على الأقل تحت ضغط الدعم الشعبي المتصاعد لموقف عبد الناصر، الذي أدى إلى تصاعد الضغط على ع َّمان والریاض. عدّلت ع ّمان والریاض المسار. وأعلن دعمھ الكامل للموقف المصري، بینما دعت الریاض العالم العربي كلھ إلى الاحتشاد خلف دمشق والقاھرة. حیث قال لكبار وأن ولكن قرار الحرب في ید السیاسیین. ھذا ما قالھ بن جوریون لرئیس الأركان رابین في اجتماع معھ في 21 مایو: "یجب أن یتحمل رئیس الوزراء والمجلس مسئولیة اتخاذ قرار الحرب، فھذا لیس أم ًرا یقرره الجیش. فنحن معزولون". كل ھذه الضغوط المتناقضة أثرت بشدة على رابین، المس ّجلین في كشوف الاحتیاط37. كان ھارمان، مدیر الموساد، قد عادا من واشنطن على الطائرة نفسھا. وصل الاثنان إلى منزل إشكول في منتصف لیل السبت، بل قد تدعمھا دبلوماسیًا. أتى ھذا التقدیر بنا ًء على تحلیلاتھما التي قال فیھا إن أمریكا بعد أن كان یفضل الانتظار. أن أمریكا لن تدعم إسرائیل من خلال عمل عسكري مشترك، ولكنھا ربما تقدم أسلحة وما ًلا ودع ًما سیاسی ا بعد أن تندلع الحرب ووفقًا للتطورات، ورجالھ في البنتاجون. یمنحمصروقتًاأطولللتمترسفيسیناءوشّنالضربةالأولى، كان الاجتماع صغی ًرا وض ّم، كل من إیبان ودایان وآمیت ورابین ورئیس المخابرات الحربیة یارییف وآخرین، واضحة، ولم یتم تنغیمھا عملیاتیًا مع خطط الطیران "فھد" أو مع خطط السیطرة القطاعیة على غزة، ولم یكن ھناك تنسیق حقیقي بین السیاسیین والعسكریین )حتى بغض النظر عن أن معظم رجال السیاسة كانوا عسكریین ورجال مخابرات وأمن سابقین(؛ وأغلبھم من جنود الاحتیاط الذین لم یتلقوا تدریبات جیدة ولم تتلق وحداتھم خط ًطا واضحة للتحرك أو القتال. مما أنھك وأظھرت التطورات عدم وجود استراتیجیة عسكریة ثابتة "حیث أن التخطیط لم یتعد ردود الفعل لأعمال ومبادرات ومعلومات خداعیة یقوم بھا العدو ومن یسانده". مث ًلا أمر المشیر عامر یوم 25 مایو بتنفیذ الخطة الجویة "أسد" لعزل منطقة النقب الجنوبي عن باقي إسرائیل اعتبا ًرا من فجر 27 مایو، ولكنھ تراجع بعد ساعتین عقب لقاء طویل مع عبد الناصر. كانت معلومات قویة قد وصلت لإسرائیل عن ھذه الضربة الجویة، الذي أرسل بدوره برقیة عاجلة إلى القاھرة ینقل فیھا انزعاج واشنطن الشدید. عامر أفھماه أن معلومات إسرائیل صحیحة، وأنھ لم یكن یعلم بأمر ھذا الھجوم الجوي38. بل وكان بعضھا خاطئًا، فمث ًلا ادّعي جھاز المخابرات بین خمس وسبع ألویة، لكن ھذا العدد لم یكن صحی ًحا وفقًا لصور عملیات الاستطلاع السوریة التي رآھا الفریق فوزي. ومث ًلا ادّعت المخابرات الحربیة یوم 17 مایو أن الروح المعنویة للشعب الإسرائیلي منخفضة دون تقدیم أي دلیل یدعم ھذا الاستنتاج وعلى عكس كل التقاریر الأخرى المتوفرة وذات المصداقیة بشأن الدعم الشعبي في إسرائیل لتحرك عسكري استباقي. ویخلص رئیس الأركان الفریق فوزي من كل ھذا إلى أن "جمیع المعلومات أو التقدیرات أو تحلیلھا عن العدو أو قوتھ أو مقدرتھ القتالیة أو أسلوب قتالھ وقدرات والنطاق الأقصى الفعّال لطائراتھ كانت خاطئة، الأمر الذي جعل