أو بالأصح هي انطباع شائع عند كثير من الناس عن العلماء والمشايخ في عصرنا، وعن الخطاب الديني بشكل عام، فيبادرون إلى تحريمه ومنعه، وتبين عن قصور وعيهم وتشدد مواقفهم، وعادة ما تسرد أمثلة وفتاوى ومواقف جرى فيها تغير الفتوى من التحريم إلى الإباحة، ومن الرفض الشديد إلى المشاركة، ليكمل بعضهم حديثه بتراجيديا حزينة بأن هذا الخطاب استنزف أعمارنا وحرمنا من المباحات ثم إذا به يتراجع بعد ذلك عن كثير من مقولاته بما يحتم عدم الارتهان كثيراً له، وأن نكون على حذر في تلقي مقولاته، فما الذي يضمن أن لا تتغير هذه الفتاوى مستقبلاً كما تغيرت اليوم. ونحن هنا يجب أن نميز بين أمرين: ومعرفة أوجه الصواب والخطأ فيه، ولعلنا نعود إليه لاحقاً في كتابة موضوعية منصفة لا تبغي على صاحب حق بسبب خطأ وقع فيه، الأمر الثاني: أثر هذا الانطباع السيئ - بغض النظر عن حقيقته وكونه واقعاً أم لا في الوقوع في بعض الأخطاء والانحرافات العلمية والعملية، وما يمكن أن يترتب على هذه الصورة النمطية السلبية من ممارسات وتصرفات وتجاوزات. وسواء سلمنا بصحته كاملاً أم لا، فإن الإشكال يكمن فيما يترتب عليه من أمور مخالفة تتسبب في وقوع انحرافات، منها: 1) الإعراض عن الأحكام الشرعية: وهذا في الحقيقة من جنس الهوى الذي يصد الإنسان عن الحق، والواجب على المسلم أن يجتهد في البحث عن مراد الله وأن يبذل غاية جهده في تتبعه، وإذا وجد في زمانه أشخاصاً أو جماعات أو مؤسسات خالفت الحق، لا أن يعرض عنه بسبب تلك المخالفات. فكأنه يقول: بما أنكم تشددتم وحرمتم وفعلتم، فإنني سأرفض أي نظر في تحريم أو منع بعد ذلك. فهو يتوهم أن هذا موقف رافض لهم، وهو في الحقيقة رفض للنفس، وجر لها نحو الهلاك مَنِ اهْتَدَى فَإِنَّمَا يَهْتَدِى لِنَفْسِهِ وَمَن ضَلَّ فَإِنَّمَا يَضِلُّ عَلَيْهَا ﴾ [الإسراء: ١٥]. فهو يتحرك بدافع كرهه لأقوام وغضبه من جماعات ونفوره من طوائف، والعاقل لا يقع ضحية لهذه المواقف النفسية ولا أسيراً لها، لأنه متشبع بهذا الانطباع السيئ. هذه الانطباعات ليست عذراً لأحد في ترك حكم شرعي لأنها من جنس الأهواء، وجدت عندهم انطباعات قبيحة عن أهل الحق، هذا لا يعفيهم عن وجوب اتباع الحق. وهذا الإعراض بطبيعة الحال سيفرض التساهل في فعل المحرمات وترك الواجبات عند قطاع من الناس بسبب رفضهم من يرون أنه شدد عليهم، فيقابل ما يراه و من مشكلات هذا الانطباع القبيح دفع بعض الناس للتساهل في قبول أي فكرة ما دامت مخالفة للسائد فالحنق في النفس يدفع بعض الناس لتقبل أي أفكار أو مقولات تصادم التيار السائد الذي ينفر منه، وقد يتساهل في تمييز ما فيها من باطل أو يدافع عن تجاوزاتها أو يعرض عن ذلك، فأي صورة أخرى هي أجمل في نظره، وهذا أيضاً من الهوى، والمسلم مسؤول عن نفسه مسؤولية كاملة، فالجدة أو القدم ليست معايير يُدرك بها الحق أو الباطل، فقد يكون الجديد صواباً أو خطأ، وقد يكون القديم كذلك، فاليقظة عند التعامل مع الجديد مطلوبة، ليصون الإنسان نفسه من الوقوع في إحدى آفتين: تقبل الجديد مع ضرره، أو رده مع منفعته. ۳) تقبل أي اجتهاد جديد ينتسب إلى الفقه: هذا الانطباع السلبي يسهم في التهاون مع أي اجتهاد فقهي، فبإمكان أي شخص مهما ضعفت مؤهلاته وتفكيره أن يخرج في أي قناة ليقدم حزمة من الاجتهادات الجديدة، وسيجد لها تأييداً ودعماً، وهذا قصور كبير جداً في التفكير، فإذا كان هناك تقصير في الاجتهاد المطلوب فالواجب هو تسديده باجتهاد أفضل منه، وإذا كان المشايخ قد تشددوا وخالفوا الحق فالواجب تقديم خطاب فقهي يصحح الخطأ ويقوم الصواب، قبول أي أمر باسم هذا الاجتهاد. فإن عليه وهذا يتطلب مزيد بحث وعناية وتدقيق لا أن يكون سبباً لقبول أي اجتهاد وليس من العقل أن يقبل المرء على خيار لا يدري ٤) الندم على فعل الطاعات ممتنعاً عن محرمات أو مكروهات، أو فاعلاً لواجبات أو مستحبات، بسبب تأثره بهذا الخطاب المرفوض. أو تنزه عن فعل ليس محرماً في ذات الأمر، فهل في هذا ما يستدعي أن يعود بنيته على ما مضى من أعمال صالحة، وكأنه حزين على ما قدم من خير وما جمع من حسنات ؟! فحتى لو كان مخطئاً في ظنه أن ما كان ملتزماً به واجب من الواجبات، أو أنه تجنب ما ليس بمحرم، ففي النهاية قد فعل أمراً مشروعاً يريد به وجه الله تعالى، ولو كان الأمر متعلقاً ببدعة، أو قول مصادم للنصوص، ويندم على ما فات في مسائل اجتهادية سائغة، فأمر لا معنى له، بل يخشى على ه القصور في تقويم الواقع فوجود شيء تكرهه قد يؤثر سلباً في حسن تعاطيك معه والحكم عليه، كما أن الحب قد يؤثر كذلك، ولهذا جاء التأكيد على هذا المعنى في هذه الآيات. ٦) الموقف السلبي من التدين بالتأكيد على خطورة شحن الناس ضد علماء الشريعة، والمبالغة في تشويههم والحط عليهم، إذ في إسقاط الأمرين بالمعروف إضعاف للمعروف الذي يحملون، فبدلاً من النقاش الموضوعي حول أدلة أحكام الشريعة يتعمد بعض الناس أن يشوه الحامل ليضعف المحمول، والذي له أثر نافذ في توهين التدين في النفوس والقصد هنا ليس تصويب الواقع كله، ولا إضفاء قداسة على أحد،