أولا: الإكراه (تعريفه وعناصره) ا. تعريف الإكراه ص (۱۸۷)، أو رهبة، ص ۲۸٦)، أما مجلة الأحكام الشرعية، فقد عرفته في مادتها رقم ١٥٤٢ بأنه الإجبار على عمل أو تصرف بواسطة أو سجن أو أخذ مال ونحوه أو بتهديد بشيء من ذلك من قادر عليه. ويقال لمن أجبر مجبرًا، ولذلك العمل مكرها عليه، وللشيء الموجب للخوف مكره به". الأساس القانوني لاعتبار الإكراه عيبا من عيوب الإرادة. تأخذ القوانين الحديثة بمبدأ سلطان الإرادة، الذي يقوم على أساس أن الإرادة حرة تصنع ما تشاء من التصرفات القانونية وتعد الحرية شرطا أساسيا لصحة هذه التصرفات، ولذلك عندما تقرر القوانين الوضعية الحديثة بطلان التصرف بسبب الإكراه فإنما ينظرون بشأن ذلك إلى تعييب إرادة الشخص الواقع تحت تأثير الإكراه وما تولده في نفسه من رهبة تدفعه إلى إبرام التعاقد تجنبا للتهديدات التي تمارس عليه من قبل المكره، بغض النظر عن جسامة أعمال الإكراه أو الوسيلة المستخدمة في ذلك، فالمعيار هنا معيار ذاتي شخصي، وعليه، إذا هدد شخص شخصا آخر بتوقيع "السحر" عليه لإيذائه أو ممارسة الحسد عليه، وكان هذا الأخير يعتقد بالسحر أو يؤمن بالحسد فقبل التصرف تحت تأثير الخوف منه - فيعد حينها قد وقع تحت تأثير الخوف الذي عاب إرادته ودفعه إلى التعاقد، ٢. أنواع الإكراه: للإكراه ثلاثة أنواع: الأول، ۱۹۹۸م، ص (٦٩)، ۲۰۰۳م). وحكم هذا النوع من الإكراه؛ سواء في الفقه الإسلامي أو القانوني، وعليه فلا يُعد الإكراه الملجئ عيبا من عيوب الإرادة؛ ۲۰۱۱م، ص (۲۳۳)، إذ يبطل العقد بطلانا مطلقا وهذا قول الجمهور من المالكية والشافعية والحنابلة على خلاف الأحناف (حسني، ۱۹۹۳م). وعلى هذين النوعين نصت المادة (٩٤٩) من مجلة الأحكام العدلية، حيث جاء فيها: الإكراه على قسمين: القسم الأول: هو الإكراء الملجئ الذي يكون بالضرب الشديد المؤدي إلى إتلاف النفس أو قطع عضو، والثاني: هو الإكراه غير الملجئ الذي يوجب الغم والألم فقط كالضرب غير المبرح والحبس غير المديد. الثالث الإكراه الذي يعيب الإرادة ولا يعدمها : فتكون الإرادة موجودة لكنها غير مختارة، ويستوي في هذه الحالة أن يكون الإكراه حسيا ؛ أو يكون نفسيا كالتهديد بالإيذاء أو القتل، أو يكون معنويا يمس السمعة والشرف. لكي يعتد بالإكراه كعيب في الإرادة، ومن ثم يجوز لمن وقع عليه الإكراه أن يطالب بفسخ العقد أو بطلانه، أحدهما: العنصر المادي المتمثل في استعمال وسائل للإكراه تهدد بخطر محدق والثاني هو العنصر المعنوي الذي يقصد به القصد أو النية للوصول إلى غرض غير مشروع. العنصر المادي في الإكراه هو عبارة عن الوسيلة التي تستخدم في الإكراه وما يجب أن تحدثه في نفس المكره من أثر الصده، ١٩٦٠م)، فيجب إذن لقيام هذا العنصر أن يقوم المكره باستخدام وسيلة للإكراه تهدد المكره بخطر جسيم؛ سواء عليه أو على ماله أو على غيره؛ يترتب