تخطیط العملیات الحربیة التي أقرھا المشیر عامر بنا ًء على معلومات وتقدیرات المخابرات الحربیة خاطئة كذلك"39. ادّعت فیھ أن لدى مصر من المشاة والمدرعات ثلاثة أضعاف ما لدى إسرائیل، وأكثر من 250% مما لدي مصر من طیارین. لفكرت مرتین في قرار الحرب، عندما أبلغ عبد الناصر المشیر عامر وكبار الضباط أن إسرائیل قد تھجم یوم الرابع أو الخامس من یونیو، أمر المشیر بتوزیع تقریر من المخابرات الحربیة على كل القیادات العلیا والوسطى والدنیا، جاء فیھ أن إسرائیل لن تُقدم على أي ھجوم "وأن الصلابة العربیة الراھنة ستجبر العدو بلا شك على تقدیر العواقب المختلفة المترتبة إسرائیل. فرغم أن قائد القوات الجویة الفریق صدقي محمود قدّر الخسائر المتوقعة ج ّراء تلقي الضربة بنحو 15% إلى 20% من الطائرات، "مما قد یؤدي إلى تكسیح قواتنا الجویة"، إلا ناصر أص ّر على تلقي الضربة لا توجیھھا، المتحدة. لم یكن المشیر عامر یأخذ تقدیرات ناصر وتحذیراتھ بجدیة. ومن أمثلة ذلك أنھ قرر مواصلة رحلتھ المقررة إلى سیناء صباح الخامس من یونیو، مما یعني أن قوات الدفاع الجوي كلھا كانت ستكون عاجزة عن القصف طالما كانت طائرتھ في الجو، كما أن رحلتھ كانت تعني أنھ سیجمع 28 من كبار قادة الجیش في رحلتھ إلى سیناء، إما على الطائرة معھ أو في انتظاره على الأرض. وعندما و ّجھ البعض اللوم إلى عامر على إھمالھ تحذیرات عبد الناصر، قال إن "عبد الناصر لیس أما القوات الجویة، فلم تفعل شیئًا یذكر لحمایة طائراتھا ومطاراتھا الرابضة على الأرض، عنب. عنب" ولا أحد یسمع في الساعة الثامنة من صباح الخامس من یونیو أرسلت محطة عجلون للإنذار المبك ّر في الأردن برقیة قصیرة عن توجھ مقاتلات إسرائیلیة نحو مصر. لم تتعامل القیادة العامة في مصر مع ھذه المعلومة المھمة، عنب" التي تعني أن ھناك طائرات إسرائیلیة أقلعت في طریقھا إلى مصر. القصف. بین الساعة 8:15 والساعة 8:30 صبا ًحا، أقلعت طائرتان من قاعدة ألماظة العسكریة في القاھرة، الأولي تق ّل المشیر عامر وقائد القوات الجویة صدقي محمود ورئیس ھیئة العملیات الفریق أنور القاضي وعددًا من كبار ضباطھم في طریقھم إلى بیر تمادة في سیناء، والثانیة تق ّل رئیس وزراء العراق ومعھ نائب رئیس الجمھوریة حسین الشافعي في طریقھا إلى قاعدة أبو صویر الجویة قرب الإسماعیلیة. ورغم ذلك، حیث إن أوامر التقیید لا تسري في حالة الھجوم المباشر والحاجة لصده. كانت الطائرات الإسرائیلیة قد د ّكت بالفعل مطارات سیناء وبدأت ھجماتھا فوق الأجواء المصریة، فعاد الرجل وحاشیتھ إلى مطار القاھرة في حالة اضطراب شدیدة، على جانب آخر، وھكذا، قصفت إسرائیل مطارات سیناء الأربعة ومطارات القناة الثلاثة ومطار المنصورة قبل أن یصل المشیر إلى غرفة عملیاتھ. على رغم أن المخابرات وبحلول الظھر كان قد تم تدمیر كل قواعد مصر الجویة وكل قاذفات مصر الثقیلة والخفیفة و85% من سلاح الجو عمو ًما. ولم ترصد وحدات الاستطلاع والإنذار الجوي في قواعد ومطارات مصر اقتراب الطائرات الإسرائیلیة، معظمھا فرنسیة الصنع، وقبل