الحمد لله يسر كل لما خُلق له وجعل الأعمال بالخواتيم خرج موسى خائف يترقب فعاد لأهله وهو الكليم وذهب ذو النون مغاضبا فالتقمه الحوت وهو مليم ونشأ محمد عليه الصلاة والسلام يتيما فكان الفضل لذلك اليتيم وكل ذلك بتقدير العزيز العليم ، يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ} (آل عمران 102) حياكم الله وأحياكم وهداكم وهدى بكم ويسر الهدى لكم . نجاكم قبل حلول البلوى . معشر الأخوة ما أكاد أعطي موعدا لأحد وإلا وجرى بخاطري قول المثقب العبد حسن قول نعم من بعد لا وقبيح قول لا بعد نعم . وكأني بمن دعاني يقول معاتبا لا تجعلني ككمون بمزرعة إن فاته الماء أغنته المواعيد . فأقول له على رسلك ولا تنكر أصلك فالوعد عند العرب تلذذ وتذوق والانجاز طعام وليس من صدم بالطعام قرب له فجأة من دون سابق موعد باللذة كما وعد به ثم ضمن له ثم انتظر فوجد رائحته فسال لها لعابه فتمطق به ثم تطعمه ثم قرب إليه فتذوقه وإن تأخر فالوعد أحسن ما يكون إذا تقدمه ضمان ولعلكم تطعمتم وتمطقتم وسال لعابكم وجاء وقت الإنجاز وقربت المائدة للفائدة قد طيب الأفواه طيب غذائها من أجلها تجد الثغور عذابا زهراء أحلى في الفؤاد من المنى وألذ من ريق الأحبة في الفم . من شم عرفا لأخلاق النبي يقل لا المسك مسك ولا الكافور كافور . عرف فحواه لقد كان لكم في رسول الله أسوة إن لم يكن الماء من نهر رسالته فلا تشرب . إن لم يكن الفرس مسوما على علامته فلا تركب . عودا إلى نبعه الصافي وروضته نجني ثمار المعالي من روابيه . عرف يقول ما أضيع الياقوت في جيد الأمة إذا الأخلاق بعد العلم ساءت فكل الجهل في فصل وباب وهو مع ذا عرف يقول لكل ذميم لئيم شتيم يسخر بالنبي الكريم . فالصبر في العلياء يا مسخار لا يهاب كلبة . عرف يقول اعرف المرء من فعله لا من كلامه . إن غرك القول فانظر فعل قائله فالفعل يجلو من بالزيف يستتر وما أنا معشر الأخوة حين أتكلم عن خلقه صلى الله عليه وسلم إلا كمن يحاول جمع البحر في كأس وحصر الدنيا في صندوق وجمع المحيط في كف وهذا ما لا يكون . الله أرجو المن بالإخلاص فإنه الطريق للخلاص . عرف العبير في تواضع البشير النذير تواضعه ما تواضعه ؟ أقسم ببارئ النسم وخالق الخلق من عدم إن تواضعه لا يجارى ولا يدارى لم تر العين له مثلا ولا خطرت أوصافه في أذنين لا يرى له فضلا على أحد وله الفضل على كل أحد وهو خير من كل أحد قد انكسر قلبه لله الواحد الأحد فخضع للحق وانقاد له وقبله ممن قاله صغيرا أو كبيرا شريفا أو وضيعا . صلى الظهر أو العصر يوما ركعتين كما في الصحيح ثم سلم وشعر بنقص أو خلل لا يدري ما سببه فقام لخشبة معروضة في المسجد فاتكأ عليها وكأنه غضبان قد وضع يده اليمنى على اليسرى وشبك بين أصابعه لأن نفسه الكبيرة تحس أن هناك شيئا لم تشتك منه ولهيبته صلى الله عليه وسلم لم يجرؤ أحد أن يفاتحه حتى أبو بكر وعمر أكابر صحابته فقام ذو اليدين وقطع ذلك الصمت قائلا : يا رسول الله أنسيت أم قصرت الصلاة ؟ فقال بناء على ظنه : لم أنس ولم تقصر فقال ذو اليدين بل نسيت فقال صلى الله عليه وسلم متثبتا : أكما يقول ذو اليدين ؟ قال الصحابة نعم فقام وصلى ما ترك وسجد للسهو بعد أن سلم وكأن شيئا لم يكن . خلق عظيم زكاه العلي العظيم { وَإِنَّكَ لَعَلَىٰ خُلُقٍ عَظِيمٍ } (القلم 4) جعل كبير المسلمين بمنزلة أبيه وصغيرهم بمنزلة ابنه ونظيره في السن بمنزلة أخيه فوقر الكبير ورحم الصغير وأعطى كل ذي حق حقه فلم يكن أحد يلهيه عن أحد كأنه والد والناس أطفال وكيف لا يكون كذلك وقد أنزل الله عليه فيما أنزل أن الجنة دار المتواضعين . وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِلْمُؤْمِنِينَ } (الحجر 88) وأوحى إليه أن تواضعوا حتى لا يبغي أحد على أحد ولا يفخر أحد على أحد فهو سيد المتواضعين بل سيد ولد آدم أجمعين قد أخذ بزمام هذا الخلق العظيم فهوا أحق من فيه قيل : قسم التواضع في الأنام جميعهم فذهبت أنت فقدته بزمامه وذهبت أنت برأسه وسنامه . لما وصل تبوك سأل : أين كعب بن مالك ؟ وبعد إحدى غزواته فقد أحد أصحابه ممن لا يأبه الناس له قال : هل تفقدون من أحد ؟ قالوا : فلانا وفلانا وفلانا ، قال : هل تفقدون من أحد ؟ قالوا : لا ، تواضع قد شاع في البلاد وذاع في الحضر والبوادي . ما صافح أحدا فيرسل يده حتى يرسلها مقابله . يؤاكلهم ويقول : ( أبغوني ضعفائكم إنما تُنصرون وترزقون بضعفائكم ) ويعلنها في إخبات وتواضع ( اللهم أحيني مسكينا وأمتني مسكينا واحشرني في زمرة المساكين ) تواضع لما زاده الله رفعة كذاك جليل القدر جم التواضع لهديه انهض فهو بالمتابعة الخبر الجزء المتم الفائدة عليه صلى الله ثم سلم وآله وصحبه وتابعٍ سما . كان صلى الله عليه وسلم أعظم الناس تواضعا شمخت رتبته فوق الثريا وهو لم يشمخ بأنف الكبرياء لا تغلق دونه الأبواب ولا يقوم دونه الحجاب ولا يهدى عليه بالجفان ولا يراح . أتاه عدي بن حاتم في مسجده وقد طوف الأرض هربا حتى وضع يده في يده وفي ذهنه تصور أنه صلى الله عليه وسلم إما ملك أو نبي لأن تبعية الناس لا تكون لأحد في ذهنه إلا بهذين العاملين قال عدي: فانطلق بي فوالله إنه لعامد بي بيته فاستوقفته امرأة ضعيفة كبيرة السن معها ابنها فوقف لها طويلا تكلمه في حاجتها فقلت في نفسي : والله ما هذا بملك ، قال : ثم أخذ بيدي وانطلق بي إلى بيته وقال اجلس وألقى علي وسادة من أدم محشوة بريش وقال خذها فاجلس عليها قال فجلست عليها وهو على الأرض فقلت في نفسي : والله ما هذا بملك ، لعله إنما يمنعك ما ترى من قلة عدد المسلمين وكثرة عدوهم وأيم الله إن طالت بك حياة لترين الضعينة تخرج من الحيرة إلى بيت الله لا تخشى إلا الله ، جبل الثلج تلاشى حينما رنت الشمس بعينيها وذاب . شهد الشهادتين ورأى بأم عينه ما أخبره رسول الله وأقسم ليرين ما لم يرينه بعد إيمانا بقول رسول الله صلى الله عليه وسلم . حاله وإن تراكمت الظلماء في طرق فلي من الوحي في الأحداث كشاف معلنا أن أعظم عامل لاجتذابه إلى الإسلام هو تواضع رسول الله صلى الله عليه وسلم الجم { لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ . تواضعه أعلاه ثم ارتقت به نبوته في الباذخات السوامك اختار أن يكون عبدا رسولا عن أن يكون ملكا نبيا ويكفيه شرفا قول ربه { سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَىٰ بِعَبْدِهِ . (الإسراء 1) ولعظم تواضعه نهى عن إطرائه ورفعه فوق منزلته ( لا تطروني كما أطرت النصارى ابن