عليها تولد الرهبة والخشية في نفسه، وهذا يعني أن الإكراه ليس على صورة واحدة وإنما له العديد من الصور المكونة للعنصر المادي فيه؛ وهي على النحو التالي: الإكراه الحسي والإكراه النفسي يعرف الفقه الإكراه الحسي بأنه هو الذي تقع وسيلة الإكراه فيه على جسم المكزه كالضرب والتعذيب، أما الإكراه النفسي فهو الذي تقتصر وسيلته على مجرد التهديد بإلحاق الأذى؛ سواء بالمكره نفسه أو بغيره في الجسم أو النفس أو الشرف أو المال (الصده ١٩٦٠م). والإكراه النفسي هو الأكثر وقوعًا من الناحية العملية، ومن الأمثلة التي يضربها الفقه لذلك: تهديد شخص بالضرب أو الجرح أو تشويه الخلقة، أو تهديده بخطف أحد أبنائه أو قتله، وكذلك يُعد إكراها نفسيا تهديد الشخص بنشر صور فاضحة له أو تشويه سمعته وشرفه، ففي جميع هذه الصور نجد أن الأذى لم يقع بعد وما زال محض تهديد يمارسه المكره على المكره ولا فرق من الناحية القانونية بين كلا النوعين من الإكراء؛ فكلاهما يعيب إرادة المكره ويجعل العقد قابلا للبطلان لمصلحته. النفوذ الأدبي: النفوذ الأدبي يقصد به الخشية الواقعة من صاحب سلطة في نفس المكره، ومن أمثلة النفوذ الأدبي نفوذ الوالدين على أبنائهما، وشوكة الزوج على زوجته، وسلطان الرئيس على مرؤوسه، وتعظيم رجال الدين من قبل المتدينين، فهذه جميعها قد تكون مجرد احترام قد يولد خشية في النفوس، غير أنه إذا اقترن ذلك الاحترام والتوفير بوسائل إكراه أخرى كانت هي السبب في بعث الرهبة والخشية في نفس المتعاقد - فيمكن القول بوجود الإكراه في هذه الحالة، ومثال ذلك: تهديد الزوج لزوجته بتطليقها إن لم تقم بالتنازل له عن ملكية بيتها، وتهديد الأب لابنه بالمنع من التعليم إن لم يقم بتطليق زوجته. وفي كل الأحوال، إذا اقتصر الأمر على مجرد النفوذ الأدبي وكان من شأن هذا النفوذ أن يدفع الشخص إلى إبرام عقد ما كان ليبرمه لولا تأثره بذلك النفوذ وخشيته من صاحبه - جاز له المطالبة بإبطال العقد أو فسخه بحسب الأحوال للإكراه الصده، ١٩٦٠م). اشتراط الرهبة في نفس المكره لقيام حالة الإكراه لكي يكتمل العنصر المادي في الإكراه، لا بد من أن تولد الوسائل المستخدمة فيه الخشية أو الرهبة في نفس المكره؛ والعبرة بجسامة الرهبة لا جسامة الوسائل المستخدمة في الإكراه، فالمعيار ذاتي كما أسلفنا، فالإنسان الساذج قد يخشى أشياء يسخر منها الإنسان العادي، وكذلك المرأة بطبيعتها الخلقية قد تخشى أمورًا يراها الرجل عادية، بالإضافة إلى أنه يتم مراعاة الظروف المحيطة في تقدير جسامة الرهبة المتولدة في نفس المكره، كظرف الليل، ومكان التهديد، وكلها أمور تخضع لتقدير قاضي الموضوع. ولا يشترط أن يكون الخطر الجسيم المحدق واقعا على الشخص نفسه أو ماله أو عرضه، وإنما يمكن أن يكون وشيك الوقوع على الغير، ويستوي في هذه الحالة أن يكون هذا الغير بينه وبين المكزه