التمهيد: نبذة عن نشأة التامين : ونتيجة لهذا الإحجام يتأثر الاقتصاد القومي وعلى إثره عمل المفكرون على إنشاء شركات التأمين حتى تضمن للتاجر المتاجرة وتؤمن له الخسارة للأقدار الطارئة مقابل مبلغ من المال يدفعه اشتراك يقدمه لشركة التأمين وتقوم بتعويضه إذا حصل له خسارة، المطلب الأول: تعريف التأمين : وقد أمِنَ أمَاناً و أَمَنَةً بفتحتين فهو آمِنٌ و آمَنهُ غيره من الأمْنِ والأمَانِ 1(1) وقد أمنت فأنا أمن و آمنت غيري من الأمن و الأمان و الأمن ضد الخوف 2(2) والمقصود منه طمأنينة النفس وسكونها بتوفير أسباب الطمأنينة. في الاصطلاح : عقد يتم بين شركة التأمين ومستأمن معين تتعهد هذه الشركة بمقتضاه بدفع مبلغ من المال ، في اصطلاح القانونيين : (عقد يلتزم المؤمِّن بمقتضاه أن يؤدي إلى المؤَمَّن له أو إلى المستفيد الذي اشترط التأمين لصالحه مبلغاً من المال أو إيراداً مرتباً أو أي عرض مالي آخر في حالة وقوع الحادث، النوع الأول : التأمين التبادلي على أنواع صورة التأمين على الأشخاص أن يتقدم شخص ما إلى شركة التأمين لإبرام عقد التأمين على الحياة لمدة معينة بموجبه تلتزم الشركة بدفع المبلغ المدفوع له مع فوائده بعد تمام المدة ، أو التأمين على المتجر من الحريق ونحوه أو السيارات وغيرها من الأشياء والأموال بدفع قسط محدد على ما بينا، يذكر شارح المهذب صورته فيقول : (فصورته أن يعقد شخص مع الشركة عقداً تضمن له به سلامة داره، ويلتزم صاحب المال المؤَمِّن عليه أن يدفع للشركة ضريبة معينة من المال كل سنة أو كل شهر على حسب الشرط ، ثم تلتزم الشركة لصاحب المال المؤَمِّن عليه بأن تدفع له قيمة هذا المال كله إذا هلك أو تلف بحرق أو غرق أو غير ذلك ما دام عقد التأمين قائماً، للعلماء في تحريم التأمين أوجه عديدة، أقوال العلماء في التأمين التجاري القول الأول: القول بالحرمة الميسر في عصرنا عقود التأمين التجاري على الحياة والمركبات والبضائع وضد الحريق والتامين الشامل 7(7) ، وعند سؤال لجنة إسلام أن لاين عن التامين أجابت اللجنة : السؤال : ما حكم التأمين التجاري المنتشر اليوم ؟ الإجابة : فمن صور المعاملات الجديدة على الفقه الإسلامي ما يسمى (بشركات التأمين) ، وبقول فضيلة الشيخ محمد صالح المنجد من علماء المملكة العربية السعودية : جميع أنواع التأمين التجاري ربا صريح دون شك ، لأن أصحاب التأمين يأخذون نقود الناس ويعدونهم بإعطائهم نقودا أقل أو أكثر متى وقع الحادث المعين المؤمن ضده، والتأمين بجميع صوره لعب بالحظوظ ، يقولون لك ادفع كذا فإن وقع لك كذا أعطيناك كذا ، وإن التفرقة بين التأمين والقمار مكابرة لا يقبلها عقل سليم ، بل إن أصحاب التأمين أنفسهم يعترفون بأن التأمين قمار . من ذلك حديث أبي هريرة رضي الله عنه " نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن بيع الحصاة ، وكل من يبيع التأمين يمنع منعا باتا التأمين ضد أي خطر غير احتمالي ، أي