الظھر، كانت مصر قد خسرت 286 طائرة حربیة، و23 محطة رادار وموقع دفاع جوي43. حرب بدأت وانتھت في 48 ساعة الحدود، ثم تح ّصنت في منطقة أم بسیس على عمق 12 كیلومتر داخل مصر. لم ترد القیادة العامة للقوات المسلحة على الغزو، ظل البلاغ في مكتب العریش ثلاث ساعات، ثم أُرسل بعدھا مع فقرة تحلیلیة تدعو للحذر وتستخلص أن ھذه التحركات ھي تبدیل لقوات الاحتیاطي. وصلت الإشارة إلى مكتب وزیر الحربیة شمس بدران في السابعة، ولكنھا لم تغادره إلى قیادة العملیات، وعلى العموم، كانت نظم الاتصالات والقیادة والتحكم في حالة یرثى لھا، بد ًءا من الساعة 11 صبا ًحا توالت طلبات القوات البریة في سیناء بتوفیر الغطاء الجوي والمساعدة الجویة، الذین كانوا یتحركون بعرباتھم على الطریق نفسھ، ولم یبلغوا حتى قیاداتھم بما یحدث. الأول من رفح والثاني من ناحیة أم القطف. واخترقت القوات على المحور الشمالي بسھولة نسبیة بعد تمھید من نیران المدفعیة وتقدمت حتى العریش التي دخلتھا في الساعة 6:40 مسا ًء. ولم الانسحاب: وصمة عار القیادة ونوط شجاعة الجنود بل كذلك تخبط المؤسسة العسكریة المصریة بدایة من التعبئة السیئة التي قامت بھا للقوات، نھایة بالمأساة التي ستظل نقطة سوداء في تاریخ كل مسئول عنھا، لعشرات الآلاف من الجنود المصریین. وطالبھ بتنفیذ وعود موسكو لوزیر الدفاع شمس بدران بالتدخل عسكریًا إلى جانب مصر، فاستفسر السفیر عما إذا كانت ھناك أي أدلة على تدخل الولایات المتحدة إلى جانب إسرائیل، فرد عامر بالإیجاب ولكنھ لم یستطع تقدیم أي دلیل. لكن الحقیقة أنھ باستثناء بعض الحكایات المرسلة عن دور الأسطول السادس وعن التعاون في توجیھ الطائرات الإسرائیلیة، وكلھا حكایات من مصادر مصریة أو من كتاب ستیفن جرین "الانحیاز"45 الذي یستند إلى مصادر لم یسمھا ولكنھ یقدم معلومات تفصیلیة تستحق البحث، وإن كان من شبھ المؤكد أنھ كان ھناك تبادل لتحلیلات مخابراتیة في الفترة السابقة على الحرب46. یسرد الفریق فوزي كیف اتُخذ ھذا القرار: "طلبني المشیر بعد ظھر 6 یونیو 1967 قائ ًلا: عاوزك تحط لي خطة سریة لانسحاب القوات من سیناء إلى غرب قناة السویس، منھارة. "47 قدم فوزي خطة انسحاب تتم في أربعة أیام وثلاث لیال فرد علیھ المشیر عامر قائ ًلا "4 أیام أنا أعطیت أمر الانسحاب خلاص"، محمر الوجھ". نفّذ القائد الأمر بالنسبة لشخصھ وفرقتھ فقط، دون أن یُخطر قیادتھ العلیا والقوات التي تجاوره، وھذا عمل من الأعمال التي تستوجب محاكمة عسكریة في جمیع القوانین العسكریة، أما قائد الجبھة الفریق عبد المحسن مرتجي، المشیر عامر أو من رئیس الأركان، فلم یخطر، أما قائد الجیش المیداني، الفریق صلاح محسن، فاتصل رأ ًسا بالمشیر یوم 6 یونیو، قائد الفرقة الرابعة المدرعة، وأخبره أن المشیر عامر أصدر أوامره بالانسحاب إلى غرب القناة، ثم تنسحب الفرقة الرابعة بعد ذلك. كانت سیطرة الفریق صلاح محسن على قوات الجیش مفقودة أص ًلا، حتى الصغیرة منھا، وإصداره لأوامر كثیرة وصلت إلى حد نقل َسریة لدعم مكان آخر یحتاج إلى