صلة قرابة من عدمه فكما يقولون "رب" أخ لك لم تلده أمك"، أما إذا كان الإكراه واقعا على غير ذوي القربى ففي هذه الحالة يشترط للمطالبة بإبطال العقد للإكراه أو حتى فسخه إثبات أن الخطر الذي هدد هذا الغير ولد رهبة وخشية في نفس المتعاقد مما دفعه إلى التعاقد. العنصر المعنوي في الإكراه ويقصد بالعنصر المعنوي هنا، اتجاه إرادة المكره إلى تحقيق غرض غير مشروع من خلال استخدام وسائل الإكراه، وبناء عليه لا يُعد إكراها ما أراد المكره من خلاله تحقيق مصلحة أو غرض مشروع حتى ولو كانت الوسيلة المستخدمة غير مشروعة، ولذلك فنحن أمام فرضيات أربع لا خامس لها : وهذا يُعد إكراها معيبًا للإرادة، ومثالها : أن يهدد شخص آخر بحرق بيته إن لم يبرم معه العقد. الفرضية الثانية: استخدام وسائل مشروعة لتحقيق أغراض غير مشروعة، وهذا أيضًا يُعد إكراها معيبًا للإرادة، ومثالها : أن يهدد الدائن مدينه بالمطالبة القضائية بالدين إن لم يقم بزيادة مبلغ الدين. الفرضية الثالثة: استخدام وسائل مشروعة لتحقيق أغراض مشروعة، فهذا لا يُعد إكراها معيبًا للإرادة، ومثالها : أن يهدد الدائن مدينه بشهر إفلاسه إن لم يقم بسداد الدين في موعده. الفرضية الرابعة: استخدام وسائل غير مشروعة لتحقيق أغراض مشروعة، فهذا لا يُعد إكراها أيضًا ما لم تكن الوسائل غير المشروعة تشكل جريمة جنائية، إذا ما توافر في الإكراه عنصراه المادي والمعنوي على النحو الذي عرضنا له في المحاضرة الأولى من هذه الوحدة، وأن يكون الإكراه صادرا من المتعاقد الآخر أو أن يكون على علم به الشرط الثاني، بالإضافة إلى أنه يجب أن يكون المكره قادرا على تحقيق تهديده وتنفيذه (الشرط الثالث)، ويشترط أخيرا أن يغلب على ظن المستكره تنفيذ المكره لتهديده (الشرط الرابع). الشرط الأول: أن تكون الرهبة المتولدة عن الإكراه هي التي دفعت المكره إلى التعاقد : ذكرنا سابقا أن الذي يعيب الإرادة في الإكراه ليس وسائل الإكراه المستعملة للضغط على إرادة المتعاقد الآخر، وإنما ما تولده تلك الوسائل من رهبة في نفس المكره تدفعه إلى التعاقد رغما عنه خشية التخلص من التهديد أو الخطر المحدق الذي سيلحق به إن لم يقم بإبرام العقد. وبناء عليه، لا يجوز المطالبة ببطلان العقد أو فسخه إلا إذا كان المكره قد تعاقد تحت سلطان أو تأثير هذه الرهبة، وهذه هي المسألة الجوهرية في العقد. (الصده، (١٩٦٠م) وكما ذكرنا سابقا، المعيار في تقدير ما إذا كانت الوسائل المستعملة في الإكراه تولد الرهبة من عدمه في نفس المكره معيار ذاتي يختلف من شخص إلى آخر، بحسب الجنس والسن والحالة الصحية والحالة الاجتماعية وأي ظروف أخرى قد تؤثر في جسامة الإكراه. ولا يشترط للطعن بإبطال العقد أو فسخه بسبب الإكراه أن يكون الخطر أو الأذى المهدد به قد وقع بالفعل؛ بل يكفي أن يكون مجرد تهديد بوقوع أذى وشيك بالشخص