كان قاسم فتى قاسيا وضيق الصدر لا يحتمل ان يلمسه احد بأقل أذى و كما يقولون في المثل ولو ضرب بريحانه ولم يكن قاسم يقدر ان من يعيش بين الناس يتعرض لكثير من اساءتهم سواء اكانت عن قصد ام غير قصد و عليه ان يصبر على ذلك و يعفو ويصفح او ان يفرقهم و من ذلك انه اذا داس احد رفاقه رجله في اثناء اللعب اقام الدنيا و اقعدها ولم يتوقع ولم يتوقع انه قد يدرس رجل غيره يوما و هكذا حتى عرف رفاقه جميعهم هذا الخلق فيه فأخذوا يجتنبونه و يحاولون عدم مشاركته في اللعب التنزه او الجلوس على مقعد واحد معه كما ان موجه المدرسة ضاق به ذرعا من كثرة مشاجراته مع رفاقه او تردده عليه مشتكيا اليه فلانا اصابه برذاذ الماء في اثناء شربه و فلانا غبر ثيابه اثناء ركضه و مما يثير الضحك انه كان يأتي بالشهود و الذين يشهدون له على صحة ادعاءاته السخيفة ونزاعاته التي لا يلتفت اليها غيره ولا يقيمون لها وزنا اما معلم قاسم فقد خصص درسا كاملا لعلاج مشكلته وكتب على السبورة قوله تعالى و الكاظمين الغيظ والعافين عن الناس ولله يحب المحسنين وشرح للتلاميذ معنى هذه الكلمات القرآنية دون ان يعرفهم انها موجهة لقاسم وقال لهم ان من صفات المؤمنين انهم يقاومون انفسهم عندما يشعرون بها تشتعل غيظا من احد اساء اليهم و يكظمون غيظهم ولا يظهرونه ثم يعفون عمن ظلمهم لوجه الله فتسود المحبة بينهم حين يتسامحون ويغفرون لبعضهم ويحسنون الى بعضهم بذلك الصفح ولذلك قال والله يحب المحسنين و كان المعلم ينظر الى قاسم من طرف خفي في اثناء شرحه دون ان يعلم قاسم انه ينظر اليه عسى ان تنفعه هذه الكلمات وتغير من طبعه وخلقه ومع ان قاسمًا احس انه على خطأ في تصرفاته لم يستطع ان يغير من طبعه الا شيئا يسيرا وظل يعذب نفسه نفسه ورفاقه و معلميه و اهله في البيت حين يعاتب و يخاصم اخوته على كل كبيرة و صغيرة و في احد الايام كان قاسم يمشي في باحة المدرسة وقت الفرصة معجبا بنفسه فصدمه احد التلاميذ الذين كانوا يركضون في الباحة و رماه على الارض فقام فوره غاضبا ولم وجه بقوة فأصاب عينه و اخذ التلميذ يصرخ صراخا شديدا يدل على شدة الالم فأتصلت المدرسة بإهله ونقلوه الي المشفى و ما هي الا ساعة حتى وقفت سيارة الشرطة امام باب المدرسة وطلبوا قاسما و معلمه و ما ان عرفهم قاسم بنفسه حتى قيدوه ووضعوه في السيارة ثم اخذوا معلمة جانبا واخذوه يحققون معه بشآن قاسم وكان يجادلهم بصوت هافت وعينين خافتتين بينما كان قاسم يرتجف رعبا ويحس ان تلك الدقائق التي ينتظر فيها مصيره ثم جاء الى قاسم وقال له اتحب ان يعفوا عنك رجال الشرطة شريطة ان تعاهدهم على ان تعفوا عن زلات رفاقك فأجابه قاسم بصوت مرتجف و منخفض نعم اعفوا عن كل من يرميني على الارض فابتسم المعلم راضيا عن اجابته وهز رأسه داعيا للشرطة الى نزع القيد من يده فنزعوه ثم كتبو على ورقة بيضاء لقد تعهد التلميذ قاسم بعدم تكرار ما فعله و هذه بصمته ثم امسكوا بإبهامه الايسر ولامسوا به علبة فيها حبر ازرق ثم لامسوا به الورقة المكتوبة فظهرت صورة ابهامه عليها ثم تركوه وانصرفوا ومنذ ذلك اليوم اصبح قاسم لينا بعدما كان قاسيا