لطالما كان أبي قاسيًا وصلبًا في طفولتي، كما أنه غاضب منفعل، فقد كان يعتقد أن الرجال يصقلون بالضرب كما رباه أبوه أمي لا تدافع عني، لم أكن قادرا على إخبارها أني أتعرض للتنمر بالمدرسة خوفًا من أن تراني ضعيفًا، كان الرفاق بالمدرسة يسخرون مني لأني أطلب أن يحترموا مشاعري ويرددون «أنت بنت حساسة» لم أعرف كيف أرد ولم يعلمني أحد كيف أتعامل مع هذه المواقف المؤذية، فهي لا تملك شهادة ولا تود أن نعيد الخطأ، خلق هذا صدعًا عميقا في علاقتنا، علاقتي العاطفية: لا أعرف كيف يجب معاملة النساء، كانت حيلتي أن أوضح لها في أول العلاقة أنني أعشقها وأنها مميزة، وألمح لفكرة الزواج، مفاهيم خاطئة في تنشئة الرجل وتأثيرها: وخوف من التعبير، وكل إنسان متفرد في تجربته. هذه أفكار موروثة مشوهة تعزز مفاهيم غير سوية، يعتقد هؤلاء أنهم لم يتأثروا لكن إن نظرت إلى شخصياتهم وطبيعة علاقاتهم لوجدت خللا عميقا، خاصةً في العلاقات العاطفية. تُعامل الأسس العلمية لتنشئة الطفل بنوع من اللا اكتراث وتؤخذ موروثات الأجداد الفكرية وتلقن للأطفال وكأنها حقائق، عند شعور الطفل بالخوف من التعبير، نمط حياة، ومن جهة أخرى سيتعرض للكثير من الظواهر التي لن يستطيع الحديث عنها، ربما تحرش جنسي أو تنمر لأنه يخاف ولا يشعر بالأمان الداخلي، وهذا سيحرمه من الكثير من التجارب في الحياة التي هي معيار أساسي للنضج. فهو أبدًا غير مقترن بعمر الإنسان. الأم التي تعاني عقدة الخضوع ستجعل طفلها يشعر بأنه لا يملك سندا أو مأوى، فهو يعرف يقينًا بأنه إذا تعرض للضرب أو الإهانة من الأب المتمادي فلن يجد محاميًا صارمًا للدفاع عنه ببسالة، فالأم التي تملك استحقاقا وثقة بالنفس لن تسمح بأي تمادٍ مع طفلها، ترى أبناءها يتعرضون لمثل هذا الأذى وتردد «سأظل لأجل أبنائي» دون أن تحرك ساكنا. لن يحترم الطفل أمه ولن يثق بها إذا مر بمثل هذه التجربة، وذاته الحقيقية إن كانت تميل للخير أو لإيذاء الآخر. تنتشر في المدارس مفاهيم غير سوية عن ماهية الرجل وتعريفه، يقدمونه کمزيج مشوه لعادات وتقاليد ومعتقدات غير سوية. تتم السخرية من كلمة مشاعر وربطها بالأنوثة، والمشكلة هنا تكمن في أننا منذ طفولتنا نربط كلمة شعور بالعار فتصبح كل صور التعبير عن المشاعر من حزن وخوف وألم وحميمية أمرًا خاطئا ومعيبا ولا يمكن البوح به، إذا أمعنت الملاحظة في اللغة الدارجة بين الرجال، ستجد السخرية والوقاحة والشتم هي اللغة المتداولة والمتعارف عليها، ومن فقد القدرة على التعبير عن مشاعره سيتلوث بهذه الطرق من التعبيرات غير السوية. أو لك محبة كبيرة في قلبي)، وهذا يدل على خوفه من الحميمية والقرب بشكل سوي لربما يُفهم بشكل خاطئ. التنمر يساهم في تحطيم الاستحقاق، وإذا لم يتم توضيح كيفية التعامل معه على أرض الواقع فأنت في الطريق إلى الهلاك النفسي مستقبلا، نحن نعيش في عالم تحكمه إرادة القوة، فإن لم تكن ذئبا أكلتك الذئاب، وهنا يجب أن يتم إعداد الطفل بالفنون القتالية وأساليب الدفاع عن نفسه قبل كل شيء، لأنه لربما تعرض لموقف يجب أن يتعامل معه بسرعة ولا يستطيع الانتظار للشكوى على المتنمر، وإذا مر الموقف وتم ضربه أو إهانته ولم يرد بنفسه سيخلق هذا صدعًا في نفسه ولربما عقدة الخضوع. لكن إذا تركته يضربك ثم اشتكيت أو تركته يهينك وأدرت ظهرك متجاهلا سيصنع هذا كبتا شعوريا في أعماقك، كن حذرًا فقد تتعرض للضرب المبرح أو الطعن وتتأذى» فتجعله خائفًا غير قادر على الدفاع عن نفسه. والتخويف من