الربوة المنسية قصة للكاتب الجزائري مولود معمري"، صاحب هذا الكتاب أخ لنا من أهل الجزائر ولا أكاد أحقق اسمه الذي يحمله كتابه هذا مكتوبا باللغة الفرنسية . وفي الكتاب خصلتان كل واحدة منهما تكفي لتبلغ بالكتاب منزلة ممتازة من الجودة والإتقان وكيف وقد اجتمعنا أحسن اجتماع، والتلفت منهما موسيقى حلوةٌ مُرّة تُرضي القلب والذوق معا؛ فالكتاب دراسة اجتماعية عميقة دقيقة مفصلة مستقصاة تُصَوِّرُ أهل هذه الزبوة في عزلتهم تلك، فلم يكادوا يذكرون أحدًا غيرهم من الناس، وهم يجهلون ما وراء الجبال التي تقوم دونهم، لا يعرفونهم إلا حين يضطرون إلى ذلك اضطرارا وما أقل ما يضطرون إليه .وأنا بعد لم ألم إلا بالخصلة الاجتماعية لهذا الكتاب، وقد قلتُ إنّ في الكتاب خصلة أخرى رائعة أشدّ الزوعة؛ وهي هذه التي تتصل بحياة جماعة من الفتيان فيما بينهم من جهة، وفيما بينهم وبين أنفسهم من جهة أخرى؛ وَهُمْ فِتْيَةً تختلف حظوظهم من الغنى والفقر، ولكنّهم على ذلك متقاربون أشد التقارب، تجمع بينهم قبيلتهم وتجمع بينهم سنهم ويجمع بينهم اشتراكهم في جد الشباب ولعبه. هم ينسون ما بينهم من الفروق حين يلتقون ليلعبوا أو يَسْمُروا أو يأخذوا في ما شاء الله أن يأخذوا فيه من فنون الشباب حين يُتاح لهم الفراغ. وَهُمْ جميعًا يَنْعَمُون بالحُب حين يَكُون في نفوسهم أملاً) يُداعبونه ويجدون اللذة في مداعبته والتحدث فيه، وينعمون كذلك حين تتاح لهم بعض لذاته النقية البريئة، يختطفونها اختطافا فتكون لهم متاعا وذخرا . ثم هُم جميعا يشقون بالحُب حين تتحوّل آماله إلى يأس مهلك لا راحة منه ولا سبيل إلى القائه، أو حين تُحقَّق آماله فتملأ القلوب رضى وغبطة، ثم لا يلبث الحرمان أن يمسها بجناحه البغيض فتتحول يأسا مظلما ينتهي بأصحابه إلى الموت.وفي الكتاب كآبة هادئة تصحبه كما يصحبه الحرمان ليست كأبة يأس وسخط وثورة ، رضى بالقضاء وإذعان للخطوب، وانتظار لما يمكن أن يأتي بما يُخْرِجُ هذه الربوة من هذا النسيان الذي يغمرها، ولعل الزمان أن يتيح لهم حياة يشاركون فيها مؤثرين لا متأثرين فحسب، وعاملين منتجين لا مذعنين خاضعين لما يُلِمُّ بهم من الصروف ما أشدّ إعجابي بهذا الكتاب الذي لا أنكر من أمره شيئا إلا أنه لم يكتب بالعربية، وكان خليفا أن يُكتب بها. ولكن هذا عيب لا يُؤخذ به الكاتب، وإنّما يُؤخذ به الاستعمار، وما أكثر ما يُؤخذ به الاستعمار من العيوب والذنوب. طه حسين - يتصرف -من كتاب تقد وإصلاح ص 46 وما بعدها.شرح لغوي: إذعان للخطوب: رضوخ للمصائب