أن الخطر لا بد أن يكون محتمل الوقوع وعدم الوقوع حتى يكون قابلا للتأمين ، وكذلك يمنع العلم بوقت الوقوع ومقداره ، وبهذا تجتمع في التأمين أنواع الغرر الثلاثة الفاحشة . وهو محرم بنص القرآن : ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَأْكُلُواْ أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ ﴾ [سورة : النساء- آية 29] . وقد أثبتت إحدى الإحصائيات الدقيقة لأحد الخبراء الألمان أن نسبة ما يعاد إلى الناس إلى ما أخذ منهم لا يساوي إلا 2. ولا حجة بفعل الكفار الذين تقطعت أواصرهم واضطروا إلى التأمين اضطرارا ، القول الثاني :القول بالحل والأستاذ محمد يوسف موسى والشيخ علي الخفيف رئيس قسم الشريعة بكلية الحقوق 13(13) والذي قال في بحثه المقدم للمؤتمر الثاني بمجمع البحوث الإسلامية: ( إن حكم التأمين شرعاً هو الجواز، أدلة القائلين بالحرمة : أدلة الغرر والقمار المذكورة سابقاً وعللوا ذلك بالأتي: وشركة التأمين تأخذ القسط المحدد كل شهر أو ما اتفق عليه وتدفع إن حدث له شيء الغرم الحادث وكل طرف ملتزم بذلك التأمين من العقود الإحتمالية: بسبب الجهالة لكل طرف ما يأخذ وما يعطي المؤَمِّن يدفع قسطاً ثابتاً محدداً في حين ما يتلقاه غير معلوم الحصول ولا القدر فهذا غرر في الحصول في المقدار وفي الأجل 15(15) ، وبعد الدراسة الوافية وتداول الرأي في ذلك، لأن المستأمن لا يستطيع أن يعرف وقت العقد ومقدار ما يعطي أو يأخذ فقد يدفع قسطاً أو قسطين ثم تقع الكارثة فيستحق ما التزم به المؤَمِّن ، ودخل في عموم النهي عن الميسر في قوله تعالى: ﴿ يَـۤأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ إِنَّمَا ٱلْخَمْرُ وَٱلْمَيْسِرُ وَٱلاٌّنصَابُ وَٱلاٌّزْلاَمُ رِجْسٌ مِّنْ عَمَلِ ٱلشَّيْطَـٰنِ فَٱجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ ﴾. فإن الشركة إذا دفعت للمستأمن أو لورثته أو للمستفيد أكثر مما دفعه من النقود لها فهو ربا فضل، لأن كلاً منهما فيه جهالة وغرر ومقامرة، ولم يبح الشرع من الرهان إلا ما فيه نصرة للإسلام، وظهور لأعلامه بالحجة والسنان، " لا سبق إلا في خف أو حافر أو نصل" 18(18) وليس التأمين من ذلك ولا شبيهاً به، فالمؤمن يدفع المبالغ التي يدفعها (قيمة التأمين) وقد يستفيد منها وقد لا يستفيد، وأخذ شيء بلا مقابل في عقود المعاوضات التجارية محرم لدخوله في عموم النهي في قوله تعالى: ﴿ يَـۤأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ إِنَّمَا ٱلْخَمْرُ وَٱلْمَيْسِرُ وَٱلاٌّنصَابُ وَٱلاٌّزْلاَمُ رِجْسٌ مِّنْ عَمَلِ ٱلشَّيْطَـٰنِ فَٱجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ ﴾. وإنما كان منه مجرد التعاقد مع المستأمن على ضمان الخطر على تقدير وقوعه مقابل مبلغ يدفعه المستأمن له، 1- المصلحة دليل للحل وفيه مصلحة المستأمن في حصول الطمأنينة في مزاولة التجارة 2- الأصل في العقود الإباحة ولا