قوات، علاوة على التغییرات ذات الحجم الكبیر في الأعداد، ثم شلل المواصلات الداخلیة بین تشكیلاتھ بل وقطعھا نھائیًا"48. لیكشف مدى تھاوي قیادة المؤسسة العسكریة وانعدام روح المبادرة والنقاش الصریح بین قیاداتھا: 1- في الساعة 11:30 صبا ًحا اقترح قائد الجبھة الفریق مرتجي أن تنسحب القوات من شرق سیناء وحتى خط المضایق؛ 2- في الساعة 4 مسا ًء أصدر المشیر عامر أم ًرا شفویًا بالانسحاب إلى غرب القناة، ولا یوجد أي مستند أو أثر لھذا الأمر، 3- في الساعة 4:30 مسا ًء كلّف المشیر عامر الفریق فوزي بوضع خطة انسحاب )بعد أن كان قد أصدر أمره بالانسحاب بالفعل(؛ 4- في الأربع وعشرین ساعة التالیة ع ّمت حالة من الفوضى والتضارب، 5- بحلول مساء السابع من یونیو كانت معظم القوات قد انسحبت، الجانب المصري. بعد ھذا الیوم العصیب بسنوات، برر وزیر الحربیة شمس بدران الانسحاب في حوار مع وإن المشیر عامر اتصل ساعتئذ بالرئیس عبد الناصر وأبلغھ بتطورات الموقف، ثم أن ناصر طلب من عامر بعد الانسحاب أن تعود الفرقة المدرعة الرابعة إلى شرق القناة حتى خط المضایق49. لا تتسق ھذه الشھادة مع روایات معظم الشھود الآخرین، وأھمھم أمین ھویدي )وزیر الحربیة بعد الھزیمة( والفریق محمد فوزي )رئیس الأركان أثناء الھزیمة(. فمث ًلا یشیر الفریق فوزي إلى حدیث تلیفوني بین المشیر عامر والرئیس عبد الناصر یطلب فیھ الأول رأي الثاني في إمكانیة الصمود في المضایق بد ًلا من الانسحاب إلى غرب القناة، "فلم یتلق ردًا من الرئیس سوى جملة ُم ّرة وھي: یعني كنت أخدت رأیي في الانسحاب الأول، المضایق"50. وفقًا لفھمھم الخاص. وطرق انسحابھم، دون تحدید مكان معین، مرة إلى ھایكستب ومرة إلى دھشور، وكانت كل ھذه الأوامر صادرة من ضباط وضباط صف الشرطة العسكریة التي كانت تتلقاھا من ضباط وأفراد مكاتب المخابرات الحربیة، ووصل الحال إلى أن "51 كل ھذه الفوضى لا تفسیر لھا سوى أن المشیر أصدر قرا ًرا شفویًا غیر محدد وغیر مف ّصل بسحب 120 ألف ضابط وجندي إلى غرب القناة، فسار معظمھم على الأقدام، وھو قراھم ومنازلھم. ھذا ما حدث لأكثر من 100 ألف فرد استمروا في السیر إلى قراھم نحو أسبوع بد ًءا من یوم السابع من یونیو1967، لكن بدون أي أسلحة. في ھذه الأثناء اكتمل انھیار عامر الذي لزم غرفة نومھ في مقر القیادة، عدا ثلاث مرات خرج فیھا لیتحدث إلى الرئیس عبد الناصر والسفارة السوفیتیة ووزارة الخارجیة، وتبین أنھا مستحیلة، للعودة إلى التمسك بالمضایق. إذ أن القوات كانت قد تشرذمت وبدأ بعضھا في عبور القناة غربًا، وكانت النھایة ساخرة و ّمرة، فاتصل الأخیر بالمشیر عامر، بھذه البساطة انتھى دور العسكریة لماذا یضحي الجنود ولكن القائد عجز عن أن یجد سائقین أو وقودًا، ولكن ضابط وفي أثناء تنظیمھ لشئون الدفاع عن بورسعید، التقى نائب رئیس قال لم یكن لدینا كضباط الدافع لبذل أي مجھود، المناصب، إذن فقد انھار الجیش المصري بشكل كامل، بینما ُسمح للجنود بعبور القناة في مراكب مدنیة بعد إلقاء أسلحتھم الشخصیة. وأن خطوط الإمداد كانت یرثى