خطاب جلالة الملك عبدالله الثاني في الجلسة العامة للدورة السبعين للجمعية العامة للأمم المتحدة كلمة جلالة الملك خلال الدورة الـ70 للجمعية العامة للأمم المتحدة (الكلمة كاملة) | RHCJO أصحاب الجلالة والفخامة والمعالي، ويطيب لي أن أخاطبكم من على هذا المنبر الدولي ممثلا للأردن، وأبناؤكم وبناتكم، كما نتطلع إليه جميعا، يتعرض لتهديد خطير من الخوارج، أولئك الخارجين عن الإسلام وقيمه الإنسانية النبيلة، فهم يستغلون الاختلافات الدينية لتقويض أسس التعاون والتراحم بين بلايين الناس، من جميع الأديان والطوائف، كما تستغل هذه العصابات، والأسوأ من كل ذلك، أنهم يمنحون أنفسهم مطلق الحرية لتحريف تأويل كلام الله وتبرير جرائمهم البشعة. إننا مجمعون اليوم على ضرورة هزيمة هذه العصابات. دعونا نسأل: ماذا لو لم تتم هزيمتهم؟ وكيف سيكون عالمنا حينها؟ وهل يمكن أن نرضى بمستقبل يسوده القتل الجماعي، وحيث الإرث الحضاري والثقافي للإنسانية جمعاء، والذي تم الحفاظ عليه لآلاف السنين، يدمر بشكل ممنهج؟ لقد وصفتُ من قبل ما يشهده عالمنا اليوم بأنه حرب عالمية ثالثة، ويجب أن تكون استجابتنا لها بحجم التحدي، الأمر الذي يتطلب عملا دوليا وجهدا جماعيا على مختلف الجبهات. ويجب أن نكون جميعا على يقين بأن الجبهة الأكثر أهمية في هذه الحرب تدور رحاها في ميادين الفكر، وعلينا جميعا أن نوحد الصفوف كمجتمع إنساني في هذه الحرب. وتجسيدا لذلك، و"الأسبوع العالمي للوئام بين الأديان"، والأخيرة اعتمدتها الأمم المتحدة، قبل أربع سنوات، كحدث سنوي يهدف إلى تشجيع الناس عموما، أن نسهم في بناء هذا الطريق. واسمحوا لي أن أقترح هنا سبع خطوات أساسية لتحقيق ذلك. لأننا، "ورحمتي وسعت كل شيء" (الأعراف 156). فخلال إحدى جولاتي مؤخرا، لافتة أخرى بنفس العبارة، ثم أخرى مماثلة، ثم ثالثة، أما الأخيرة فكانت تقول: "أو الجحيم هو المأوى". سواء في المدارس أو الخطب الدينية أو حتى في علاقاتنا الدولية. ثالثا، وما أعنيه هنا ألا نقف عند أداء بعض الفرائض فقط من صلاة وصيام وزكاة، في كل ساعة من مطلع يوم جديد، ونحترم من يختلف معنا وأن نرعى أطفالنا. فكل واحد منا يمكنه القيام بشيء يعكس مبادئ إيماننا بخالقنا. رابعا، الاعتدال ونقاءه. علينا أن نكشف الزيف والخداع على حقيقته. بل إلى دوافع المتطرفين في جميع أنحاء العالم، نجد أن شهوة السلطة والسيطرة على الناس والأموال والأرض هي محركهم. وهل هناك ما هو أسوأ من تحريف كلام الله لخدمة أجنداتهم؟ وهل هناك أدنى من استغلال الضعفاء والأبرياء لتجنيدهم؟ وعلينا أن نتذكر هنا أن المجتمع الإسلامي العالمي يضمّ مليارا وسبعمائة مليون من الرجال والنساء الصالحين، أما العصابات الخارجة عن الإسلام والتي نراها اليوم تعيث فسادا في الأرض، يتوجب علينا نحن حماية ديننا وقيمه النبيلة. وهذا واجبنا. سادسا، لكن الاعتدال لا يعني قبول من يسيئون للآخرين ويرفضون كل من يختلف معهم. وحربنا العالمية اليوم ليست بين الشعوب أو المجتمعات أو الأديان، بل هي حرب تجمع كل المعتدلين، من جميع الأديان والمعتقدات، ضد كل المتطرفين من جميع الأديان والمعتقدات. وعلى قادة كل الدول والأديان والمجتمعات جميعا أن يتخذوا موقفا واضحا وعلنيا ضد التطرف مهما كان نوعه أو شكله. ولا مكان أهم وأكثر تأثيرا لتجسيد هذا الاحترام والتعايش من مدينة القدس، وهنا نضم صوتنا إلى المسلمين والمسيحيين في كل مكان رافضين التهديدات التي تتعرض لها الأماكن المقدسة والهوية العربية لهذه المدينة. أصدقائي، أما الخطوة السابعة فتتعلق بالتواصل. ففي عصرنا هذا، يحدد التواصل كيفية العيش والتفاعل، سواء في أعمالنا أو مجتمعاتنا أو مدارسنا وسائر جوانب حياتنا. فقبل سنوات قليلة فقط، فكان يقال "انترنت الكمبيوتر"، لكن الأهم من كل ذلك هو مفهوم "انترنت الإنسانية"، والذي يتمثل في أعلى درجات التواصل الذي يوحد ضمائرنا ويجمعنا على قضية واحدة. نقر بأن فاعلية العمل الجماعي تتجاوز بكثير قوة أي مجهود فردي. ويجب على الجمعية العامة للأمم المتحدة أن تعالج القضايا العالمية الملحة، وتعزز من إمكانية التوصل إلى حلول سياسية سلمية للأزمات الإقليمية. بما فيها الأونروا، والمفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين، وبرنامج الغذاء العالمي. تلاحقنا صور الآلاف من اللاجئين على شواطئ وحدود أوروبا، الساعين وراء الأمل بعيدا عن وطنهم. لقد واجهنا في الأردن هذا التحدي منذ بداية الأزمة السورية، حيث يشكل اللاجئون السوريون لوحدهم اليوم 20 بالمائة من سكان المملكة. وقد أخذنا على عاتقنا منذ البداية جزءا كبيرا من عبء هذه الكارثة الإنسانية، إلا أن الدعم الذي تلقاه الأردن لا يشكل إلا جزءا بسيطا من الكلفة التي تحملناها. وقد آن الأوان ليتحرك المجتمع الدولي بشكل جماعي لمواجهة هذه الأزمة الإنسانية غير المسبوقة، اللذين تحملا وطأة هذا العبء خلال السنوات الأربع الماضية. يجب أن نعمل بشكل جماعي في جميع المجالات التي ذكرتها، ويجب أن نتواصل مع بعضنا البعض لما فيه خير الجميع. فهذه القيم والروابط المشتركة هي مصدر قوة الأمم المتحدة،