مريم إنما أنا عبد فقولوا عبد الله ورسوله ) . لا يقوم أصحابه له إذا رأوه لما يعلمون من كراهيته له ولما قال له رجل يا خير البرية قال : ( ذاك إبراهيم ) تراه بين أصحابه دون أن يتميز عليهم حتى إن الداخل لا يعرفه ولا يميزه من بين أصحابه . لما قرب من المدينة في هجرته لم يميزوا بينه وبين أبي بكر حتى أصابته الشمس فقام أبو بكر يظله فعرفوا انه رسول الله صلى الله عليه وسلم . يدخل الأعرابي المسجد والرسول صلى الله عليه وسلم بين أصحابه فيقول : أيكم محمد ؟ . تلكم أياديه وأخلاقه ظل ظليل ومحل رفيع . تواضع في بيته فكان في خدمة أهله وهو قادر على أن يستعين بالخدم لخدمته . لما سئلت عائشة رضي الله عنها ما كان النبي صلى الله عليه وسلم يصنع في بيته قالت : ( كان يكون في مهنة أهله فإذا حضرت الصلاة قام إلى الصلاة ) . كان بشرا من البشر يخيط ثوبه ويخسف نعله ويخدم نفسه ويحلب شاته ويعلف دابته ويفلي ثوبه ويعمل ما يعمل الرجال في بيوتهم يؤتى بالتمر فيفتشه و يخرج السوس منه ثم يأكل يدني الإناء للهرة لتشرب ثم يتوضأ بفضلها . يجلس على الأرض ويأكل على الأرض ويلعق أصابعه ويقول : ( آكل كما يأكل العبد وأجلس كما يجلس العبد ) وهو خير أهل الأرض من حر وعبد لم يكن له فرش وثيرة ومجالس زاهية فكان يجلس على الأرض وينام على الحصير وسادته التي يتكأ عليها من جلد محشو بليف وفراشه الذي ينام عليه كذلك وربما نام على الحصير فأثر في جنبه . ادعوا الله يا رسول الله فاحمر وجهه وقال : ( أفي هذا يا ابن الخطاب أولئك قوم عجلت لهم طيباتهم أما ترضى أن تكون لهم الدنيا ولنا الآخرة ) فذا هم سما فوق السماء أبياته ما أبياته أبيات متواضعة . ففي تواضع النبوة بين أنه على أجزاء من الدرهم رعاها وأنها مهنة ارتضاها الله لأنبيائه فقال : ( وهل من نبي إلا رعاها ، يا ابن الرجال وغيره يا ابن القرى شتان بين قرى وبين رجال صلى عليه الله ذو الجلال وصحبه وحزبه والآل . كان يوم بني قريضة على حمار مخطوم بحبل من ليف وعليه اكاف من ليف وذلك من كمال تواضعه لا يأنف أن يردف على دابته أحدا معه إن أمكن وإلا تناوب معهم في الركوب عليها . ثبت أنه صلى الله عليه وسلم ركب حمارا يوما عليه إكاف تحته قطيفة فدكية وأردف وراءه أسامة بن زيد رضي الله عنهما وهو يعود سعد بن عبادة رضي الله عنه وأردف صفية يوما على دابته والناس تنظر إليه بل إن صفية من قبل لما أسرت واختارت الله ورسوله وأسلمت أعتقها وتزوجها وأعطاها على عتقها مهرها ثم قدم البعير لها لتركب عندما أراد المدينة وقدّم فخذه لتضع رجلها عليها فأعظمت ذلك وأبت أن تضع قدمها ثم وضعت فخذها على فخذه وركبت فيا الله امرأة كانت مملوكة فأعتقها وأبوها عدو لدود يؤلب القبائل عليه وكذلك عمها وزوجها يكيد أشد الكيد له ومع ذا فإسلامها قطع صلتها بأولئك ورفع قدرها حتى وضع النبي فخذه لتتوصل إلى ركوب البعير في خلق زكاه العلي الكبير وافى كما وافى النسيم بطيب أنفاس العبير وذا عبد الله بن جعفر رضي الله عنه ما يقول : كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا جاء من سفر تلقي من صبيان أهل بيته وجاء من سفر بسبق بي إليه فحملني بين يديه ثم جيء بأحد ابني فاطمة حسن أو حسين فأردفه خلفه