سَوْءَاتِكُمْ ﴾ (1)، وقال تَعَالَى: ﴿يَنبَنِي ءَادَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِندَ كُلِّ مَسْجِدٍ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلَا تُسْرِفُوا ) ، العدالة في التعامل مع الناس. وإن اختلفوا في المعتقد: بل وإن اختصموا مع من يدينون بديننا، حيث قال المولى جلت قدرته: ﴿ يَتَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ لِلَّهِ شُهَدَاءَ بِالْقِسْطِ وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَتَانُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ، وقال تعالى: فَلِذَلِكَ فَادْعُ وَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ وَقُلْ ءَامَنتُ بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ مِن كِتَابٍ وَأُمِرْتُ لِأَعْدِلَ بَيْنَكُمُ اللَّهُ رَبُّنَا وَرَبُّكُمْ لَنَا أَعْمَلُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ لَا حُجَّةَ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ اللهُ يَجْمَعُ بَيْنَنَا وَإِلَيْهِ الْمَصِيرُ ) من أسس التعايش الدعوة إلى البحث في المبادئ والقيم المشتركة وتعزيزها: إن من أهم الأسس البانية لمفهوم التعايش ، تعميق البحث في المبادئ والقيم المشتركة، وتعزيزها، ونأكل الميتة، ونقطع الأرحام، والكف عن المحارم والدماء، ونهانا عن الفواح، وأكل مال اليتيم، فعبدنا الله وحده، فلم نشرك به شيئاً، وأحللنا ما أحل لنا، فعدا علينا قومنا، وأن نستحل ما كنا نستحل من الخبائث، ورجونا ألا تظلم عندك أيها الملك) فقد ركز جعفر بن أبي طالب الله على القيم المشتركة من صدق الحديث، وحسن الجوار، ولقد عاش المسلمون في الحبشة، وثقافة مختلفة وفق القيم التي تجمعهم، وعدم التركيز على ما يفرق بينهم. التعايش وتعزيز قيم العدالة ودفع الظلم: فرسول الله بعد أن مَنَّ الله عليه بالرسالة، وجمع قلوب الناس عليه إماماً متبعاً، قال ، بعد أن أكرمه الله بالنبوة والرسالة: «لَقَدْ شَهِدْتُ مَعَ عُمُومَتِي حِلْفاً فِي دَارِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ جُدْعَانَ، والنبي يتحدث. هنا عن. قدم مكة ببضاعة فاشتراها منه العاص بن وائل، فوقف عند الكعبة واستغاث بآل فهر وأهل المروءة، فقام الزبير بن عبد المطلب فقال: ما لهذا مترك، فدفعوها إليه، لأنَّ مَن قام به كان في أسمائه الفضل، كالفضل بن الحارث، والفضل بن وداعة، مبدأ التراحم والحفاظ على كرامة الإنسان وآدميته: في ظل إهمال جزء كبير منه يعيش حالة البؤس، كَالْمُجَاهِدِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ، يُعد احترام الرأي العام واعتباره أحد أهم مبادئ التعايش السلمي بين المجتمعات، بأعماله وأقواله حماية المجتمع من الريبة والشك، أو إصلاح ما فسد لما قد ينتج عن ذلك من عواقب قد تؤدي إلى فساد أعظم، نرى ذلك جلياً في قصة بناء الكعبة وهدمها، سألت عائشة، فَأَخَافُ أَنْ تُنْكِرَ قُلُوبُهُم أَنْ أُدْخِلَ الْجُدُرَ فِي البَيْتِ، وَأَنْ أَلْصِقَ بَابَهُ بِالْأَرْضِ». أما الجانب العملي للتعايش في تاريخ المسلمين، فالمعول في ذلك هو النظر في سيرة النبي؛ وطاعة أوامره، وإذا كان الأمر كذلك، وفيما يلي نعرض بعض هَذِهِ النماذج في التعامل مع المخالف: كان في مواجهة أنواع ثلاثة من الأعداء؛ وهم الوثنيون، واليهود، الذي آمن به أغلب أهل المدينة، فظلوا في حيرة وتردد وخوف، ليس هذا مجالها، ولكن ما يهمنا هو كيف تعامل معهم رسول الله ، مع أن الله سبحانه وتعالى قال في حقهم : ﴿إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ ﴾، وآيات القرآن