هذا ما يصرح به السارد المتكلّم في رواية باسم خنذقجي "قناع بلون السماء" التي تتناول قضية شائكة، شرطه الفني الأول هو انسحاب الأيديولوجية لصالح الفن، الرواية تتناول صراع الهويتين العربية والإسرائيلية فوق أرض فلسطين، وتختلف عن تلك الروايات التي ناصرت الحق الفلسطيني دون أن تتو ّغل في مجت َمع الآ َخر، وكاتبها أسير فلسطيني يعاني الأسر في سجن جلبوع، وقد سبق لي أن قرأت له رواية بعنوان "مسك الكفاية". على أن وجود الكاتب في سجن المحتل لا يش ّكل قيمة مضافة للرواية، لك ّن الذي يه ّم القارئ هو هذا النص الروائي، وقدرته على الدفاع عن أنبل قضية إنسانية في التاريخ الحديث، فهل أعدّ باسم خندقجي العُدّة الفن ّية ليدخل هذا المحراب المقدّس؟ يقسم الروائي روايته إلى ثلاثة فصول: نور، وسماء: نتعرف في الفصل الأول إلى نور الذي يعيش في مخيم من مخيمات رام الله، ويعمل على كتابة رواية حول مريم المجدلية، ساعياً من خلال تخصصه في علوم الآثار إلى جمع أكبر قدر من المعلومات التاريخية حول الشخصية الرئيسية وزمنها وبيئتها؛ وإذ يشتري معطفاً من أسواق الثياب المستعملة يجد في جيب من جيوبه هوية إسرائيلية لشاب اسمه أور، ليجد نفسه أمام فرصة نادرة لخوض مغامرة الدخول إلى المستوطنات والكيبوتسات مع بعثة أثرية، مستفيداً من سحنته ولون عينيه ولونه الذي يشبه يهود أوروبا "الأشكناز"، غايتها البحث الأثري حول الفيلق الروماني السادس، وهناك يتعرف إلى "أيالا شرعابي" اليهودية، بينما يبدأ الفصل الثالث مع ظهور سماء إسماعيل الفلسطينية الحيفاوية التي تحمل هوية إسرائيلية، وصراع بين أور (نور) وسماء التي ترفض سعيه إلى تهدئتها، بالإضافة إلى صراع داخلي يعانيه البطل بين أصله (نور)، ولكنها بعد ذلك تقبلها حين تتأكد من أنه ابن جلدتها، بينما يؤكد لها في نهاية السرد تمسكه بخيار الهوية الفلسطينية لديه، " يقدّم الكاتب هذه الحكاية في حلة فنية قشيبة، فيلجأ إلى تسجيل مجموعة من البطاقات الصوتية التي يوجهها إلى صديقه الأسير مراد، ولكنها تفيد الكاتب في جعلها مشجباً يعلّق عليه تناقضات شخصية نور وحواراتها؛ لتقوم مقام مجموعة تداعيات طويلة للبطل قد تربك البناء الروائي. إضافة إلى البطاقات الصوتية، ثمة رسائل يرسلها نور إلى صديقه مراد، ومن الإشارات الطريفة حول تلك الرسائل بيا ُن خوف المحت ّل منها، كما يلجأ الكاتب إلى حيلة سردية ليست جديدة، تتجلى في أن يكتب البطل رواية داخل الرواية، أو يتحدّث عن صناعة الرواية داخل السرد؛ إذ يخبرنا السارد نور في مفتتح القسم الأول بأنه سيصنع عالمه الروائي الخاص، وسيكتب رواية يواجه بها الرواية المضادة؛ يبتدعه الروائي من خياله. وقد أفاد الروائي من هذه الحيلة الميتاسرية في البداية، إذ كان يربك القارئ في الانتقالات بين أزمنة الرواية المتداخلة، كما كان يربكه باستخدامه لغة ذهنية تبتعد كثيراً عن الشعرية لصالح الأيديولوجية، وتمتدّ على صفحات تغوص عميقاً في تفاصيل حياة مريم المجدلية وشياطينها السبعة وعلاقتها بالمسيح، )2(ـ البنية الإطارية للسرد: يمكن في الزمن السردي لهذه الرواية أن نجد بنية واضحة المعالم، بخلاف الزمن السردي في رواية الظ ّل التي تتناول حكاية مريم المجدلية، والفرق بينهما أن هناك بيئة زمنية حيوية سلسة تملأ العين والقلب، تمتد مكانياً بين القدس ورام والله والمخيم والمستوطنة والكيبوتس، وفي مفهوم الفضاء الروائي يمكن أن نتتبع مكاناً أليفاً، من مثل غرفة نور ورفوفها الخشبية التي تتراكم فوقها كتب جديدة وأخرى عتيقة، تق ّرب السرد إلى القلب، على الرغم من أن نافذتها تط ّل على غابة، أ ّي إ ّن الروائي يبدو لنا أكثر قدرة على صياغة المكان الأليف، وأكثر قدرة على الالتحام به