فدخلنا المدينة ثلاثة على دابة . هم في جبين الدهر أنصع صفحة لم تبلها الأعوام والآباد وها هو ابن مسعود يقول : كنا يوم بدر كل ثلاثة على بعير لقلة الظهر وكان أبو لبابة وعلي رضي الله عنهم زميلي رسول الله صلى الله عليه وسلم على دابته لم يفرد نفسه براحلة مستقلة بل جعل نفسه كبقية أفراد جيشه ليعلمنا أن الكمال ليس في الترفع على المؤمنين بل الكمال الحقيقي في خفض الجناح للمؤمنين . ركب النبي صلى الله عليه وسلم عقبة ولما أراد أن النزول لهما أقبل علي وأبو لبابة يؤثرانه بركوب الدابة وهم إنما يؤثرون أنفسهم لأنهم أحب عليهم من أنفسهم يقولون نحن نمشي عنك يا رسول الله فبين صلى الله عليه وسلم أن الذي له حق التميز في الركوب هو الضعيف الذي لا يقوى على المشي وأن المشي في سبيل الله ثواب لا يزهد فيه إلا محروم فقال : ( ما أنتما بأقوى مني وما أنا أغنى عن الأجر منكما ) ثم نزل يمشي فود كل راكب أن لو مشى لما رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم يمشي . فتح الإله به قلوبا غلقت وأنار أبصارا وكانت لا ترى . أما إنه لم تكد ترى عين أو تسمع أذن بعظيم يقبل أن يزاحمه أحد في راحلته مهما كانت قرابته أو محبته سوى رسول الله صلى الله عليه وسلم على خلقه الأخلاق قدراً كما علت جميع ليالي العام ليلةُ قدره صلى عليه الله ذو الجلال وصحبه وحزبه والآل . كان صلى الله عليه وسلم في غاية التواضع لمن أراده وفي حلة مهابة ما خالطه أحد إلا أحبه وما رآه إلا هابه مهيب ترى عند أعتابه عظام الملوك كبعض الرقيق . ثبت في سنن ابن ماجة عن ابن مسعود رضي الله عنه أن رجلا أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم فأصابته من هيبته رعدة ففي تواضع النبوة يهدئ من روعه ويسكن نفسه ويشفق عليه ويبين له أنه ابن امرأة نشأت متواضعة فقيرة خشنة العيش تأكل اللحم المشقق المملح المجفف بالشمس منتسبا لها تواضعا قائلا : ( هون عليك إني لست بملك غنما أنا ابن امرأة من قريش تأكل القديد ) ترقى بخفض النفس حتى علا السما وحل مكانا لم يكن حل من قبل . نعم إنه آكلة القديد الأبية ومع ذا فهو هادي البشرية و إمام البرية ومحيي الأمة بشرع الله ذو الفضل والمنة قد أصبحت سبل الدين الحنيف به عوامرا بعد أن كانت نماريتا . متواضع وهو الرفيع مقامه ووضيع قوم ليس بالمتواضع . كان لأهل بيت من الأنصار جمل يسقون عليه فمنعهم ظهره فجاءوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وقالوا : عطش الزرع والنخل ومنعنا الجمل ظهره فقام رسول الله صلى الله عليه وسلم ومعه أصحابه فدخل النبي الحائط والجمل في ناحية منه فقالت الأنصار : يا نبي الله إنه قد صار مثل الكلب الكلِب وإنا نخاف عليك صولته فقال : ( ليس علي من بأس ) ولما نظر الجمل لرسول الله صلى الله عليه وسلم أقبل نحوه حتى خر ساجدا بين يديه فأخذ بناصيته أذل ما كان حتى ادخله في العمل وحال صاحب الجمل أوليتني كرما وزائدا وضررتني حتى نسيت الوالدا أقسمت لو جاز السجود لمنعم ما كنت إلا راكعا لك ساجدا فلم يدع له بل قام يمشي له في حاجته قائلا لأصحابه قوموا معنا فذهب حتى أتى الحائط وقال افتح ففتح الباب فإذا أحد الفحلين قريب من الباب فلما رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم سجد فقال النبي صلى الله عليه وسلم ائتني بشيء أشد به رأسه وأمكنك منه فجاءه بخيطان فشد به رأسه وأمكنه منه ثم مشى إلى أقصى الحائط إلى الفحل الآخر فلما رآه وقع له ساجدا فقال للرجل ائتني بخيطان فشد به رأسه وأمكنه منه وقال : اذهب لا يعصيانك بعد اليوم . فهل رأيت مثله يا ذا الحجا زينة للدنيا ومحو للدجى ؟ اللهم لا إنه الخلق العظيم الذي زكاه العلي العظيم فلا تستنن إلا بسنة مرسل له دون كل العالمين الخصائص . حدث النعمان بن بشير رضي الله عنه قال : اهدي إلى النبي صلى الله عليه وسلم عنب من الطائف فدعاني فقال : ( خذ هذا العنقود بلغه أمك ) فاشتهى النعمان العنب الصغير فأكله قبل أن يبلغه أمه ، ولما كان بعد ليال قال لي صلى الله عليه وسلم : ( ما فعل العنقود ؟ أأبلغته أمك ؟ ) قلت : لا ، يقول البراء رضي الله عنه : لما كان يوم الأحزاب وخندق رسول الله صلى الله عليه وسلم رأيته ينقل تراب الخندق حتى وارى التراب جلدة بطنه وكان كثير الشعر فسمعته يرتجز بكلمات ابن رواحة وهو ينقل التراب ويقول : اللهم لولا أنت ما اهتدينا ولا تصدقنا ولا صلينا فأنزلن سكينة علينا وثبت الأقدام إن لاقينا إن الألى قد يغوا علينا وإن أرادوا فتنة أبينا ) يمد بآخرها صوته أبينا أبينا . لم يجعل من نفسه زعيما دنيويا يصدر الأوامر والنواهي وهو في حصن منيع بمعزل عن جنده تحرسه الحراسة بل شاركهم يعمل كما يعملون وهذا مثل لتواضعه وسلوكه الذي لا يدانيه فيه أحد من العالمين لأنه قدوة للعالمين صلى عليه الله ما غردت ورقاء خطباء بأعلى فنن . يدخل عام الفتح وتحت قيادته عشرة آلاف مقاتل وهو الذي خرج مستخفيا قبل ثماني سنين ليس معه سوى أبو بكر صاحبه . هو للطفل أب في مهده . يقول أنس كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يمر على الصبيان فيسلم عليهم وهم يلعبون . ولتواضعه ورحمته بالأطفال يحملهم ويزكيهم بما فيهم فعند أبي يعلب بسند حسن عن عمر رضي الله عنه قال : رأيت الحسن والحسين على عاتقي النبي صلى الله عليه وسلم فقلت : نعم الفرس تحتكما فقال صلى الله عليه وسلم : ونعم الفارسان هما يداعب الحسن فيخرج لسانه له فيرى الصبية حمرة لسانه فيعجبه ذلك ويسرع إليه ويلقي بنفسه عليه . ويخرج إلى سوق بني قينقاع يوما فطاف فيها ثم رجع فاحتبى في المسجد فقال : أين لكاع ؟ فجاء الحسن فاشتد حتى وثب في حبوته فأدخل النبي صلى الله عليه وسلم فمه في فمه ثم قال : ( اللهم إني أحبه فأحبه وأحب من يحبه ) وأبو هريرة يرقب الموقف ويقول والله ما رأيت الحسن بعدها إلا فاضت عيناي رأيت ابني هذين يمشيان ويعثران فلم أصبر حتى قطعت حديثي ورفعتهما) ويخرج صلى الله عليه وسلم في مشهد يضج بالمشاعر الأبوية الغامرة يحمل أمامة ابنة ابنته زينب على عاتقه ثم قان يصلي فكان إذا سجد وضعها وإذا قام حملها . (59) } ( النحل ) ولذا قال بعض الحكماء : إن ذلك التواضع والرحمة لهذه الطفلة الصغيرة بر تتسع دائرته لتشمل أمها أينما كانت والتي تعيش فرحة عظمى لما كانت ابنتها من رسول الله صلى الله عليه وسلم فيا لله لو سئلت أين ابنتها فأجابت حملها رسول الله وخرج بها إلى الصلاة ولعله يقال : إن رسول الله صلى