العقاب، يجعل الطفل مترددًا في طرح خبايا نفسه، ولهذا كثير من الأطفال يتعرضون التجارب مثل التحرش والتنمر ويظلون صامتين. يؤلمني جدا عندما أسأل الشخص عن علاقته بأحد الأبوين ويذكر أنها رسمية، فأساس العلاقة معهما هي تنشئة روحية عاطفية نفسية وليست اعتناء ماديا فقط. ولكن للأسف الوعي الجمعي بفكرة الإنجاب منخفض، ولو كان بيدي لجعلت هناك قانونا يفرض على الأبوين التسجيل في أكاديمية لتنشئة الطفل السوي، ولا يسمح لهما بالإنجاب إلا إذا نجحوا في أهم منهج قد يدرسونه في حياتهم، منهج تنشئة طفل واع. تجارب تشوه العقل اللاواعي لدى الشاب قد يكون أغلب الشباب تعرض لمشاهدة الأفلام الإباحية في هذا العمر عالميا، وليس فقط في الوطن العربي، ولكن في مجتمعاتنا وبسبب الكبت الجنسي النابع من الثقافة العربية ومن آلية منع الاختلاط بين الجنسين قد يزيد من احتمالية الهوس بمشاهدة هذه الأفلام. العار المرتبط بمصطلح الجنس يقلل من احتمالية مناقشته مع الأبوين، وخطورتها أنها تعرض العملية الجنسية بشكل مشوه بين الرجل والمرأة، وتقدم الأساليب السادية والمازوخية على أنها مصدر اللذة والطريقة المثلى لمعاملة الجنس الآخر سؤال عقدة الجنس) فيقتات بعض الكبار على هذه الأفلام للحصول على النشوة الجنسية. العلاقة مع الأخت أو الأم أو الابنة: فيصبح شرف الشاب ليس في ذاته وأخلاقه وإنسانيته، الشرف الحقيقي هو الصدق في القول والفعل والحياة المتوازنة بلا أي ازدواجية التي تمثل ذاتك الحقيقية. قد يستحي من الخروج مع أخته أو أن يراها أصدقاؤه، وقد يلقبها بـ «الأهل» بدلا عن قوله أختي فلانة، فقد يثور عليها في أي لحظة، فتحولت العلاقة من أخوين متكافئين إلى سيد وتابع، بينما الحقيقة أنه لا يفكر إلا بصورته الذاتية أمام أقرانه الذين يحملون الفكر ذاته. إثبات الرجولة والانتماء للجماعة: يحتار الشاب وهو يكبر متسائلاً عن كيفية أن يصبح رجلا في هذا المجتمع، سيكون المصدر الثاني له هو رفاقه الذين يحاول الانتماء إليهم ليشعر أنه ليس وحيدًا، فيبحث عن المصادر التي تجعله متقبلا بينهم. قد يكون النجاح الدراسي ومن ثم المهني، أو القوة البدنية، وإن لم يجد هذا الاحتواء من أقرانه أو عدم تقبلهم له فقد يتجه إلى إدمان الكحول والمخدرات للهروب من الذات والانغماس بالملذات، لعلها تخفف وطأة الوحدة التي يعاني منها هذا الشاب. الصراع النفسي في العلاقة العاطفية وتؤدي واجباتها الزوجية على أتم وجه وتنحصر العلاقة معها في ثلاثية الإنفاق والعلاقة الزوجية وإنجاب الأطفال، لتهتم بهم وبه. يُعجب ويُغرم بالفتاة القوية صاحبة الشخصية، «حمد» في قصتنا لا يملك أي أساسيات للعلاقات الاجتماعية أو التعامل مع المرأة، وتأتي بعيدة عن المفاهيم التحليلية للنفس البشرية، الجفاف الذي تلقنه «حمد» في طفولته يظهر اليوم في عدم قدرته على التعبير عن مشاعره بشكل تفصيلي، فبدلا من أن يقول لحبيبته ( هذا الفستان يناسب قوامك ) ، هذا فقط مثال بسيط على عدم القدرة على التعبير التفصيلي، «حمد» لربما تبلدت مشاعره من ضرب الأب، وكبته لمشاعره، حتى وصل إلى مرحلة أنه ربما لا يعرف ما يشعر به، التحايل العاطفي بالاندفاع بالشعور فيعتني بتفاصيلها ويوجد بجوارها صباح مساء، فتسقط بالفخ خاصة مع بعض تلميحات الزواج التي تبحث عنها الكثير من النساء اللواتي تبرمجن على عقدة العنوسة (سؤال صراع الأنوثة). فكلما بذل الآخر مجهودًا للوصول لك ارتفعت قيمتك في عينه، أما سرعة الضمان فإنها تجعلك تصبح في