فالإنسان كائن يخضع من جهة لعالم الضرورة، وهو عالم القوانين والإكراهات، كائن يستطيع التعالي على عالم الضرورة بوعيه وعمله، مفهوم إشكالي يطرح أسئلة أساسية تتعلق بهويته وقيمته وعلاقتهما بجسده. فالسؤال المطروح علينا يعالج مشكلة ما إذا كانت هوية الشخص وقيمته تنحصران في وحدته الجسدية، أم إنها تتجاوز مفهوم الجسد لتنفتح على محددات أخرى. فهل يمكن حصر الهوية الشخصية في وحدة الجسد؟ ألا يمكن الحديث عن هوية خارج الهوية الجسدية؟ تحليل: في بداية تحليلنا للمشكلة المطروحة في السؤال، لابد من تحليل المفاهيم والألفاظ المتضمنة فيه. مع إمكانية التفكير في إمكانية ثالثة تركيبية تجمع بين الإمكانيتين، أما الهوية فتعني، من جهة ما يجعل الشخص هو هو، يحافظ على استمرارية أناه في الزمن، فهي وحدة اختلاف، وتعني القيمة، اعتبار الشخص غاية في ذاته، فالقيمة في السؤال تأخذ بعداً أخلاقيا يرتبط بكيفية التعامل مع الذات والغير؛ الأساس المادي والعضوي الذي تقوم عليه الهوية الشخصية. فالشخص له هوية جسدية، يشعر بوحدتها وتماسكها في إدراكه لذاته وللعالم؛ وفي مقدمة هذه الهوية الجسدية نجد التجربة الحسية الجسدية عند استعمال الحواس، أو عندما يتعلق الأمر بتلبية حاجات جسدية. مناقشة: يمكن الوقوف عند أطروحة مفترضة في السؤال، والتي ترى أن هوية الشخص وقيمته تنحصران في هويته الجسدية – إن السؤال عن الأنا وإدراكها لهويتها الخاصة، والذي اعتمد مقاربة ميتافيزيقية في تفسير الأساس أو المبدإ الذي يحافظ على وحدة الهوية الشخصية، إنه الشعور أو الوعي الذي يكون للشخص انطلاقا من تجربة جسده، واستمرار الهوية هو استمرار للجسد، رغم تغيراته، في الزمان والمكان. فما يظل ثابتا وجوهريا في الشخص هو إرادة الجسد باعتبارها إرادة للحياة؛ فإن القيمة الأخلاقية تفترض احترام الكائن في أبعاده الفكرية والجسدية، فالكرامة مع كانط، على سبيل المثال، ويعتبر الحق في الحياة حقا أساسيا من حقوق الإنسان الذي يصون كرامة الجسد وحقه في الحياة. لكن هل يمكن حصر الهوية والقيمة في هذا البعد الجسدي؟ ألا تعتبر الهوية تجاوزا للجسد باعتبارها ضرورة؟ تركيب: لقد ركزت الفلسفات المعاصرة، خاصة الوجودية والشخصانية، على إمكانية تجاوز الإنسان للماهية المغلقة والمطلقة. "فسارتر" على سبيل المثال، فالشخص يحيى في المستقبل بواسطة الوعي والمسؤولية والالتزام، وإذا كان الجسد ضرورة، فالوعي بإمكانياته هو الذي يجعل من الشخص كائنا حرا،