سردياً، ولتجلية الأمر فإن السلاسة الحيوية، والتصنيف المصطنع يظهران حتى على مستوى وصف الشخصيات، بعينين سوداوين واسعتين، بالمقابل فإ ّن شخصية سماء تبدو على العكس تماماً نابضة بالحيوية في ظهورها الأول، حيث كان أور يتعرف إلى أفراد البعثة، إذ تع ّرف سماء نفسها: "سماء إسماعيل طالبة دراسات عليا في حقل الآثار من حيفا، انبعث عن يساره من فتاة متشحة بحرير شعرها وملابسها السوداء"، وبحيوية (بنت البلاد)، هذا المكان الذي ترجح بين الأليف والمنفّر، يستند إلى دراية واسعة بالمهاد الروائي بصنفيه، وقد أثثه الروائي بما يمتلك من خبرة فنية، صوتياً من خلال التسجيلات وبصرياً من خلال الأشياء التي وزعها عليه بمهارة، فقد أثث باسم خندقجي المدن والمخيمات بشوارعها ومكتباتها، إذ "ليس ثمة معنى لاسم المخيم الفلسطيني إلا عندما ترتكب فيه المجزرة"ص16، على نحو ما فعله حين أفاد من الصندوق في بدابة الرواية وفي ربعها الأخير، أو على قارورة عطر الناردين الفاخر الذي سكبته على يسوع، وقد يحتوي الصندوق أيضاً على ضفائرها التي مسحت بها قدمي يسوع"، عندما لمحته خفق قلبي، فقد جاء الغلاف مع ّبراً عن المحتوى إلى حدّ كبير: ثمة شاب وفتاة يقفان في أسفل يسار الصورة هما نور وسماء، وعلى يمينهما ظلال قضبان ترمز للأرض الأسيرة، بينما تطير ثلاثة بالونات نحو السماء، وأ ّما العنوان (قناع بلون السماء) الذي قيل إنه يرمز إلى الهوية الإسرائيلية الزرقاء التي تسربل بها نور عندما كان مع البعثة الأثرية، وقد حلّق نور وسماء خارج المستوطنة معاً في نهاية الرواية، ما يجعل الازرقاق في رمز الهوية الإسرائيلية الزرقاء غير صالح لاستثماره دلالياً على هذا النحو التفسيري الساذج؛ )3(ـ أور على مذبح نور ال ّشهدي: يشغل نور الشهدي دور السارد البطل، م ّسته الأرض ببوحها الس ّري "عندما عثر في خباياها على قطع فخارية وأختام ومجسمات وعملات دفنت في التراب منذً آلاف السنين"، حتى إ ّن أهل المخ ّيم لقبوه بالأمريكي والأجنبي والسكناجي، وقد عمل على إعالة نفسه وأسرته كادحاً في ورش البناء، فقد "كانت العربية لغة قلبه، وقد بدأ فصامه الشكلي حين وجد في جيب المعطف المستعمل الذي اشتراه بطاقة هوية زرقاء اللون لشاب اسمه أور شابيرا، سعياً إلى البحث عن جذور روايته الحقيقية: "شعرت أ ّن هذه الهوية ذات غواية تدفعني نحو الاتحاد بها وعدم التنازل عنها، كن ُت أشعر بتشبثها بي. بشعري الطويل المج ّعد وعيني الزرقاوين ولغتي العبرية ذات اللكنة الأشكنازية. إذ إن أور شابيرا الأصلي لن يعيش بلا هوية، ودفعه إلى مواجهة أور في عدة مواقف. فعندما رحب به البروفيسور برايان في معهد الآثار طلب منه أن يناديه بـ "بريان" بلا ألقاب، ما دفع أور (نور) إلى أن يقول في نفسه: "هل هما اسمي العبري ونجمة داوود من دفعاك إلى هذا الاحتفاء المرح؟ لو قلت لك الآن إن اسمي هو نور الشهدي هل كنت ستعاملني بالمثل؟"، وفي مكتبة المعهد يترك البروفيسور لأور حرية الحركة، فيتساءل نور المسجون في داخله: "لو أنني نور، كما يبلغ الصراع داخل نفس البطل أشدّه على مستوى المشهد الجنسي، فعندما يرى أور (نور) أيالا بين الفتاتين المثليتين يستفزه العري الثلاثي، وقد تجلى الصراع بين نور الغائب/ بقوة الاحتلال، وأور الحاضر/ بقوة الهوية الزرقاء في عدة مونولوجات حوارية جرت بينهما، من مثل ذلك الحوار الذي جرى عند مدخل الكيبوتس، وقد أفرزت هذه الثنائية التي انتقل نور وأور بين طرفيها حوارات طريفة أسهمت في رفع مستوى الذرى الدرامية. فيكون الحوار التالي: "ـ أتود التطوع؟ همس نور بأذن أور: ـ لا توافق. أجاب أور بريان بكل ثقة: ـ نعم. بكل سرور" ص101ـ 102. ومن ذلك أيضاً الحوار الذي جرى بينهما في أثناء عملهما (موح َدين في جسد واحد) مع البعثة الأثرية، حيث يص ّرح نور باسم القرية العربية، فيعدّل له نظيره أور التسمية التي تصبح في نفس البطل صراعاً على مستوى اللغة: "ـ كيف سنبلغ اللجون؟ ـ بل قل كيف سنبلغ كيبوتس مجدّو. ـ بل اللجون قرية بأكملها مدفونة تحت أقدامكم"، ولعلنا نشير إلى هذا الحوار بين أسامة الكرمي والمحقق الإسرائيلي في رواية "الصبار" لسحر خليفة، وماتالوالد فانتقلت أمي إلى نابلس: ـ ولماذا انتقلت أ ّمك إلى شخيم؟ ـ تُعجبها نابلس. ـولماذاعد َتمندولالبترولإلىشخيم؟ عدت إلى نابلس لأن الوالد مات. وبذلك كان على قدر كلمته التي قالها لأور ذات مونولوج: "ـ أنا أرتديك كما أشاء، )4(ـ مدارات نور الشهدي: دارت في فلك نور الشهدي شخصيات كثيرة، والده مهدي الذي واجه المحتل، أمه البديلة/ والدة صديقه الأسير مراد، وكانتا على اقتراب شديد منه عند توتّر الحكاية هما شخصيتا أيالا شرعابي الإسرائيلية اليهودية وسماء إسماعيل الفلسطينية الحيفاوية. أيالا شرعابي التي تخرجت في كلية الآثار في الجامعة العبرية يقدّم السرد صفاتها الجسدية دفعة واحدة، فهي تحدّث أور/ نور عن نصب تذكاري نال منه الدمار داخل الكيبوتس: أما الدمار الذي أل ّم به فهو بسبب قذيفة أصابته خلال معركة همشمار هعيمق التي وقعت ما بيننا وبين العرب أثناء حرب الاستقلال عام 1948"، كما إنها تضع في عنقها قلادة تستفز نور المختبئ في إهاب أور: "أخذتني تلك القلادة المتمددة فوق مفرق نهديها اللذين كانا ينفجران على أنّه حين حاول (نور) الانضمام إلى مجموعة سماء في التنقيب، واستسلم لرغبة أيالا في لانضمام إلى مجموعتها: "أما نور فقد كان في سرة يسعى لضبط إيقاع قلبه الصاخب أنتم من أحلتم التوراة دليلاً أثرياً سياحياً"، وعلى الرغم من أ ّن أيالا سعت دائماً إلى مواجهة سماء، في أحد حوارات سماء ونور تتقدم أيالا نحوهما، وتقول: "ـ هل ثمة خطب ما؟ ـ لا ي و ج د ه ن ا خ ط ب س و ا ِك . وسط تخبط أور ونور معاً: ـ إنها ليست ترهات، وفي حوار آخر بينهما تتهم أيالا نقيضتها سماء بالحقد: "ـ أيتها الحاقدة كيف تتهمين إسرائيل بممارسة هولوكوست بحقكم! لقد سمعتك وأنت تفترين علينا أمام هؤلاء الأجانب. )5(ـ حول لغة السرد: يمكن للقارئ أن يلاحظ على مدى صفحات الرواية مستويين مختلفين للغة: مستوى أدبي يحتفي بالثقافة وتناصاتها الجمالية، ومستوى ذهني أيديولوجي يربك السرد والقارئ في آن معاً. وصخرتها قلبها النابض بالقداسة ودماء الأرض والسماء معاً"، " •كان الشيخ مرسي يقبض بيده سبحة حباتها من عقيق، " •لم يتنازل في أوقات الاستراحة عن استراق النظر إلى سماء إسماعيل، أنا أنتظر عمراً بأكمله من أجل الخلاص من هذه الهوية، وقد كان حرياً برواية تقتحم هذا الحقل المهم أن تتجنّب الأمرين، بعد الجهد البنائي والفكري الذي بذله الروائي في تأليفها، وما زال حارساً أميناً مع إنني رأيت فيها مادة دسمة للمخيلة الاستمنائية الخاصة بي"، ويدافع عن نفسه في مواجهة عتاب مراد الذي يراه مشغولاً برواية المجدلية على حساب البحوث التاريخية والاقتصادية: "أنا أتج ّرع أكاذيب وأساطير ملعوباً بأسفل سافلها، أترعها ثم ألفظها بمناعتي وحصانتي وعزمي على مواجهة الاغتصاب التاريخي الذي نتعرض له منذ نكبتنا على الأقل". "فما مآلاته؟ كيف انقلبت أحواله وأقداره التي أدت به إلى الاغتراب التام عن يمكن أن نخلص في النهاية إلى أ ّن رواية "قناع بلون السماء" لباسم خندقجي رواية مشغولة بأناة على مستوى البناء، والقدرة على التشويق وبناء الذرى الدرامية من جهة، وقد نجحت في السير بين الخطوط المستحيلة، وربما كان من الأفضل أن يتخلص الروائي من عبء اللغة المثقلة بالمصطلحات التاريخية والأيديولوجية ليزيد روايته