لھا وفي حالة فوضى55. فمث ًلا یحكي نائب مدیر المخابرات الحربیة عبد الفتاح أبو الفضل عن زیارة قام بھا إلى محطة مدینة القنطرة أثناء عملیة التعبئة في أواخر مایو، یقول أبو الفضل: "فوجئت في المحطة بحالة من الفوضى لقوات الاحتیاط یعجز الإنسان عن وصفھا، كان الكل في ملابس مدنیة ومعظمھم بجلالیبھم الریفیة ویحملون بنادقھم، كانوا یتدافعون لشراء طعامھم من الباعة الجائلین بالمحطة في فوضى شاملة، لا یتعدى مظھرھم خفر الریف، حشد ھائل من الشباب والرجال الضائعین نتیجة إھمال واستھتار سلطات القوات المسلحة بآدمیتھم وإنسانیتھم، وسألت نفسي ھل ھذه ھي حالة قواتنا التي سنواجھ بھا إذ أنھ لم یكن یعرف حتى ذلك الوقت أن المشیر عامر أصدر أمر الانسحاب العاجل والسریع. ولذلك فقد كان ما زال یقود حربًا انتھت على الأرض، وھو ما ظھر خلال اجتماعھ مع وزیر الخارجیة الجزائري ھواري بومدین بعد ظھر الیوم نفسھ، حیث أكد لھذا الأخیر أن قوات مصریة ستعید التمركز في خط الدفاع الطبیعي عند الممرات شرق القناة وتوقف تقدم القوات الإسرائیلیة، سائرین إلى قراھم ومدنھم، ففي خ ّضم كل ھذا التخبط والسلبیة كانت ھناك نماذج لجنود وضباط تحلوا بشجاعة فائقة، زاد من عظمتھا أنھا أتت في مناخ لم یكن یكافئ الشجاعة بالضرورة. فمث ًلا أثناء الضربة الجویة تمكن 30 طیار من الإقلاع والاشتباك مع المقاتلات الإسرائیلیة، فاستشھد منھم 12 طیا ًرا، وكذلك لو لم یكن قادة الجیش وعامر ورئیس البلاد قد انھاروا سریعًا وفقدوا السیطرة، لكان من الممكن أن تتمسك القوات المصریة بالمضایق، ولكنھ رغم ذلك لم یكن مستحی ًلا، خاصة وأن الاتحاد السوفیتي كان قد بدأ في لكن كل ھذه التضحیات ذھبت ھبا ًء، كان العدد وھؤلاء تم قیدھم شھداء في 1971، أما الأسرى فقد وصل عددھم إلى 13600 فردًا، ھذا بینما استولت إسرائیل على حوالي 848 مدرعة دون قتال على أرض سیناء58، معظمھا على الأرض دون قتال، ذھل الإسرائیلیون من انسحاب مصر السریع، إذ كان یمكن للقوات المصریة مواصلة القتال البري في سیناء لی ًلا عندما تعجز الطائرات الإسرائیلیة عن قصفھا بسھولة. لكن القاھرة قررت الانسحاب، حتى دون أن تمنح الدبلوماسیة الدولیة فرصة لطلب وقف إطلاق نار في نھایة یوم الخامس من یونیو أو خلال الیوم الذي یلیھ. حیث رفض المبعوث المصري في نیویورك السفیر محمد عوض القوني أن یتم فرض وقف لإطلاق النار، فساعد بذلك نظیره الإسرائیلي الذي كانت أوامره من القدس ھي التسویف والمماطلة لمنح الجیش الإسرائیلي وقتًا لإنھاء خططھ في سیناء. كان ھدف الھجوم الإسرائیلي ھو قصم ظھر العسكریة المصریة وإذلالھا، تحقق الجزء العسكري من الھدف في الیوم الأول، وتأكد نجاحھ في الیوم الثاني مع قرار المشیر عامر المأساوي بالانسحاب والتنفیذ فائق الاضطراب لھ، وبعدھا التفتت إسرائیل إلى حلمھا القومي/ الدیني وجائزتھا المنشودة، فاستولت على القدس والضفة الغربیة، الذي بدأ كل الحرب من وجھة نظر البعض، وھكذا، التاسع من یونیو، صار مناسبًا لإسرائیل أن تقبل وقف إطلاق النار، فصدر قرار