وهذا إن دل على شيء فإنما يدل علي ثراء في الفكر وان كان مما يشتت الرأي أحيانا ، ونحن عند حديثنا عن نشأة الفلسفة المثالية المطلقة وجدنا من يرجعها ألي الحضارة المصرية القديمة ومنهم من أرجعها إلي الحكمة الهندية ومنهم من أرجعها إلي الفلسفة اليونانية، وكانت تعود إلي الظهور علي أنحاء مختلفة في جميع العصور ولدى جميع الشعوب التي ارتفع فيها الفكر إلي مقام الفلسفة، لقد كان لها تأثير كبير علي حياة الناس وتفكيرهم، لأنها قائمة علي حاجة حقيقية في النفس وعلي قانون طبيعي من قوانين الذهن ألا وهو الارتقاء والسمو في المعرفة التي مصدرها العقل، وأن كل مذهب يُعارض المثالية إنما مآله إنكار المعرفة، وإلي المدارس المثالية القديمة والحديثة انتمى أعلام الفلاسفة وكبار المصلحين في العالم. فلنذهب لنري تلك الأهمية من خلال استعراضنا لنشأتها علي مر العصور يقول الدكتور : يوسف حامد الشين "إن الفلسفة المثالية تنطلق من المفاهيم الكلية كأساس للمعرفة البشرية لهذا الكون، ولكن يبدو أن مشاكل وطموحات البشرية متشابهة منذ طفولة البشرية وحتى الآن وحتى وإن تباينت درجة هذه المشاكل والطموحات ومهما كان الإنسان في عصوره الغابرة ضئيل التفكير إلا إنه بدأ بقضايا كبرى ما زالت حتى الآن قيد البحث، وعلى رأس هذه القضايا هل هناك حقيقة ثابتة ؟ ويقول أيضا: "إن نشأة الفلسفة المثالية بمعانيها المتعارف عليها الآن ترجع في اعتقادنا إلي ديانة المصريين القدماء، ومما يُرجح هذا الرأي هو كون الفلسفة المثالية تقوم علي فكرة الكلية العقلية، ويُرجع أسباب هذه النشأة إلي:- وهذا هو صلب الديانة الفرعونية التي ترى في حياتنا الدنيوية لحظة عابرة في طريق الخلود وهذا ما دعت إليه ديانة المصريين. ٣- الفلسفة المثالية لا تهتم بمظاهر الحياة وقشورها إلا من حيث أنها وسيلة للترقي، والديانة المصرية القديمة سارت على نفس النهج لم تعبأ بالحياة إلا على سبيل أنها استعداد للالتحاق بعالم الألوهية وتلك كانت غاية الديانة المصرية التي جعلت من فكرة الموت والبعث والحساب والجنة والنار كل همها في الحياة ومنها تفرعت الكثير من الاتجاهات الفلسفية الحديثة والمعاصرة (١) وهذا يُعد استنتاجا طيبا يدل على عظمة هذا الشعب وهذه الأمة المصرية صاحبة الحضارة العظيمة التي ما وُجد علم أو ثقافة إلا وهي أساس لها، ولكن المثالية لم تتبلور وتظهر بشكل تام لأن الأمر هنا يتعلق بديانة وليس مذهبا عقليا، ثم جاء من بعده تلميذه أفلاطون ليصلح ما أفسده هؤلاء السفسطائيون ، وارتقى في فكره وفلسفته إلي فكرة عالم المُثل في جمهوريته والتي كانت نواة للفلسفة المثالية في عهد أفلاطون-٤٢٧ -٣٤٢ق م (ويعد رائد هذه الفلسفة ومؤسسها قديما حيث ظهرت بعض أرائه وأفكاره المثالية في كتابيه المشهورين: ، الجمهورية" و« القوانين" وسأتحدث عن ذلك بشيء من التفصيل عند الحديث عن أفلاطون ونظرية المُثل عنده،