## قنوات وصهاريج المياه في الإمبراطورية البيزنطية من القرن الرابع وحتى نهاية القرن السادس الميلادي **المقدمة:** الماء سر الحياة وأساس كل نشاط إنساني، لذا كان البشر يؤدون معظم أنشطتهم الحياتية واليومية بالقرب من موارد المياه. تلعب الأنهار دورًا هامًا كمحطات للتجمعات البشرية نظرا لكونها موردا هاما لإمدادات المياه. لكن بسبب تأثر المياه السطحية بكم وكيف هطول الأمطار الموسمية، اتجه الإنسان لاستكشاف المياه الجوفية مثل الينابيع والعيون والآبار، والتي تم استخدامها كإمدادات مباشرة للمياه. ابتكرت الشعوب القديمة أعمالا هيدروليكية رائعة مثل الأنفاق والقنوات، والتي ساعدت على تزويد المدن بالمياه. تميزت الفترة الرومانية بروعة الابتكار البنائي للقنوات المائية، وكانت الينابيع تعد أكثر مصادر المياه شيوعا لتلك القنوات. مثلت الصهاريج مصدرًا حيويًا من مصادر المياه في أنظمة الري الرومانية والتي تم تطويرها من خلال بناء السدود. في الحقبة البيزنطية، تم التخلي عن بناء القنوات نسبيا، والاستعاضة عنها بإنشاء العديد من الصهاريج وخزانات المياه من أجل تجميع مياه الأمطار. **تغذية الصهاريج:** لم تقتصر تغذية الصهاريج على مياه الأمطار فحسب، بل تنوعت وتعددت مصادر تغذيتها بالمياه، إما عن طريق القنوات المائية أو عن طريق الصهاريج الأكبر. كانت هذه الصهاريج إما صهاريج مفتوحة (هوائية)، وغالبا ما كان يتم شقها عبر الجبال، والتي كانت تمتلئ بمياه الأمطار، أو صهاريج مغطاة مدفونة تحت الأرض، وتعتمد في إمداداتها من المياه على القنوات والصهاريج الأكبر حجما. **التطور التاريخي للقنوات والصهاريج:** تتبع الدراسة التطور التاريخي للقنوات والصهاريج في الإمبراطورية البيزنطية إبان القرن الرابع حتى نهاية القرن السادس الميلادي. وإرتكزت الدراسة على محورين رئيسيين هما، القنوات المائية، والصهاريج المجمعة للمياه. **أولا: القنوات:** حينما شرع في بناء قنوات المدينة، كانت تستدعى اعتبارات ثلاثة لها تأثير مهم على بناء تلك القنوات: الحاجة إلى منحدر منتظم، والالتزام بعبور الوديان في بعض الأحيان، والحاجة إلى برج مياه يشيد على أعلى مستوى من خلال أنابيب الطين أو قنوات البناء ذات التدفق السطحي المفتوح، وذلك لتوصيل المياه في المدينة. وقد صعب فهم إدارة توزيع المياه في المدن من خلال هذا المزيج من أبراج المياه وخطوط الأنابيب وكيفية الاتصال بين قنوات المياه خارج المدن وخطوط الأنابيب والقنوات داخل المدن. أكدت بقايا البنية التحتية المائية في القسطنطينية هذا النظام المعقد لإدارة وتوزيع المياه في المدينة إبان الفترات السابقة. وأوضحت تلك البقايا أن نظام القنوات والجسور والأنفاق المصمم لنقل المياه عبر الوديان والحقول هو محور الاستثمار في البنية التحتية، ثم تطور الوضع بعد ذلك، فتم إنشاء صهاريج لتخزين وتوزيع المياه طيلة العصر البيزنطي. **قناة هادريان:** قبل تأسيس مدينة القسطنطينية، كانت بيزنطة تتغذى بالمياه من خلال القناة التي تم تشييدها في عهد الإمبراطور الروماني "هادريان" (۱۱۷ - ۱۳م)، والتي حملت اسمه "قناة هادريان". كان منسوب القناة يرتفع فوق مستوى سطح البحر بثلاثين مترا، وقد تم تزويدها بالمياه عن طريق نبع يقع في غابة بلغراد. وبالرغم من عدم العثور على أية آثار يستدل بها على خط هادريان، إلا أنه استمر في