ولقد جاءت هذه النظرة المتكاملة المتوازنة للمجتمع ولتحريك الدورة الاقتصادية فيه بشكل متزن لتنعش الطبقات كلها، ولتجعل الدورة الاقتصادية نشطة باستمرار في حركة ديناميكية تُطوِّف على المجتمع بأطيافه جميعها، ومن إحدى تجليات اهتمام الإسلام بالاقتصاد والإنسان والأخلاق استحبابه القرض الحسن؛ والذي يعني الإقراض بدون فوائد أو قيمة مضافة حسب قوانين وقواعد الصيرفة الإسلامية . وهذه الدورة الاقتصادية ودولاب التداول الذي أمر به القرآن الكريم كي لا يكون المال محتكرا في أوساط الموسرين والأغنياء فقط؛ فمن ناحية نجد أن تحريك رؤوس الأموال لثرواتهم يحول دون تكدس هذه الأموال ونشوء ظواهر الركود والترهل الاقتصادي والتضخم والكساد وغيرها من المشاكل الاقتصادية الخطيرة، ويذوب الفوارق المجتمعية والطبقية، ويمتص دوافع الاحتقان والضغن التي غالبا ما تتولد في المجتمعات جراء اتساع الهوة بين طبقاتها. وقد عالج الإسلام هذه المشكلة علاجا حكيما؛ ثم نهى عن احتكار تداول المال بين الموسرين والأغنياء من أفراد المجتمع وإن كان هذا التداول في إطار التعاملات المشروعة؛ ذلك لأنه يؤدي إلى تباعد الهوة بين طبقات المجتمع، ثم حض على الإنفاق وبذل المال بشكل عام في أوجه الخير كلها؛ وأبرز مظاهر اهتمام الإسلام بتحريك دولاب الاقتصاد تتجلى في تحبيذه القرض الحسن وحضه عليه عبر خطة محكمة تصون حقوق الفقراء والأغنياء معا وذلك على النحو التالي: أولا: ترغيب الموسرين في بذل أموالهم للمستدينين وتنبيههم على الأجر العظيم الذي سيجنونه من ذلك، بل يذهب الإسلام أبعد من ذلك حين يفضل الدين على الصدقة؛ فعن أنس رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " رأيت ليلة أسري بي على باب الجنة مكتوباً الصدقة بعشر أمثالها، [أخرجه: ابن ماجه والبيهقي]، ثانيا: التنبيه على ضرورة احترام أجل الدين وأدائه فور حلوله، بل إن النبي صلى الله عليه وسلم يحذر من مجرد التفكير في المماطلة في أداء الدين وينوه بأن ذلك سببا كافيا لنزع إعانة الله للعبد في أداء دينه؛ فالقانون الإسلامي يعطي المهلة للمدين المعسر حتى يوسر مادام لا يألو جهدا في سداد ما عليه من الدين، كما أنه يندب لصاحب الدين أن يتصدق بدينه - كله أو بعضه - إن تطوع بهذا الخير، ليؤدي دينه وييسر حياته. وهكذا نجد أن التصور الاقتصادي الإسلامي للحياة يقوم أولاً على تيسير العمل والرزق لكل قادر، وعلى حسن توزيع الثروة بين أفراد المجتمع؛ بإقامة هذا التوزيع على الحق والعدل بين الجهد والجزاء. هكذا ينشئ الإسلام مجتمعا نبيلا راقيا يراعي قيم التكافل والتعاون، وليت هذا العالم المادي الضنين يُعمل هذه التعاليم ليقيم حضارة مادية وأخلاقية تنتشل البشرية من أوبئة الهم الذي تصطخب فيه، وتوثق الوشائج الإنسانية بين بني البشر من المعدمين والموسرين.