قد حذف الفن من مقومات الدولة كما تصورها وأظنه قد قصر مفهوم الفن في سياق حديثه على الشعر والتصوير وكان مبرر الحذف عنده هو أن الشاعر أو المصور إنما يقدم لنا تصويرا لشيء ما، فإن الشيء نفسه أقرب إلى الصدق من صورته المرسومة له في كلمات الشاعر أو في خطوط المصور وألوانه، فما حاجتنا إذن إلى ذلك التصوير ما دام الشيء المصور قائما بين أيدينا وأمام أبصارنا؟ أيهما أولى بالنظر شجرة الورد في بستانها، أم تصوير لتلك الشجرة بقلم الشاعر أو بريشة الرسام؟ على أن أفلاطون لم يكن ليرضى للإنسان أن يلتمس المعرفة الصحيحة في الأشياء نفسها، بحيث يخلقها الخالق مرة أخرى إذا شاء، كما خلقها أول مرة ومعنى هذا الذي قلناه هو أن تصوير الشيء المعين في دنيا الفن يبعد بنا عن الحق خطوتين؛ فهو أولا أقل صدقا من الشيء نفسه، ثم هذا الشيء نفسه ثانيا أقل صدقا من النموذج العقلي الذي قد خلق على غراره وعلى هذا الأساس أوصى أفلاطون بألا يكون في الدولة المثلى التي تنشد العلم الصحيح بالكائنات، التي من أهمها ذلك التناسب المحكم بين الأصوات، لظنه بأن هذين الفنين إنما يصوران الأشياء كما هي؛ وهلم جرا لكن ماذا كان أفلاطون ليقول لو أنه عاش بيننا اليوم؛ حيث الشعر إيحاء والتصوير تجريد؟ ألم يكن ليرى أن ما يبقى منهما في نفس المتلقي، هو نفسه الذي يبقى من الموسيقى؟ أعني إدراك ما بين الأجزاء من تناسب محكم، وهي ضرورة أن ندخل في تعليمنا لأبنائنا مقررات أساسية تفي بالتذوق الفني، على تعدد أنواع الفن واختلافها إنني أرى العلاقة وثيقة بين الهرجلة التي تشيع في حياتنا وأقصد حياة العربي في أي قطر من أقطار الوطن الكبير أقول إني أرى العلاقة وثيقة بين الفوضى التي تفتت قوانا وتفكك أوصالنا، وبين حرماننا من نشأة يكون التذوق الفني مقوما من أهم مقوماتها؛ إذ يكاد يستحيل في ظني أن ينشأ ناشئ على إدراك ما في القطعة الفنية كائنا ما كان منها من تعاون بين أجزائها يوحدها ويحفظ النسب الصحيحة بينها، ثم يجنح بعد ذلك إلى الفوضى؛ فما الفوضى إلا امتناع الكيان الموحد، واضطراب النسب بين الأجزاء ثم أضيف ثمرة أخرى، نجنيها من أبنائها إذا ما أكسبوا القدرة على تذوق الفنون، فليس إحياء التراث هو أن نقيم له هيكلا ثم نجلس في ظله لنستريح، بل هو أن تشرب روح ذلك التراث تشربا يسري به في الشرايين كيف؟ بأن يتذوق الأبناء فنون الآباء؛ بمعنى أن يدخل في جلد الشاعر،