الله عليه وسلم بحمله أمامة كان يؤدي عبادتين معا صلاته لربه وإحسانه لبنته وبنت بنته فذاك تواضع لا كالتواضع تزول الشامخات ولا يزول والشيء بالشيء يذكر . إن توقي العالم بعدم التسرع في الإنكار عليه أدب شرعي إذ الظن في العالم أن لا يعمل إلا بدليل شرعي وليس منا من لم يعرف لعالمنا حقا فهم النجوم المهتدى بضيائها إن عمت البلوى وأزعجت الفتن ومن مواقف رحمته بالصغار وتواضعه لهم ما ثبت في البخاري من حديث أم خالد بنت خالد ابن سعيد ابن العاص قالت : ( أتي النبي صلى الله عليه وسلم بثياب فيها خميصة سوداء صغيرة فقسم الثياب في أصحابه ثم قال في الخميصة من ترون أن نكسو هذه ؟) فسكتوا ولم يرشحوا لها أحدا فلم يختر لهذه الخميصة واحدة من بنات بناته أو قريباته لكنه اختارها لابنة صحابي هاجر الهجرتين ليكرم معاها أباها وأمها وأسرتها الذين هجروا الأهل والديار إلى أرض الحبشة البعيدة فارين بدينهم من ظلم المشركين وأذاهم . ثم زادهم في التكريم أن دعا الطفلة ليلبسها الخميصة بيده الشريفة فقال : ( اتوني بأم خالد بنت خالد ابن سعيد ، أخرج النسائي والحاكم وصححه ووافقه الذهبي من حديث شداد رضي الله عنه قال : ( خرج علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم في إحدى صلاتي العشي وهو حامل حسن أو حسينا فتقدم ووضعه عند قدمه اليمنى ثم كبر للصلاة فسجد بين ظهراني صلاته سجدة أطالها حتى ظننا أن قد حدث شيء قال شداد فرفعت رأسي من بين الناس فإذا الصبي على ظهر رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو ساجد فرجعت إلى سجودي ولما قضى رسول الله صلى الله عليه وسلم صلاته قال الناس يا رسول الله إنك سجدت بين ظهراني صلاتك هذه سجدة أطلتها حتى ظننا أن قد حدث أمر أو أنه يوحى إليك فقال صلى الله عليه وسلم : كل ذلك لم يكن ولكن ابني هذا ارتحلني فكرهت أن أعجله حتى يقضي حاجته ) والله وبالله وتالله لئن عجزت الأقلام وكلت القرائح عن تصوير أعلى درجات التواضع للأطفال والرحمة بهم فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم جسده بما لا تحمله الألفاظ مهما أوتيت من فصاحة وبيان فلو نطق الخليل لقال هذي معالم ما رأتها قط عيني . تواضع في غير تصنع ورياء حاله مع المستضعفين يوم كان يدعو وحيدا والسفهاء يسومونه الأذى هو حاله بعد نصره ودخول الناس في دين الله أفواجا ولو تتبعنا كل ما يدل على تواضعه لطال بنا المقام فكل سلوك له كان مظهرا من مظاهر تواضعه قد أظهر الله في الدنيا خلائقه للإنس والجان بالمعنى والكلم فاشرب فهذا زلال بارد صافي وارغب إلى ربك الأعلى ليجعلنا ممن على النهج نهج المصطفى درجة نهج الذي أنزل الله الكتاب هدى عليه ولم يجعل له عوجا فصلي يا رب على خير الورى ما هتفت قمرية على الذرى والآل والأزواج والأصحاب والتابعين من أولي الألباب . ويخرج أمير المؤمنين عمر رضي الله عنه فيمر بمكان كان يرعى فيه الغنم في الجاهلية فيقول : لا إله إلا الله كنت أرعى الغنم بهذا الوادي وأتعب وإذا قصرت أضرب وقد أمسيت ليس بيني وبين الله من أحد . ثم يندفع في البكاء ويقول لابنه وهو يودع الدنيا شهيدا : ضع خدي على الأرض لا أم لك ! ويلي إن لم يرحمني ربي . وعثمان رضي الله عنه يخطب