يشكل "الآخر" هاجساً لدى المثقف العربي منذ تبلورت فكرة الاتصال بهذا "الآخر" حين ترجم العرب ثقافة ومعرفة اليونان والقدماء في عهد الخليفة العباسي المأمون، ودخل المثقف العربي في جدية التعامل مع هذا الآخر قبولاً ورفضاً. كان المثقف العربي يستند إلى ثقافة صلبة "خارقة" للآخر، بل تلقت ما لدى الآخر تلقي المستوعب والمحول لما استوعبه إلى جزء من بنية العقل العربي والثقافة العربية، بل الإنسان العربي كلما شده الحنين للبحث عن بطولات تعيد له ثقته بنفسه، بل تكتفي أحياناً بأمثلة عن "الماضي المجيد" لحالات من الحراك الثقافي في بيروت والقاهرة وبغداد وغيرها من حواضر العرب قبل سنوات قريبة. إن هذه الحالة ألقت بكلكلها على المثقف العربي وهو ينطلق ليتحاور مع الآخر ويتواصل ثقافياً معه، إذ يحلو لكثير من العرب مقارنة الحالة العربية بمجملها بالحالة اليابانية أو الصينية، بل يبالغ بعضهم حين يذهب لمقارنة المثقف العربي بما عليه المثقف الغربي مع الفارق الكبير بين الاثنين في أكثر من مساحة، لكن هذا المشهد لحالة المثقف مع الآخر لا يمنع من القول: إن المثقفين العرب يقفون اليوم أمام هذا المشهد ثلاث مواقف. فخشي على نفسه وذاته من أن يكون المغلوب التابع، بكل ما يحمل الجديد من مسميات العولمة والأنسنة والصراع الحضاري وغيرها من المسميات، إذ لم يستطيع أن يضيف جديداً إلى الثقافة الإنسانية بما يقدمه من ثقافته العربية، لأن هذا الآخر يملك ناصية أمره بنفسه، لقد فشل هؤلاء "الوكلاء" في أن يتعاملوا مع الآخر تعاملاً طبيعياً، بل كان تعاملهم معه تعامل "الملحق". ليطرح دور التفاعل الفاعل. إذ يستطيع أن يبرز ذاته ويقدم إضافته الثقافية، كما يستطيع أن يستوعب الآخر ويتعامل معه تعاملاً إيجابياً غير رافض لكل ما عند ذلك الآخر وغير مستسلم لذلك الكل. إلى حالة تتعامل مع الثقافات الأخرى والإبداع الإنساني بمجمله دون خوف من انهزامية أو تبعية، زاعماً انتهاء الثقافات المتعددة، رغم أن البشرية لم تشهد عبر تاريخها الطويل مثل هذه الحالة المزعومة. تعمل كل منها بصورة تلقائية أو بتداخل إرادي من أهلها للحفاظ على كيانها ومقوماتها الخاصة (كما يذهب إلى ذلك محمد عابد الجابري).