المكره، وعليه، فإن إعمال هذا الشرط يتجاهل بعض التوجهات الفقهية التي تؤسس بطلان العقد للإكراه على أساس الخطأ الواقع من المكره الذي يمارس وسائل الإكراه للوصول إلى غرض غير مشروع، إذ لا ينظر إلى جسامة الوسائل المستخدمة في الإكراه ولا إلى مشروعيتها من عدمه، وإنما العبرة بالغرض أو الغاية التي يسعى من يمارس تلك الوسائل إلى الوصول إليها، والتي يجب أن تكون كما أسلفنا غير مشروعة، فإذا كانت الرهبة والخوف الذي ولدته وسائل التهديد في نفس المكره هي التي دفعته إلى التعاقد فيمكن القول هنا بوجود عيب الإكراه، لكن شريطة أن يكون الإكراه صادرا من المتعاقد الآخر أو على الأقل على علم به، وهذا ما نعالجه في الشرط الثاني من شروط الإكراه. الشرط الثاني: اتصال الإكراه بالمتعاقد الآخر سواء كان صادرا عنه أو كان على علم به بعض القوانين الوضعية القديمة كانت تفرق بين الإكراه الواقع من المتعاقد نفسه والإكراه الواقع من الغير على علم من المتعاقد الآخر، فكانت تجعل العقد قابلا للبطلان في الحالة الأولى، ولا يُعد كذلك في الحالة الثانية، غير أن تلك القوانين عدلت عن هذا التوجه وأصبح يمكن للمكزه المطالبة بإبطال العقد؛ وهذا الشرط يقتضيه مبدأ حسن النية، فلو تم إبطال العقد رغم ذلك لوجب له التعويض، وخير تعويض له بقاء العقد صحيحًا، وينتقد الفقه اشتراط أن يكون الإكراه الصادر من الغير متصلا بالمتعاقد الآخر أو كان على علم به، إذ من شأن ذلك أن يجعل شروط عيب الإرادة لازمة في إرادة أخرى غير الإرادة المعيبة، وذلك من خلال اشتراط علم المتعاقد الآخر الذي لم يقع عليه الإكراه بالإكراه، وكان من الأولى النظر فقط إلى إرادة الطرف الواقع عليه الإكراه وليس إلى أي إرادة أخرى سواها. وقد عدلت العديد من القوانين الوضعية عن هذا الشرط كالقانون المدني الفرنسي الصادر عام ١٨٠٤م الذي أصبح يأخذ بالإكراه كعيب للإرادة حتى ولو كان صادرًا من الغير ولم يشترط علم المتعاقد مع المكره بذلك. هل يقوم الإكراه في حالة الضرورة؟ يراد بحالة الضرورة هنا أن ظروفا تتهيأ مصادفة فيستغلها المتعاقد للضغط على إرادة المتعاقد الآخر وحمله على التعاقد، ومثالها : أن يحترق منزل وفي داخله زوجة الرجل وأبناؤه فيطلب المنقذ مبلغا كبيرا من المال مقابل إنقاذهم، مما يضطر الأول إلى الموافقة تحت وطأة حالة الضرورة. الرأي الأول: فذهب البعض إلى القول بعدم قيام الإكراه كعيب في الإرادة هنا، ومن ثم لا موجب لإبطال العقد بسبب الإكراه. وسندهم في ذلك، أن وسيلة الإكراه يجب أن يهيئها ويرتب لها شخص لإجبار المتعاقد الآخر على التعاقد دون إرادته، فإذا ما تهيأت تلك الظروف مصادقة فاستغلها أحدهم، إلا أنهم اختلفوا في تحديد طبيعته القانونية؛ ما إذا كان إكراها يترتب عليه انعدام الإرادة ومن ثم بطلان العقد، وإنما تم انتزاعه من صاحبه كرها، ولا يمنع من ذلك كون