تتحدث عن صفاتهم الذميمة، أو يعاقبهم، بل ظل يدعو إلى قيم الدين الحنيف، ويحذر بشكل عام من صفات النفاق، وحفظ لهم دماءهم وأموالهم، وعاملهم في الظاهر بالإحسان، حَتَّى أنه لم يفضحهم بين أصحابه، حَتَّى لا يتهور أحدهم، يخبر أسماءهم إلا حذيفة بن اليمان أمين سره حَتَّى بلغ فيتعرض لهم بالسوء، ولم من إحسانه أنا ابن زعيم هذه الفئة؛ وهو عبد الله بن أبي بن سلول، ولم يعامله المسلمون بجريرة والده. ويذكر لنا القرآن في غير آية، ما كانت تشكله هَذِهِ الفئة من الناس، فقد حكى القرآن الكريم من حالهم وشأنهم ما جاء في قول الله تَعَالَى: ﴿ يَقُولُونَ لَيْن رَجَعْنَا إِلَى الْمَدِينَةِ لِيُخْرِجَنَ الْأَعْزُ مِنْهَا الْأَذَلَّ ، وقال تعالى: ﴿ وَمِنَ النَّاسِ مَن يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيُشْهِدُ اللَّهَ عَلَى مَا فِي قَلْبِهِ، إن تعامل النبي مع اليهود يمثل قمة التسامح وإنصاف المخالف. وهنا لا بد من سرد بعض النماذج الثابتة التي تعامل بها النبي مع اليهود: فعندما قدم النبي الله المدينة، إذ إن رسالة الأنبياء واحدة. وعندما تزوج النبي بأم المؤمنين صفية بنت حيي، وكانت يهودية قبل إسلامها، وتعيير بعض نسائه بيهوديتها، قال لها: «إِنَّكِ لَابْنَةُ نَبِيٌّ، وَإِنَّ عَمَّكِ لَنَبِيُّ، وَإِنَّكِ لَتَحْتَ نَبِيَّ». . وفي هَذَا دلالة على أن تعيير الناس بانتمائهم ليس من الدين في شيء؛ إذ إن رسول الله يأمر زوجته بأن تباهي بأصلها وانتمائها. وعندما مرت جنازة يهودي، ومن ذلك أيضًا افتقاده لغلام يهودي كان يخدمه، وهو يفارق الحياة، فنظر الشاب إلى أبيه، فقال له والده: «أطع أبا القاسم، فنطق بالشهادتين، وهذا دليل آخر على التعامل الحضاري مع الناس والتعايش معهم، ومن أمثلة ذلك ، صبر النبي الله وسعة صدره مع زيد بن سعنة: «قال زيد بن سعنة: ما من علامات النبوة شيء إلا وقد عرفتها في وجه محمد ﷺ حين نظرتُ إليه إِلَّا اثنتين، يَسْبِقُ حلمه جهله، قال زيد بن سعْنَةَ : فخَرَجَ رسولُ اللَّهِ يومًا مِنَ الحُجُرَاتِ، ومعه علي بن أبي طالب فأتاه رجُلٌ على راحلة كالبَدَوِيُّ ، فقال : يا رسولَ اللَّهِ ، وقد أصابَتْهُم سَنَةٌ وشدَّةٌ وقحط من الغيث، فأنا أَخْشَى يا رسولَ اللَّهِ أن يخرجوا من الإسلام جزعاً، فَإِنْ رَأَيْتَ أَن تُرْسِلَ إليهم بشيء تُغيثهم به فعلْتَ، فنظَرَ إِلَى رجل إلى جانبِهِ أُرَاهُ علياً، فقال: «يا رسولَ اللَّهِ ما بقي منه شيء». فقلتُ : يا محمد، هل لَّكَ أَنْ تَبِيعَنِي تمراً معلوماً في حائِطِ بني فلان إِلَى أَجَلٍ معلوم، لَا تُسَمِّي حائِطَ بني فلان»، قُلْتُ: «نعم. وقال: اعْدِلْ عَلَيْهِم وَأغثهُمْ بِهَا»، ودنا إلى الجدارِ لِيَجْلِسَ إليه، فأخذتُ بمجامع قميصه وردائه، فَوَاللَّهِ ما علمتم بني عبد المطلبِ إِلَّا مُطلاً، ونظرْتُ إِلَى عمر، فقال: «يا عدو الله أتقول الرسول الله له ما أسمَعُ، فوالذي نفسي بيده، ورسولُ اللهِ ﷺ ينظرُ إِليَّ في سكون وتُؤَدَةٍ، اِذْهَبْ بِهِ يَا عُمَرُ فَأَعْطِهِ حَقَّهُ، قال : وتعرفني يا عمر . قال : لا. قال: فما دعاك إلى أن فعَلْتَ برسولِ اللهِ ﷺ ما فعلت، وقلت له ما قلت. ولا تزيده شدَّةُ الجَهْلِ عليهِ إلَّا حلماً. وقد اختبرتهما، فأُشْهِدُكَ يا عمر أني قد رضيت بالله رباً، فرجع عمر وزيد إلى رسولِ اللَّهِ ﷺ فقال زيدٌ: أَشْهَدُ أَنْ لَّا إلهَ إِلَّا اللهُ، وآمَنَ بَهِ وصَدَّقَهُ، فأراد الناس منعهم، فَاسْتَقْبَلُوا المَشْرِقَ، ولا يتصور نموذج أعظم في التسامح، من أن يقيم النصارى صلاتهم في مسجد رسول الله ﷺ مستقبلين قبلتهم. ومِلَّتِهِم، وأَرْضِهِم، وغَائِبِهِم،