يحرم إلا بنص، 3- انه أصبح ضرورة ملحة في المجتمع وعرفاً لابد منه 4- نظام الموالاة ويتلخص هذا العقد أن يقول شخص مجهول النسب للعربي أنت وليي تعقل(20(20)) عني إذا جنيت وترثني إذا أنا مت 5- نظام العواقل إذا جنى احد جناية في القتل غير العمد تعطي الدية القبيلة التي ينتسب إليها . رابعا: المناقشة والترجيح 21(21) أدلة المبيحون للتأمين التجاري مطلقاً أو في بعض أنواعه فالجواب عنه ما يلي: أ- الاستدلال ببعض أصول الشريعة. والتشبث ببعض الأنظمة . أولا: الاستدلال بالمصلحة غير صحيح، أ- قسم شهد الشرع باعتباره فهو حجة. ب- وقسم سكت الشرع عنه فلم يشهد له بإلغاء ولا اعتبار فهو (مصلحة مرسلة) وهذا محل اجتهاد المجتهدين. فكانت مما شهد الشرع بإلغائه لغلبة جانب المفسدة فيه على جانب المصلحة. فالمصلحة الشرعية حجة عند من يقول بها بشروط : - ألا تصادم نصاً من قرآن أو سنة ولا مقصداً من مقاصد الشريعة الإسلامية. - أن تكون المصلحة عامة للناس وليست خاصة لفئة. - أن تكون المصلحة حقيقية لا وهمية. - أن تكون هذه المصلحة لحفظ أمر ضروري من الضروريات الخمس المعلومة التي لا قيام للمجتمع بدونها. ولا ما جرى مجرى التعبدات في الأمور الشرعية المحددة. فإن ما أباحه من طرق كسب الطيبات أكثر أضعافاً مضاعفة مما حرمه عليهم فليس هناك ضرورة معتبرة شرعاً تلجئ إلى ما حرمته الشريعة من التأمين. رابعا: لا يصح الاستدلال بالعرف فإن العرف ليس من أدلة تشريع الأحكام وإنما يبنى عليه في تطبيق الأحكام وفهم المراد من ألفاظ النصوص، ومن عبارات الناس في أيمانهم وتداعيهم وأخبارهم وسائر ما يحتاج إلى تحديد المقصود منه من الأفعال والأقوال، فإنه قياس مع الفارق ومن الفروق بينهما أن عقود التأمين هدفها الربح المادي المشوب بالغرر والقمار وفاحش الجهالة بخلاف عقد ولاء الموالاة، ومن الفروق أن الأصل في تحمل العاقلة لدية الخطأ وشبه العمد ما بينهما وبين القاتل خطأ أو شبه العمد من الرحم والقرابة التي تدعو إلى النصرة والتواصل والتعاون وإسداء المعروف ولو دون مقابل، سابعا: الاستدلال بنظام معاشات التعاقد وصورته ما تقوم به الدولة من اقتطاع جزء من المرتب الشهري للموظفين، أولا: أن الموظف إذا استقال قبل بلوغ المدة المحددة للتقاعد أخذ ما يستحقه عن خدمته، وفي التأمين إذا توقف المؤمّن له عن دفع الأقساط بطلت جميع حقوقه، والذي يُبرم العقد مع المُؤمَّنْ لهم في التأمين فئة من المتاجرين به من الناس، وجميع مصروفاتها وأرباحها وما تعيده على المُؤمَّنْ لهم حين وقوع الحادث كل ذلك تستخرجه من جيوب المُؤمَّنْ لهم. ومن خلال المناقشة يترجح لي الحرمة في هذه العقود و يمكن تفصيل وجه التحريم بالأتي: 2 – المؤَمِّن يدفع قسطا ثابتاً محددا في حين أن ما يلقاه غير معلوم الحصول والمقدار فهو غرر. 4- ولأن فيه غبناً وذلك باعتباره عقداً احتمالياً من عقود الغرر . 