مجلس الأمن بإیقاف النار دون النص على عودة القوات المتحاربة بل كان من اختیارھم وصنعھم، بفعل نظام سیاسي قائم على الثقة وأمن الحاكم وجماعتھ، نظام یفتقر إلى آلیات للمحاسبة والمساءلة، لا الوھمیة، لقد ُھزمت قیادة مصر ونظامھا بیدھا قبل أن تھزمھا إسرائیل. وقبل أن تترسخ ھذه الخسائر التاریخیة، فالمقارنة بین خسائر العرب وخسائر إسرائیل في الحرب أكثر من موجعة. كانت أرواح الجنود والضباط ھي أقسى الخسائر. أما إسرائیل فقد اعترفت بمقتل نحو 800 جندي وإصابة 2563 آخرین. معظمھم من المصریین، ومن جانبھ، قدّر الفریق محمد فوزي عدد الأسرى المصریین بنحو 13600 أسی ًرا. لكن المؤرخ والدبلوماسي الإسرائیلي السابق مایكل أورین، مستندًا على إحصاءات الحكومة الإسرائیلیة، وكان عدد الأسرى الإسرائیلیین خمسة عشر فقط. معظمھم مصریون. فقد فقدت مصر 85% من كل عتادھا تقریبًا، أما الأردن فخسر 179 دبابة و53 مدرعة و1062 مدفعًا و1366 عربة. وخسرت 18 طیا ًرا. ثلاث مرات ونصف. وبعد أن كانت المدن الإسرائیلیة في مرمى النیران العربیة، صارت دمشق وعمـّان والقاھرة كلھا على مسافة لا تزید عن مئة كیلومتر من الصواریخ والمدافع الإسرائیلیة. بنصف احتیاجاتھا من البترول. وھبطت احتیاطیات مصر من النقد الأجنبي إلى مئة ملیون دولار فقط، 5 ملیار دولار. توقفت ھجرة الیھود من إسرائیل. كذلك تدفقت على إسرائیل التبرعات المالیة والعینیة، وحدود الصراع حتى الیوم. فقد نقلت ھزیمة 1967 الصراع من طموح عربي للقضاء على دولة إسرائیل وتأسیس دولة فلسطینیة، إلى صیغة "الأرض مقابل السلام" التي ظھرت بوضوح للمرة الأولي في قرار مجلس الأمن 242. وصار من "حق" إسرائیل في عالم السیاسة الواقعیة، بعد أن انتصرت واحتلت كل ھذه الأراضي، أن تتضمن أي صیغة للتسویة بقائھا كدولة داخل حدود "آمنة" في مقابل إعادة الأرض، وكان أكبر الخاسرین ھو الشعب الفلسطیني، إذ صارت دول المواجھة العربیة معنیة أكثر -بغض النظر عن تصریحاتھا وخطب قادتھا السیاسیة- بعودة أراضیھا ھي ذاتھا، أو، وخصو ًصا في حالة سوریا، وبینما عملت دمشق على ألا تنطلق رصاصة واحدة عبر حدودھا نحو إسرائیل أو حتى نحو مرتفعات الجولان السوریة المحتلة، انتصرت إسرائیل عسكریًا وضمنت لعقود قادمة بقاء الدولة الیھودیة، لكنھا باحتلال قطاع غزة والضفة الغربیة ح ّولت نفسھا من دولة تنازع دول الجوار على شرعیة قیامھا وحقوق السكان الأصلیین الذین ُھ ّجروا أو نزحوا أو باتوا یعیشون مواطنین من الدرجة الثانیة في ظل الدولة الجدیدة، إلى دولة احتلال فعلي )من وجھة نظر القانون الدولي( تسیطر على عدة ملایین من الفلسطینیین الذین لا تریدھم ولكن ترید الأرض التي یعیشون علیھا. صارت إسرائیل الجدیدة ربما أكثر أمنًا بسیطرتھا على 70 ألف كیلومتر مربع إضافیة، مجاورة، تمارس سیاسات التمییز والقمع والفصل العنصري ضد الفلسطینیین الخاضعین لسلطتھا وترفض إعادة الحقوق السلیبة لمن اضطروا للنزوح، إلى بقیة المملكة الھاشمیة شرق نھر الأردن )یصر الإسرائیلیون على أن العدد كان 175 ألف فقط(،