عداد الاحتياط. إحدى الحاجات الأساسية هنا لدى «حمد» هي نشوة المرغوب، والتي تعزز قيمته أمام ذاته والتعدد هنا أصبح مصدرا يستمد منه حمد استحقاقه. التعبير عن الشعور بصدق يجب أن يتم التعبير عنها والابتعاد عن كبت الشعور المشوه للإنسان. من عرف نفسه، من يمتلك علاقات تمت وفقًا لخياره الشخصي بانتقائية، من يدافع عن قضاياه في الحياة وتظهر قيمه في المواقف على أرض الواقع دون ازدواجية في المعايير أو إرضاء للآخرين على حساب نفسه. سيحترم معتقدات أخته وأمه وزوجته وابنته، ربما يزج نفسه بحوارات مثمرة معهن، لكن لا يفرض رؤيته للواقع عليهن. لا يزيد من قيمته الذاتية كمية النساء المعجبات به، في علاقته العاطفية، بقدر اكتراثه بمن أنت ومحتوى عقلك والحوار الناضج الذي يبني أواصر العلاقة. بل لأنه لا يرضى أن يرى إنسانًا مضطهدًا لا يأخذ حقوقه كاملة دون أن يحرك ساكنا. لا يزج بنفسه في مقارنات ساذجة مع رجال آخرين، لأنه يعرف أنه قيمة عالية، لأنه هو فقط، ليس لأنه حصل على أي مصدر من مصادر الاستحقاق الخارجية سؤال الاستحقاق المزيف). يعرف يقينا أن حياته الجنسية ليس لها أي دخل برجولته فالحيوان ذاته يملك حياة جنسية. يشق طريقه الخاص في هذه الحياة تبعًا لما يراه صحيحًا ولو خالفه الجميع فهو قائد لسفينته. ومستعد كل الاستعداد لأعلى أشكال المواجهة سؤال عقدة الخضوع). يتعلم من كل من يخالفه بالواقع، أن يكون متطلعا ويدرس تجاربه ويقرأ من كل شيء لكي يكون صاحب قرار صارم ويعرف كيفية اتخاذه. مهذب السلوك ولبق المعاملة والحوار، منصت وليس مبتذلا في التعبير. منظم بأهداف واضحة يعمل عليها بصمت فهو صاحب فعل لا قول. يملك استقلالية ذاته وحدودًا واضحة مع الجميع. كبت الشعور - تصاحبه نوبات الغضب في عَالَم أدى لجعل الرجل هو النسبة الغالبة في السجون - 15 رجلًا لكل امرأة واحدة في إحصائية (AWPD تحليليًا لا أراه فرقًا يعود للفوارق البيولوجية فقط، بل لتنشئة الرجل على منهجية كبت الشعور والعنف الجسدي كعلامة على الرجولة. وذلك لأن من يفقد القدرة على التعاطف والتعبير والقابلية للجرح، أرى أن العلاقة مع الأبوين والتصورات الاجتماعية لكلمة رجل لها تأثير عميق في خلق هذه الاضطرابات، ولا أنكر بالطبع الدور البيولوجي. ولو بحثت في طفولتهم لربما تجد إهمالا عاطفيًا أو أبا قاسيًا يضرب على كل خطأ بسيط، وكآلية للدفاع النفسي من ناحية أخرى. يركز علم النفسي على علاج الغضب سلوكيا والتحكم فيه، ولكن البحث عن مصدره وآلية تكونه واقتلاعها من الجذور هو الحل الواقعي الوحيد، شخصيا: كنت طفلا حساسًا، ولأحصل على حب أمي المشروط بهذه المثالية التي عشتها. كنت أخاف التعبير عن أفكاري خوفًا أن أعاقب أو أحاسب عليها، لأن أصعب تجربة من الممكن أن يخوضها إنسان أن يقف صامتًا لا يدافع عن نفسه لكيلا يثير المشكلات، ولكن عزيزي القارئ لو جلست مع نفسك وحاولت تذكر الطفولة ستجد أن اللحظات التي تركت انفعالا شعوريا قاسيًا محفورة لا تنسى، حاولت الانتماء لجماعات الرفاق بتعلمي أساليب الشتم والسخرية وبعدي عن التعبير عن مشاعري لما فيه من حرج وعار وتشبه بالنساء وخسرت نفسي ومبادئي حينها. كنت وحيدًا في الفصل في أثناء الراحات، لا أعرف كيفية تكوين صداقات وكان أبي مشغولاً جدًّا في عمله فلم يعلمني هذه المهارات، كنت أتساءل لماذا لا يحبني أحد كثيرا؟ وهذا لأني لم أشعر بالانتماء لما يحبون، ولم أعرف كيف أواجه أي إنسان بشعوري أو عند التجاوز بحقي كنت تجنبيًّا بطبعي.