أداء دور هام وحيوي للمدينة القسطنطينية. وقد تم استخدام ذلك الخط من منتصف القرن الخامس الميلادي، لتغذية الحمامات العامة وحمامات المياه الساخنة والباردة، وكذلك لتغذية القصر الإمبراطوري. ويُستمر استخدام ذلك الخط إلى القرن السادس الميلادي، حين ارتبط خط هادريان ببناء صهريج البازيليك. **قناة قسطنطين الأول:** عانت مدينة القسطنطينية منذ نشأتها من مشاكل حادة في إمدادات المياه، ولعل ذلك السبب هو ما حدا بالإمبراطور قسطنطين الأول عام ۳۳۰ م أن يشيد خط مياه امتد من جبال ستراندزها Strandzha إلى القسطنطينية بطول وصل إلى ٢٤٢ كم تقريبا. وعلى ما يبدو أن هذا الخط تم مده بين تلال الكتلة الصخرية بشق قلب الجبل لحفر تلك الأنابيب. **قناة ثيودوسيوس:** قام الإمبراطور ثيودوسيوس الأول (۳۷۹ - ۳۹۵م) بتعديل وتحسين هذا الخط، كما قام بتطويره. وبسبب تلك التطويرات الهامة عرف الخط لاحقا باسم "قناة ثيودوسيوس" لما بذله من جهود لتطويره. أصدر كل من الإمبراطور ثيودوسيوس وفالنتينيان في الثامن عشر من يناير عام ٣٨٤م مرسوما يشكل ترميم وصيانة قناة ثيودوسيوس، جاء في فحواه: " يجب على جميع الرجال أن يساهموا بحماس شديد ويحثوا على إعادة ترميم الميناء والقناة، ولا يجوز إعفاء أي شخص من هذا الواجب المشترك". **إصلاح قناة ثيودوسيوس:** قام الإمبراطور جستنيان الثاني (٥٦٥ - ٥٧٨م) بإصلاح تلك القناة عام ٥٧٦/٥٧٥م، مما كان له بالغ الأثر في تزويد مدينة القسطنطينية بالمياه الوفيرة. **قنوات أنطاكية:** برز الاهتمام الشديد بشق القنوات في مدينة أنطاكية منذ عهد الرومان. قام الإمبراطور تراجان (۹۸) - (۱۱۷م) في عام ١١٥م ببناء قناة حملت اسمه "قناة تراجان"، والتي كانت معتمدة في تغذيتها المائية على ينابيع دافنى. قام على تحويل المياه المتدفقة من تلك الينابيع إلى الوديان المعروفة باسم "أجرياي Agriai" ثم تحويلها إلى أنطاكية. لا شك أن ينابيع دافني قد أسهمت بشكل كبير وبصورة يسيرة في الإمدادات المائية لميدنة أنطاكية، فلم تكن هناك حاجة ماسة لحفر آية أنفاق عبر التلال لتمرير قنوات تساهم في الاستفادة من بعض الينابيع التي تقع خارج أنطاكية أو التي تستفيد من مياه الأمطار. **قناة هادريان في أنطاكية:** قام الإمبراطور هادريان ببناء قناة مائية في أنطاكية عام ۱۱۷م، أطلق عليها اسمه. انطلقت هذه القناة من ينابيع دافني (۳۰) عبر سد أقيم به حواجز حديدية عرفت باسم بوابة السد. قام الإمبراطور هادريان أيضا بتوجيه بعض الينابيع التي كانت تصب في إجرياي، والمعروفة باسم نبع "بالاس Pallas" لإنشاء قناة في دافني توفر احتياجات السكان من المياه. **قنوات جستنيان:** لم تكن القنوات التي أشادها الإمبراطور جستنيان قاصرة على أعمال الري والشرب، وذلك من خلال الإستفادة من مصادر الينابيع فحسب، بل نجد لها مردودا عسكريا أيضا. قام باستغلال مياه نهر العاصي في عمل قناة صناعية عملت على تغيير مجرى النهر ليلتف حول أسوار مدينة أنطاكية الداخلية، بعد أن كان النهر يلتف في مسار غير مباشر حولها. هدف ذلك لقطع الفرصة على أي عدو خارجي في إمكانية السيطرة على أنطاكية بإطالة أمد الحصار لتوافر المياه أمام العدو أو تعطيش المدينة بقطع القنوات المتصلة بالنهر، فكان للقناة المائية مردود عسكرى بتخطيط عبقرى. قام جستنيان باستغلال مياه الأمطار للإفادة منها في تزويد المدينة - من خلال القنوات الرومانية السابقة - بالمياه. وجد بمدينة أنطاكية جبلان شديدا الإنحدار يقفان على مقربة من بعضهما، أحدهما يدعى "أوروكاسياس Orocassias" ، بينما سمي الآخر "ستورس Stouris" بينهما واد كان ينجم عنهما وقت هطول الأمطار سيل يسمى "أونو بنيكتس Onopnictes". قام جستنيان ببناء سد يسمى " بالبوابة الحديدية"، أمام ذلك الجزء من الجدار الأقرب للوادي، والذي يندفع السيل منه نحو الجدار ويمتد من الجزء المجوف من الوادى إلى الجبال على كلا الجانبين، والتي تم تكييفها وتثبيتها لتجميع مياه الأمطار وصد السيل عن الإندفاع عبره. كان هذا السد في الأصل هو جسر الينابيع في دافني. تم نقل القناة الرومانية المبكرة (هادريان) إلى فوق هذا السد، والذي حدث له تصدع جزئي في وقت ما بسبب قوة المياه التي تجمعت خلفه. قام مهندسو جستنيان بإقامة بوابات لتنظيم تدفق مياه الأمطار والسيول عبر قناة تم توصيلها بقناة هادريان ليتم الاستفادة المائية منها داخل المدينة. **قناة دارا:** في مدينة دارا، كانت إشكالية معضلة تمثلت في إدارة الاستفادة من تدفقات نهر كورديس Cordis، القريب من المدينة. لم يكن النهر يتدفق بصورة كاملة بسبب وعورة التضاريس. حتمت الضرورة إقامة قناة في عهد جستنيان تجلب مياه النهر نحو المدينة، فتصل إلى أسوارها لتنتهي بحواجز حديدية بعضها أفقي والبعض الآخر رأسي، وبذلك الأمر أمكن السيطرة والتحكم في التدفقات المائية لنهر كورديس، وتوجيهها نحو المدينة لتمتلى صهاريجها بالمياه. **قناة فالنز:** قام الإمبراطور فالنز ( ٣٦٤-٣٧٨ م ) في عام ۳۷۳م ببناء قناة أطلق عليها اسمه، والتي تعرف حاليا بالتركية باسم "بوز دوغان كيميري Bozdoğan Kemeri". وقع خط تلك القناة في شارع ميس والذي يعد الشارع الرئيسي لمدينة القسطنطينية، ويقع بالقرب من صهريج أتيوس الذي يقوم بتغذية صهريج موكيوس. استخدم الإمبراطور فالنز أحجار أسوار خلقدونية في بناء القناة. أسند الإمبراطور مهمة الإشراف على عملية بناء القناة لكليرشوس Cleorchus حاكم مدينة القسطنطينية، فتم تكريس موارد الدولة لإتمام عملية البناء، للإستفادة من القناة في تزويد وتغذية المدينة بالمياه التي توفر الشرب للسكان إلى جانب أعمال الري، وكذا توصيلها للحمامات العامة. أشارت الدراسات الأولية إلى طول قناة فالنز الذي بلغ ۲۹۲ كم، بيد أن الدراسات الحديثة بينت عدم دقة الرقم، وأحصت مسافة أكبر. في المرحلة الأولى لبناء القناة جمعت مياهها من مصادر تبعد عن المدينة مسافة ٦٥ كم، حيث تم الاستفادة من الينابيع الوفيرة في داناماندیرا Danamandira. وفي المرحلة الثانية جلبت المياه من مصادر تبعد مسافة ۱۲۰ كم عن المدينة، حيث تم تمديد فرعين للقناة في نهايتها عند دانا مانديرا نحو ينابيع فيز Vize. **إصلاح قناة فالنز:** أصاب قناة فالنز زلزال عام ٤٤٧م، أضر بها جزئيا، وصارت سيئة الإستخدام بسبب عدم تعهدها بالترميم والإصلاح الجيدين. حرص الأباطرة في القرن الخامس الميلادي على توجيه الإنفاق العام على الأشغال العمومية والمرافق الضرورية، وبصفة خاصة الإمبراطور مارقيان Marcian، والذي أصدر مرسوما عام ٤٥١م بتوجيه كل موارد الدولة لتوفير الأموال اللازمة لإصلاح تلك القناة. **نهر كورديس:** توصل المهندس "كريسيس Chryses" إلى حل نتيجة رؤية منامية أو نتاج تدبر وتفكير قاده إلى الحل. أمر مجموعة