5 - ولأن فيه زيادة من جهة أن المستأمن قد يبذل قسطاً ضئيلاً ويأخذ إذا وقع الخطر تعويضاً كبيراً بلا مقابل، 6- تحمل أحد أطراف التعاقد وهو شركة التأمين غرماً بلا جناية ولا تسبب فيها، ويكسب الطرف الأخر عنماً بلا مقابل، يشترك مجموعة من الأفراد بدفع مبلغ معين تعاوناً ويتفقون على تعويض من تنزل عليه نازلة أو يحدث له فيفقد مال أو نفس جاء في شرح المهذب : (هو أن تتولاه جمعيات تعاونية يجمع أعضاءها الأخطار التي يتعرضون لها، كما قرر مجلس المجمع بالإجماع على الموافقة على جواز التأمين التعاوني 23(23) والمنوه عنه آنفاً للأدلة الآتية: فجماعة التأمين التعاوني لا يستهدفون تجارة ولا ربحاً من أموال غيرهم وإنما يقصدون توزيع الأخطار بينهم والتعاون على تحمل الضرر. الثالث: أنه لا يضر جهل المساهمين في التأمين التعاوني بتحديد ما يعود عليه من النفع لأنهم متبرعون، الخاتمة : بعد ذكر أقوال العلماء في هذه النازلة من النوازل الاقتصادية والنظر فيها، ترجح لي أن أنواع الـتامين التجاري التبادلي بأشكاله مما حرمه الشارع الحكيم ، وليس ثمة مصلحة معتبرة في واقعنا الإسلامي ملحة تجعل من التامين ضرورة ملحة لابد من اقترافها، والله أسأل التوفيق والسداد والهداية إلى سبيل الرشاد والحمد لله رب العالمين . كتبه الفقير إلى ربه : عبد الوهاب مهيوب مرشد الشرعبي 1(1) مختار الصحاح مادة"أمن" ج1/11. 2(2) لسان العرب مادة "أمن" ج13/22. 3(3) انظر مباحث في الاقتصاد الإسلامي في أصول الفقه د/ محمد رواس قلعبي ص131. 4(4) انظر القانون المدني المصري مادة 747 . 5(5) انظر المجموع شرح المهذب ج31/102. 6(6) انظر المجموع شرح المهذب ج31/102 . 7(7) انظر التأمين والبديل الإسلامي من العداد 17- 20 مجلة البحوث الإسلامية الصادرة عن الرئاسة العامة لإدارة البحوث العلمية . 8(8) انظر المجموع شرح المهذب ، 9(9) حكم التامين في الإسلام عبد الله ناصح علوان ص 9 دار السلام مصر ط4 1416هـ. 10(10) قرار مجلس هيئة كبار العلماء في المملكة العربية السعودية رقم 5 بتاريخ 4 / 4 / 1397 هـــ. 12(12) إسلام أون لاين بتاريخ 2/9/2001م. 13(13) حكم الإسلام في التامين عبد الله ناصح علوان ص 9 . 14(14) انظر المجموع شرح المهذب ج31/84وما بعدها. 15(15) انظر القمار والميسر المسابقات والجوائز د/توفيق المصري ص58. 16(16) انظر مباحث في الاقتصاد الإسلامي د/ محمد رواس قلعبي ص131. 17(17) قرار مجلس هيئة كبار العلماء في المملكة العربية السعودية رقم 5 بتاريخ 4 / 4 / 1397 هـــ. وصححه الألباني في صحيح أبو داوود ج2/489، 19(19) انظر المجموع شرح المهذب ج31/ 84 وما بعدها . 20(20) العقل : هو دفع التعويض المالي في جناية القتل الخطاء وهو ما يسمى بالدية. 21(21) انظر المجموع شرح المهذب ج31/ 84 . 22(22) انظر المجموع شرح المهذب ج 13/102 . 23(23) قرار مجلس هيئة كبار العلماء في المملكة العربية السعودية رقم (51) وتاريخ 4 / 4 / 1397 هـ. 24(24) انظر المجموع شرح المهذب ج31/ 84.