الأخطار التي تهدد المكره أخطارًا خارجية غير صادرة عن المكره ما دام هذا الأخير قد استغلها للضغط على إرادة المكزه وحمله على التعاقد الصده، ١٩٦٠م، ص ٢١٦). الشرط الثالث: أن يكون المكره قادرًا على تحقيق تهديده وهذا الشرط لم تأخذ به العديد من القوانين الوضعية، إلا أن القوانين ذات الأصول الإسلامية أخذت به تطبيقا لأحكام الشريعة الإسلامية فاشترط أبو حنيفة لاعتبار الإكراء أن يكون صادرا عن ذي سلطان؛ لأن المستكره بإمكانه أن يفزع إلى السلطان ويستجير به في هذا الشأن، وهذا على خلاف ما أخذ به باقي الأئمة الذين يرون أن الإكراه يتحقق؛ سواء صدر من السلطان أو غيره (داود، ۲۰۱۱م). الشرط الرابع: أن يغلب على ظن المستكره تنفيذ المكره ما هدد به ويكفي لتحقق هذا الشرط أن يغلب على ظن المستكره أن المكره سيوقع عليه التهديد ويلحق به الأذى الذي يتعهده به، إذ لا يشترط التأكد والقطع في هذه الحالة، فإذا ظن المتعاقد المستكره، وغلب على أكثر ظنه أنه إن لم يستجب إلى ما دعي إليه فإن المكره سينفذ ما توعده به كالزوجة التي يتوعدها زوجها بالطلاق إن لم توقع له على عقد بيع بيتها إليه، وكان قد طلقها قبلها مرتين فيغلب على ظنها أنه سينفذ تهديده إن لم تنفذ له ما يريد. ٢- جزاء الإكراه يختلف حكم الإكراه في القانون الوضعي عنه في الفقه الإسلامي: ومن ثم يؤدي إلى بطلان العقد من أصله وعدم انعقاده. أما أنصار الإمام أبي حنيفة والفقه المالكي، ومن ثم يترتب عليه توقف العقد وعدم ترتيب نتائجه الشرعية المقصودة (العلايلي، ۲۰۱۱م). في القانون الوضعي بعض التشريعات الوضعية أخذت بالإكراه باعتباره عيبا من عيوب الإرادة، وجعلت العقد المعيب بالإكراه قابلا للبطلان لمصلحة من أكره على العقد فيكون له الحق في التمسك ببطلان العقد، وفي المقابل إذا لم يُجزه فله الحق في فسخ العقد ومن ثم زواله بأثر رجعي واعتباره كأن لم يكن. ثالثا : الغبن وتأثيره على العقد ا. مفهومه ولا يتصور الغين إلا في عقود المعاوضات المحددة التي يعلم فيها كل متعاقد مقدار ما سيأخذ ومقدار ما سيعطي، ينظر فيه إلى ما بين الأداءات المتقابلة من تفاوت في القيمة المادية المحسوبة على سعر السوق، أو ثمن المثل، إذا تجاوزها التفاوت كان الغين موجودا. الاتجاه الأول: لا يعتد بالغبن مهما كانت جسامته وهذا هو مذهب الإمام أحمد بن حنبل والشافعي، الاتجاه الثاني: يُعتد بالغبن الفاحش في حالات معينة؛ وهي الغبن في مال المحجور، أو مال الوقف، وهذا ما نصت عليه المجلة العدلية في المادة ٣٥٦ التي جاء فيها: إذا وجد غبن فاحش في البيع ولم يوجد تغرير ، فليس للمغبون أن يفسخ البيع، إلا إن وجد الغبن وحده في مال اليتيم لا يصح البيع ومال الوقف وبيت المال، حكمه حكم مال اليتيم". وهذا هو مذهب أبي حنيفة، وهذا هو مذهب الإمام مالك، ولعل اشتراط اقتران الغبن بالغلط الاعتباره