من عمال البناء بحفر خندق دائري كبير داخل سور المدينة يصل عمقه إلى خمسة عشر قدمًا. لو حدثت الفيضانات تتدفق المياه من النهر نحو ذلك الخندق. كما قام ببناء سد كبير عبر الوادى الذي تجرى فيه الممرات النهرية بين الجبلين. **نهر سكيرتوس:** تعرضت مدينة الرها Edessa أيضا لذات الإشكالية التي تعرضت لها مدينة دارا بسبب الفيضانات المائية. كان نهر سكيرتوس Scirtus، والذي يغذى الرها مائيًا من خلال قناة تم بناؤها في العصر الروماني، كانت تمر عبر أسوار المدينة. قام جستنيان بترميم مبانى المدينة التي أتلفتها الفيضانات. ثم أعقب ذلك ببناء قناة جديدة لنهر سكيرتس خارج أسوار مدينة الرها، وجه بناؤها بطريقة عبقرية. **نهر دراكو:** عالج جستنيان الأضرار الناجمة عن فيضانات نهر "دراكو Draco". كان النهر يسير في منحنيات ملتوية، وغالبا ما ينشق إلى اتجاهين متضادين، فتجرى مياهه في مسار متعرج. **قناة بيثينية:** أسهم جستنيان في بناء قناة مائية في مدينة بيثينية، مستغلا مياه الينابيع البعيدة عن المدينة لتغذيتها. **قناة نيقية:** قام الإمبراطور جستنيان أيضا بترميم قناة نيقية Nicsea (ببيتينية) بعد أن أصابها العطب. **قناة كورش:** حدا الهاجس الأمني بجستنيان لإنشاء قناة مائية في مدينة كورش Cyrrhus. تواجدت بها حامية عسكرية تقوم بحماية الحجاج القاصدين قبري القديسين كوزماس St Cosmos و داميان St. Damian من هجمات البرابرة. كان سكان كروش يعانون نقصا مائيًا في الجزء الداخلي من المدينة، بينما يتواجد خارج أسوارها ينبوع عذب يتسم بوفرة مياهه. **قناة أفاميا:** اتضح الاهتمام بإمداد وتزويد مدينة أفاميا Apamea بالمياه سواء في العصر الروماني أو البيزنطي. في القرن الثالث الميلادى، تم إستغلال نهر العاصي لعمل قناة مائية بلغ طولها ۲۰ كم. **قناة هيرابوليس:** كان نقص مياه الينابيع في مدينة هيرابوليس Hierapolies، هو الدافع المحث للإمبراطور أناستاسيوس (٤١٩ - ٥١٨ م ) لبناء قناة مائية لها. **قناة قسطنطينة:** قام الإمبراطور جستنيان ببناء قناة مائية في مدينة قسطنطينة Constantina، حيث عاني سكانها من النقص الماني وصعوبة الحصول عليه. **قناة الإسكندرية:** قام جستنيان عام ٥٢٨م بإعادة ترميم وبناء قناة الإسكندرية الكبرى. **قناة هيراكليا:** حازت مدينة هيراكليا Heraclea قدرًا غير قليل من عناية الأباطرة في تجديد قنواتها المائية وبخاصة في القرنين الخامس والسادس الميلاديين. كانت تلك المدينة تحتوى على بعض من القنوات المائية المشيدة. **قناة جستنيانا بريما:** قام جستنيان بإقامة قناة مائية في مدينة جستنيانا بريما Justiniana Prima. **قناة بطليميس:** تسبب النقص المائي في مدينة بطليميس Ptolemais في اتخاذ جستنيان قرارًا ببناء قناة مائية بتلك المدينة. **الخاتمة:** تُظهر الدراسة أهمية المياه في الإمبراطورية البيزنطية واهتمام الأباطرة بتوفير إمدادات المياه للمدن. تُبين الدراسة أيضًا تطوّر أنظمة الري من خلال استخدام القنوات والصهاريج، وتُسلط الضوء على التحديات التي واجهتها المدن بسبب نقص المياه أو الفيضانات، وكيف استطاع الأباطرة التغلب عليها من خلال بناء القنوات والصهاريج وترميمها. تُلقي الدراسة الضوء على أهمية البنية التحتية في إدارة موارد المياه في العصور القديمة، وكيف أدى ذلك إلى الحفاظ على استقرار المدن ونموها.