قَدَرُ اللهِ مَاضٍ عَلَى كُلِّ أَحَدٍ، وَابْتِلَاءَاتُهُ يُقَدِّرُهَا عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ، فَالمُؤْمِنُ الحَقُّ يَلْزَمُهُ الصَّبْرُ وَالاحْتِسَابُ، وَحَمْدُ اللهِ يَقِينٌ وَاجِبٌ عَلَى كُلِّ مَا قَدَّرَ وَقَضَى، وَلَيْسَ أَعْظَمَ بَعْدَ فَقْدِ الأَبِ إِلَّا فَقْدُ الأُمِّ؛ إِنَّ فَقْدَ الأَبَوَيْنِ أَوْ أَحَدِهِمَا يُفْقِدُكَ بَرَكَةَ الدُّعَاءِ وَدِفْءَ الوِصَالِ، وَمُنْذُ رَحِيلِهَا وَأَنَا فِي حَيْرَةٍ مِنْ أَمْرِي . حَيْرَةٌ فِي فَقْدِ البَلْسَمِ الشَّافِي، فَمَا أَعْظَمَ فَقْدَ الأُمِّ وَأَصْعَبَ وَقْعَهُ، فَهِيَ النَّهْرُ المُمْتَدُّ بِالحُبِّ وَالعَطَاءِ، الشَّيْخَ الكَرِيمَ الرَّفِيعَ قَدْراً وَمَكَانَةً، ذَلِكَ الجَهْبَذُ الَّذِي لَا تَزَالُ سِيرَتُهُ العَطِرَةُ تَتَرَدَّدُ فِي المَجَالِسِ وَالمَحَافِلِ مُنْذُ أَكْثَرَ مِنْ خَمْسٍ وَثَلَاثِينَ سَنَةً . وَفِي فَقْدِهَا فَقْدٌ لِذَلِكَ العَيْشِ الوَارِفِ وَالخَيْرِ المُبَارَكِ . صَاحِبَةَ خُلُقٍ رَفِيعٍ وَإِيثَارٍ عَجِيبٍ؛ وَلَا تُحِبُّ لِلآخَرِينَ إِلَّا مَا تُحِبُّ لِنَفْسِهَا؛ كَانَتْ رَحِيمَةً بِكُلِّ مَنْ عَرَفَهَا، لَقَدْ آلَمَ رَحِيلُهَا الأَرْحَامَ وَالجِيرَانَ وَالأَهْلَ وَكُلَّ مَنْ عَرَفَهَا . أُمِّي - وَالحَمْدُ لله - لَمْ تَكُنْ تَحْسِدُ وَلَا تَحْقِدُ، مَاتَتْ وَهِيَ تَلْهَجُ بِالشَّهَادَتَيْنِ مِرَاراً، فَقَدْ كَانَ قَلْبُهَا سَلِيماً مَلِيئاً بِالنُّورِ وَالخَيْرِ العَمِيمِ؛ هِيَ الآنَ بَيْنَ يَدَيِ العَظِيمِ المَنَّانِ، فَالحَمْدُ للهِ أَوَّلًا وَآخِراً أَنَّهَا انْتَقَلَتْ إِلَى رَبٍّ كَرِيمٍ رَحِيمٍ جَوَاد . خَنَاجِرُ الحُزْنِ فِي سِرِّي وَإِعْلَانِي فِيهِ العَصَافِيرُ وَالأَفْرَاحُ تَهْوَانِي فَكَمَا بَدَأْنَا بِحَمْدِ اللهِ، فَاللَّهُمَّ ارْحَمْ ذَاكَ الجَسَدَ الطَّاهِرَ، وَاجْمَعْنَا بِهَا وَبِوَالِدَي وَبِجَمِيعِ مَوْتَى المُسْلِمِينَ فِي أَعَالِي الجِنَانِ،