عيبا في الإرادة ينطوي على نوع من استغلال عدم خبرة المتعاقد المغبون أو غبائه أو رعونته، بغية الحصول على منفعة أو فائدة تؤدي إلى الإخلال بالتوازن العقدي - عينا من عيوب الإرادة الجمال، الغبن في مجلة الأحكام الشرعية: لم تشترط مجلة الأحكام الشرعية اقتران الغبن بأي عيب آخر من عيوب الإرادة؛ سواء الغلط أو التغرير، كسبب يجيز للمتعاقد المغبون المطالبة بفسخ العقد للغبن، فالمرجع فيه العرف، فما يتعارفه التجار غبنا في العادة يوجب الخيار. أما اليسير الذي لا يخرج عن العادة فلا خيار فيه، كذلك نصت المادة ٤٠٨ منها على: يثبت خيار الغين للركبان إذا تلقاهم حاضر فباع أو اشترى بغين فاحش. ع الغبن في القانون الوضعي: العين الموضوعي القاعدة والاستثناء في العين الموضوعي أو المادي المقصود بالغبن الموضوعي (المادي) هو التفاوت المادي بين البدلين في العقود الملزمة للجانبين، وهو عدم التعادل بين الالتزامات المتقابلة في عقود المعاوضة العلايلي، ۲۰۱۱م، ص ٣٧٤). القاعدة الأصل أن الغبن الموضوعي أو المادي الذي يقتصر النقص فيه على الثمن في عقود المعاوضات أو حتى التفاوت في الالتزامات المتقابلة - لا يعد عيبا في معظم القوانين الوضعية، خاصة أن التسعير الجبري نهى عنه الرسول - عليه الصلاة والسلام - حين غلت الأسعار وطلب الناس إليه أن يسعر لهم، فقال: (إِنَّ اللهَ هُوَ الْمُسَعِرُ الْقَابِضُ الْبَاسِطُ الرَّزَّاقِ، وَإِنِّي لأرجو أن أَلْقَى رَبِّي، وبناء عليه، فإن القانون ليس له أن يتدخل بصورة مباشرة من أجل إقامة العدل في العقود. الاستثناء : وعلى سبيل الاستثناء، عدت القوانين الوضعية الغبن الموضوعي عيبا يمنح من وقع فيه الخيار بين الفسخ أو البطلان، العقود التي يكون موضوعها أموال القصر والمحجور عليهم، أو أموال الوقف أو بيت المال. فالربا ما هو إلا نوع من أنواع الغبن. الغبن في بيع العقار: وقد اختلفت القوانين الوضعية في شأن هذه الحالة. الاتجاه الأول: فذهب بعضها إلى إعطاء الحق للبائع للمطالبة بإبطال العقد بسبب الغبن في ثمن العقار، ولم تعط الحق ذاته للمشتري باعتبار أن المشتري لا يضطر إلى الشراء بثمن مرتفع بخلاف من يبيع الذي قد تضطره أوضاع السوق والأوضاع الاقتصادية إلى البيع بسعر بخس أو حتى منخفض، وهذا الجانب من القانون الوضعي لم يشترط أن يكون المغبون بالغا أو قاصرًا، ومن هذه القوانين القانون المدني الفرنسي، والقانون المدني الجزائري الاتجاه الثاني: يتفق هذا الاتجاه من القوانين الحديثة مع الاتجاه الأول في جواز المطالبة بفسخ العقد للغين الموضوعي إن كان محل البيع عقارا، كما يتفق الاتجاهان في اشتراط قصر هذا الحق على البائع دون المشتري، إلا أن هذا الاتجاه يقصر هذا الحق في حالة واحدة وهي إذا كان العقار مملوكا لشخص لا تتوافر فيه الأهلية، بمعنى كان ناقص الأهلية، ه. تقدير الغبن