يوم الجمعة وعليه ثوب بأربعة دراهم وهو أمير المؤمنين وينام في المسجد فيقوم وأثر الحصى في جنبه وهو تاجر المسلمين ويخدم نفسه بالليل ولا يوقظ الخدم ويقول : الليل لهم فيه يستريحون . ويشتري علي رضي الله عنه الطعام ويحمله بنفس لا تعرف الكبر ولا تأنف من حمل المتاع ويقول : أبو العيال أحق أن يحمل . وابن عوف رضي الله عنه من تواضعه في زيه لا يعرف من بين عبيده وهو من العشرة المبشرين . وسلمان يلبس جبة خشنة ويقول لمن لامه : إنما أنا عبد ألبس كما يلبس العبد فإذا عتقت لبست ثيابا لا تبلى حواشيها في جنات وعيون ولما عزل سيف الله خالد قال : والله لو ولى علي أمير المؤمنين امرأة أو مملوكا لسمعت له وأطعت ما دام يقودني بكتاب رب العالمين وعمار يشتري علفا ويحمله على ظهره وهو أمير الكوفة يحدوه صبرا آل ياسر فإن موعدكم الجنة وعمر بن عبد العزيز ينتظر ثيابه حتى تجف وهو أمير المؤمنين ولما قيل له ندفنك إذا مت مع رسول الله وصاحبيه قال : والله لأن ألقى الله بكل ذنب سوى الشرك أحب إلي من أرى نفسي أهلا لتلك المنزلة والعاقبة للمتقين وأحمد عليه رحمة رب العالمين كثيرا ما يقول نحن قوم مساكين ولما قيل له ما أكثر الداعين لك . غارت عيناه وقال : أخاف أن يكون هذا استدراجا من رب العالمين ويأخذ الفضيل بيد سفيان بن عيينة ويقول : إن كنت تظن أنه بقي على وجه الأرض شر مني ومنك فبئس ما تظن وإبراهيم النخاعي كان يهاب هيبة الأمير ويقول مع ذا تواضعا : إن زمانا صرت فيه فقيه الكوفة لزمان سوء وكان ابن القيم رحمه الله يقول عن نفسه : بني أبي بكر كثير ذنوبه فليس على من نال من عرضه إثم . بني أبي بكر جهول بنفسه جهول بأمر الله أنى له العلم . بني أبا بكر غدا متصدرا يعلم علما وهو ليس له علم ويأتي ابن المبارك على سقاية والناس يشربون فدنا ليشرب ولم يعرفه الناس فدفعوه فلما خرج قال : ما العيش إلا هكذا حيث لم نعرف ولم نوقر ونقل عن الشيخ محمد ابن إبراهيم رحمة الله عليه أنه ما قال عن نفسه يوما الشيخ أو المفتي إلا أنه كلم عاملا في فندق يوما للحجز لأحد الضيوف فقال العامل من ؟ قال : محمد ابن إبراهيم ، فعرفه ثم قال رحمه الله : هداه الله ألزمنا أن نقول هذه الكلمة . وتأخر السائق يوما على الشيخ ابن باز لتعطل سيارته الخاصة فطلب من أحد العاملين عنده أن يأتي بسيارة فاعتذر العامل بأن سيارته لا تليق بمقام الشيخ فداعبه الشيخ قائلا : سيارتك ما تمشي ؟ . ونقل إليه اقتراح مفاده أن جلوسك يا شيخ على الطعام يشارك فيه عرب وعجم وفقراء ومن دهماء الناس فلو جعلت مجلس طعام خاصا بك وجعلت لهم مجلسا آخر . فتغير وجه الشيخ وقال : مسكين صاحب هذا الاقتراح لم يتلذذ بالجلوس مع المساكين والأكل مع الفقراء سأستمر على هذا وليس عندي خصوصية . والشيخ الألباني رحمه الله لما حدث أنه رؤي في المنام يمشي خلف رسول الله صلى الله عليه وسلم أجهش وقال اللهم لا تؤاخذني بما يقولون واجعلني خيرا مما يظنون سيروا كما ساروا لتجنوا ما جنوا واقفوا خطى الأخيار حيث تيمموا تواضعا في تقبل وحي الله لا على انه آصار وأغلال بل تقبل الفرح الجذلان المستسلم المنقاد المحب المعظم لله رب العالمين الموقن في أن الفلاح في ذلك يقينا أعظم من يقينه في أن