قال ابن جبير في ذكر مدينة حلب: . لها قلعة شهيرة الامتناع، موضوعة على نسبة اعتدال واستواء فسبحان من أحكم تقديرها وتدبيرها، وأبدع كيف شاء تصويرها وتدويرها، بزينة الغوان، وتجلت عروساً بعد سيف دولتها ابن حمدان. وبها مشهد كريم له يقصده الناس ويتبركون ويعترض دونهما خندق لا يكاد البصر يبلغ مدى عمقه والماء ينبع فيه. وكلُّ برج منها مسكون، السلطانية، وأما البلد فموضوعه ضخم جداً، حفيل التركيب بديع الحسن واسع الأسواق كبيرها، وكلها مسقف بالخشب فسكانها في ظلال وارفة فكل سوق منها تقيد الأبصار حسناً وتستوقف المستوفز تعجباً. وأما قيساريتها فحديقة بستان نظافة وجمالاً، مطيفة بالجامع المكرّم، سواها ولو كان من المرائي الرياضية. فيستوقف الأبصار حسن منظرها، وفي صحنه بئران معينان والبلاط القبلي لا مقصورة فيه فجاء ظاهر الاتساع رائق الانشراح. وقد استفرغت الصنعة القرنصية جهدها في منبره، فما أرى في بلد من البلاد منبراً على شكله وغرابة صنعته واتصلت الصنعة الخشبية منه إلى المحراب فتجللت صفحاته كلها حسناً على تلك الصفة الغريبة وارتفع كالتاج العظيم على المحراب وعلا حتى اتصل بسمك السقف، وهو مرضع كله بالعاج والآبنوس، واتصال الترصيع من المنبر إلى المحراب مع ما يليهما من جدار القبلة دون أن يتبين بينهما انفصال، فتجتلي العيون منه أبدع منظر يكون في الدنيا، وحُسْنُ هذا الجامع المكرم أكثر من أن يُوصَفَ. وهذه المدرسة من أحفل ما شاهدناه من المدارس بناء وغرابة صنعة، ومن أظرف ما يلحظ فيها أن جدارها القبلي مفتح كله بيوتاً وغرفاً ولها طيقان يتصل بعضها ببعض. وقد امتد بطول الجدار عريش كرم مثمر عنباً، فحصل لكل طاق من تلك الطيقان قسطها من ذلك العنب متدلياً أمامها، فيمد الساكن فيها يده ويجتنيه متكناً دونَ كُلفة ولا مشقة وللبلدة سوى هذه المدرسة نحو أربع مدارس أو خمس.