لم يحدد الفقه الإسلامي مقدارًا معينا للغين، وإنما ترك الأمر للعرف، وعلى ذلك نصت مجلة الأحكام الشرعية في مادتها رقم ٤٠٧ التي نصت على: "ليس للغين حد شرعًا فالمرجع فيه العرف . وعلى ذلك جمهور الفقهاء، باستثناء بعض الحنابلة الذين يحددون الغين برقم حسابي ثابت كالثلث أو السدس، وهذا رأي غير مألوف لخروجه عن الرأي المشهور في المذهب العلايلي، ۲۰۱۱م). فيكتفى في الفقه الإسلامي أن يكون الغبن فاحشا، أما إذا كان يسيرا فلا يعتد به. أما القوانين الوضعية، ومن هذه القوانين القانون المدني اللبناني وقانون المعاملات المدنية الإماراتي وغيرهما. ومنها من حدد الغبن برقم معين ثابت كالخمس أو الثلث، وفي هذه الحالة يتم تقدير الغين على أساس قيمة الشيء الحقيقية أو ثمن المثل. 1. أثر الغبن على العقد وفقا لأحكام الشريعة الإسلامية، إذا توافرت حالة من حالات الغين كان لمن وقع فيه الخيار بين أن يفسخ العقد أو يمضيه وعلى ذلك نصت المادة ٤١٣ من مجلة الأحكام الشرعية التي نصت على للمغبون خيار الفسخ والإمساك، وإذا اختار الإمساك لا يستحق أرشا"، كما نصت المادة ٤١٦ منها على: إذا علم المغبون بالغين فرضي، أو تصرف في المبيع تصرفا دالا على الرضا سقط خياره"، وهذا يعني أن استعمال المغبون الخيار الإمساك يُقبل أن يُعبر عنه صراحة أو ضمنا، من خلال اتخاذ موقف معين لا يدع مجالا للشك في نية صاحب الإرادة. أما القوانين الوضعية، ومن هذه القوانين القانون المدني المصري والجزائري والسوري وغيرها. وبعضها الآخر أجاز للمغبون الحق في المطالبة بفسخ العقد إذا كان الغبن فاحشا، ومن هذه القوانين القانون المدني الأردني والإماراتي وغيرهما. ٧- الغبن ذو الطابع النفسي والأخلاقي (الاستغلال): مفهوم الاستغلال: الاستغلال: أمر نفسي لا يُعد الغبن إلا مظهرا ماديا له، فهو عبارة عن استغلال أحد المتعاقدين للعاقد الآخر نتيجة ما يتميز به الأخير من ضعف، ويتضح من ذلك، الفارق الجوهري بين الغين والاستغلال، فالغين مجرد عدم التعادل بين ما يعطيه المتعاقد وما يأخذه، وهو لذلك لا يتطلب بحثا في نفس أي من المتعاقدين، أما الاستغلال، فهو عمل نفسي يمارسه أحد المتعاقدين على المتعاقد الآخر ويكون من نتائجه عدم التعادل في الالتزامات. ويترتب على ذلك بعض أوجه الاختلاف بين الاستغلال والغين؛ ومن أبرزها: أن الغبن لا يمكن أن يتوافر إلا في عقود المعاوضات، ومن الممكن وجوده في عقود المعاوضات. أن الغبن لا يمكن أن يكون إلا في العقود المحددة التي يعرف فيها كل متعاقد مسبقا مقدار ما سيأخذ ومقدار ما سيعطي، أما الاستغلال فيمكن أن يقع في العقود المحددة والعقود المستمرة على حد سواء. عناصر الاستغلال للاستغلال عنصران أحدهما هو العنصر النفسي، العنصر الأول، العنصر النفسي: فالاستغلال يفترض حالة من الضعف لدى المتعاقد المغبون يستغله المتعاقد الآخر،