الماء والهواء من لوازم الحياة وحال كحال مصعب بن الزبير أمير العراقين لما هم برجل من الأنصار ليؤدبه وقد بلغه عنه شيء فدخل عليه أنس رضي الله عنه وقال : إني سمعت رسول الله يقول : ( استوصوا بالأنصار خيرا فقد أدوا الذي عليهم وبقي الذي لهم ، من ولي أمرا يضر فيه أحدا أو ينفعه فليقبل من محسنيهم وليتجاوز عن مسيئهم ) فألقى مصعب بنفسه عن سريره وألصق خده بالبساط وهو يقول : أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم على الرأس والعين فلو قال لي مت متُ سمعا وطاعة وقلت لداعي الموت أهلا ومرحبا أيها الجيل إن المراتب بالتواضع والعلى ليست بمخرقة ولا سفاه . في السير للذهبي أن عبد الواحد ابن زياد قال : لقيت زفرة بن الهذيل فقلت صرتم حديثا في الناس وضحكة . قال وما هو ؟ قلت قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( لا يقتل مسلم بكافر ) فقلتم يقتل به يعني بالذمي قال فإني أشهدك الساعة أني قد رجعت عنه ) قال الذهبي رحمه الله هكذا يكون العالم وقافا مع النصوص ويقول أبو يوسف القاضي صاحب أبي حنيفة : قدمت المدينة فسألت عن الصاع فقالوا صاعنا صاع رسول الله صلى الله عليه وسلم فقلت ما حجتكم ؟ كل قول لم يؤيد بدليل فادعاء وافتراء وهراء قالوا غدا نأتيك به . ولما أصبحت أتاني خمسين شيخا من أبناء المهاجرين والأنصار مع كل رجل منهم صاع تحت ردائه كل منهم يخبر عن أبيه وأهل بيته أن هذا صاع رسول الله صلى الله عليه وسلم فرأيت أمرا قويا فتركت قول أبي حنيفة في الصاع وأخذت بقول أهل المدينة . أيها الجيل أرفع الناس قدرا من لا يرى قدره فاعرف قدر نفسك ولا تعها في غير موضعها وإذا خرجت من بيتك فلا يقعن بصرك على مسلم إلا رأيته أنه قد يكون خيرا منك لا تجعل من نفسك ندا لجهابذة العلماء وتقول هم رجال ونحن رجال وقل هم نسور في السحاب ونحن نحبو على التراب تواضع لأقرانك ولا تستعلي عليهم ولا تفرح بالنيل منهم والحط من قدرهم وعيبهم بما ليس فيهم وإظهار ذلك في مظهر النصيحة والتقويم لهم ولا تتجاهل نفعهم فإن لم ترض منهم بعض القول فقل حسبهم أنهم يدعون إلى الله ويعلمون الناس الخير لا تشمخ على مبتلى بمعصية واحمد الله ان نجاك مما ابتلاه فربما يصحب عملك عجب يحبطه ويصحبه انكسار وندم وخوف من ذنبه يغفر الله له بسببه أيها الجيل الحكمة أبت إلا أن تسكن قلبا متواضعا وأن تهجر قلبا ملئ كبرا فالزرع ينبت في السهل ولا ينبت على الصفا . من علا بعلمه وخلقه وتواضعه لن يهبط ومن علا على قوائم الكرسي وأعناق الرجال فأحري به أن يسقط وبقدر الصعود يكون السقوط أيها الجيل مقادير العباد لا يعلمها حقا إلا بارئ العباد قد يكون العبد عزيزا في أعين الناس وهو عند الله بأخبث المنازل وقد يكون حقيرا في أعين الناس وهو عند الله بأعلى المنازل انتسب رجلان على عهد موسى كما صح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال أحدهما انا فلان ابن فلان وعد تسعة فمن أنت لا أم لك ؟ فقال الآخر أنا فلان ابن فلان ابن الإسلام فأوحى الله لموسى أن قل لهذين المنتسبين أما أنت أيها المنتسب إلى تسعة في النار فأنت عاشرهم أما أنت أيها المنتسب إلى اثنين في الجنة فأنت ثالثهم ليست العبرة بالنسب ولا الحسب .