يعتمد الماديون في الانكار والايمان على حواسهم وما تصل إليه ادواتهم وأجهزة معاملهم في المختبر على ما في طبيعة الحواس من نقص وعجـز لا ينفع معه المختبر وأدواته، ناهيك عن أخطاء الحواس فيما تصل إليه . الصنعة وليس من شأنها أن تري العين ماليس من طبيعة العين أن تراه فكل ما كان مخلوقاً بحيث إن طبيعة العين وتركيبها وعدستها لايمكن أن تراه فعدسات المجهر وأدوات المختبر لا يمكن أن تريه للعين. ويري حركاتها وسكناتها ولكنه ليس من الممكن أن يري الحياة المسيطرة على الخلية والتي تؤثر فيها التأثير كله وكل عدسات المختبرات وأدواتها لا يمكن أن تظهرها لأنه ليس من طبيعة العين وتركيبها أن تراها . إن المقربات وعدسات التلسكوبات وآلات واجهزة الرصد، يمكن ان ترينا كثيراً من النجوم الغابرة والتي لا يصل نورها الى العين، ولكن هذه الآلات والاجهزة عاجزة عن أن ترينا الأشعة فوق البنفسجية وأمواج الأثير وبعض الأمواج الضوئية الاخرى التي تملأ الوجود بل وهذه كلها عاجزة عن أن ترينا الكهرباء أو ترينا المغناطيسية، وان هناك في الكون كما يقول العلماء الباحثون أصواتاً غير مسموعة تملأ الوجود لايمكن ان نسمعها لان درجة تذبذبها لا يمكن ان تستجيب لها الحاسة . فانظر إلى عبث هؤلاء حينما يريدون ان يقحموا في المختبرات ما ليس من طبيعته أن يدخل تحت العدسة أو بين الآلة. وإن من هؤلاء الماديين طائفة صاحبة فلسفة خاصة تذهب أبعد مدى من ذلك، فهي تريد ـ كما قال بعضهم أن تدخل الصدق في المعمل وتقيس حجمه وشكله وطعمه وذوبانه في الماء وتبلوره وقابليته للاشتعال مثلاً! ولما كان هذا ليس من الممكن طبعاً فلتنكر الصدق ولتبعده من حسابها ولتنكر معه جميع الأخلاق . قلنا ان الماديين لا يؤمنون إلا بما تصل اليه حواسهم، واعترف العلماء الفلكيون بوجود كوكب رفيق الشعرى قبل أن يراه الفن كلارك ودون أن يروه هم أنفسهم ، وكان دليلهم على وجـوده اليقيني هو إنجذاب كوكب الشعرى نحوه والجذب من الخواص الميكانيكية للمادة فاستنتجوا أن هناك كوكباً خفياً يجذبه وهذه هي أحكام العقل الصحيحة. ثم هم هؤلاء الماديون - كما يقول احد العلماء - هل رأوا المادة؟ ومتى رأوها ؟ هل رأوها بعيونهم ولمسوها بأيديهم؟ إنهم ما رأوها ولن يروها، وما لمسوها ولن يمسوها لأن الأحساس سواء كان بالرؤية أو باللمس لا يتعلق بنفس المادة بل بأعراضها. فالرؤية تتعلق باللون دون الملوّن الذي هو الجسم، فبالرؤية لا يتمكن أن يرى نوع المادة. فلو عرضت عليك قطعتان من الشب ومن حامض الليمون المتبلور فأن الرؤية لاتسعفك وحدها بأن تتعرف على هاتين المادتين على ما فيهما من اختلاف كبير في التركيب، وإنها لا تزودك إلا بأنهما قطعتان بيضاوان متشابهتان كما إنك لو لمستهما لما استطعت أن تميز بينهما حتى ولا بین قطعة صغيرة من رخام متبلورة. ماذا وجدوا فيها وعلى ما تحتوي في داخلها؟ إن نتيجة هذا التحليل - كما يقول المختصون - انتهت إلى انه ليس للذرة تركيب مادي تتقوم به، وإنما هناك مجالات كهربائية وشحنات سالبة وموجبة ليس غير ولم يعثروا فيها على شيء مادي مطلقاً. فليس هناك شيء اسمه مادة وإنما كل ما هنالك شحنات ومجالات كهربائية موضوعة ومنظمة بشكل خاص. مركباً من نواة جامدة وغلاف يدور حولها كما تدور السيارات حول الشمس وتبين ان هذا الغلاف الذي هو جزء من تركيبها ما هو إلا شحنة كهربائية سالبة . electron مجردة عن كل حامل مادي وانه يمكن فصله عنها بقوة إشعاعية أو بتسخين هائل. تلك النواة نفسها التي كانت تعد الى عهد قريب متماثلة الاجزاء أعني ذات قوة ايجابية فحسب proton قد ظهرت الآن مركبة في دورها من نوعين من الكهرباء موجب وسالب وثبت انه من الممكن تحطيمها وفصل أجزائها، وإن القوة الاشعاعية الهائلة التي تستنبط من هذا التحطيم يمكن استخدامها في إصلاح الكون وتعميره، وتنكشف المادة عن أصلها الاصيل، المهدم وهكذا يقترب عالم المادة رويداً رويداً من عالم المجردات، كما اتصل به من جهة حده الأعلى، وهو غيب يؤمن به العلم وان لم يره لأنه يحس أثره، وهكذا وضع بيده اللبنة الأولى في القاعدة التي تقوم عليها الأديان . فلتهنأ النظريات المادية إذن بهذه الاكتشافات، ونراهم يعلنون أنها تتألف من شحنات كهربائية متعددة، ومن ثم كانت طبيعة المادة وتكوينها مسألة استنتاجية فقط إذن فمم يتكون الكون المادي؟ الواقع إننا لاندري ، وما نراه حين ننظر إلى منضدة أو كرسي مثلاً إنما هو اهتزازات عدد ما اهتزازات عدد ما من الالكترونات وهي تدور بسرعة هائلة حول مركز يسمى النواة وتتألف المادة من ذرات، قلنا ان الحواس تعجز وتقصر عن ان توصل الينا جميع الموجودات بله ان هناك أخطاء قد تقع فيها الحواس . لا ترى الأجسام البعيدة كما لا ترى مع الأشياء الدقيقة والقريبة فهي لا تتبين سطور الكتاب وكلماته وحروفه إن قربته إليها تقريبًا شديدًا إضافة إلى أنه ليس كل ما لا تراه العين غير موجود فهي لا ترى اللوح الزجاجي الصافي ولا الماء الرائق في القدح مع موجودان . بل الأمر أبعد من ذلك في حاسة البصر، فإنه ليس كل ما تراه العين يقتضي الوجود. فحتى الذي تراه العين لا يقطع بوجوده. وهناك بعض الحالات الهستيرية الشديدة يرى المريض بها أشباحا تهدده أو تسخر منه أو تزعجه ويسمع أصواتا لا وجود لها في حس غيره». ويذكر علم النفس التربوي طريقة في خداع البصر يسميها (الطريقة الذاتية وهي : أنك إذا رسمت دائرة سوداء قطرها اسم مثلاً في حائط، فليس إذن كل مالا تراه العين غير موجود ولا كل ماتراه العين موجوداً. ثم إن العين قد ترينا الصغير كبيراً والكبير صغيراً، . وقد ترينا الساكن متحركاً والمتحرك ساكناً فليس كل ماتراه العين متحركاً يلزم أن يكون كذلك، ولا كل ماتراه العين ساكناً يلزم سكـونـه . ورب اجسام متحركة تراها العين ساكنة لبطء حركتها الشديد أو لسرعتها الهائلة . فهي لاترى حركة عقرب الساعة وحركة الظل كما لاترى حركة نمو الشعر ولا حركة نمو الصبي وكلها حركات مستديمة وكما انها لاتحس الحركة البطيئة فهي لاترى الحركة السريعة إذ هي لاترى حركة بعض آلات وعجلات المكائن وتحسبها ثابتة لسرعتها الهائلة والتي تبلغ احياناً اكثر من اثني عشر بل وقد لاترى حركة (دوامات الصبيان) التي يلعبون بها فتدور حول نفسها بسرعة كبيرة فهل يعول بعد هذا على حاسة البصر فيما تصل إليه؟ أما الاذن فهي أضيق مدى من العين فلا تسمع الاصوات البعيدة والخافتة. فالكون كما قرر العلماء مليء بأصوات مختلفة إلا اننا لا نسمعها لان الحاسة وكما انها لاتسمع الأصوات الخافتة فهي كذلك لاتسمع الأصوات الشديدة الهائلة. ففي تفجر القنابل الذرية مثلا يقول المجربون إنهم لا يسمعون إلا الصرخة الأولى تصم آذانهم ولا يسمعون مايجري بعدها من تفرقعات عظيمة وانفجارات هائلة مع أن آلات التسجيل تسجل ارقاماً عالية وتعليل هذا واضح يكاد يعرفه كل احد فان اوتار كورتي داخل الأذن معدودة تسمع درجة تذبذبات محدودة علواً وانخفاضاً شدة وخفوتاً. فكل صوت درجة تذبذبه اكثر أو اقل مما تستطيع الأوتار أن تتأثر به فهو غير مسموع بالنسبة إلينا. وقد تكون عدة اصوات متقاربة، فالانسان يسمع احياناً هواتف في نفسه يخيل إليه أنها تدعوه، ويسمع حفيفاً أو طنيناً قرب اذنه وهو ليس بمـوجـود. أما حاسة اللمس فهي اضيق مدى من الحاستين الأوليين، وهي لا تكاد تعمل إلا بما يتصل بها اتصالاً مباشراً، أما إذا انفك الجسم عن هذه الحاسة فهي لاتكاد تعمل شيئاً لضيق مداها . وأما الذوق فهو اضيق من حاسة اللمس . هذه فهو لا يتذوق إلا ما يلمس وليس كل ما يلمس يستطيع أن يتذوقه. فهناك مواد يقال عنها إنها عديمة الذوق أي لاتعمل فيها الحاسة . فلو جئت بمادتين احداهما صادقة الحلاوة والأخرى اقل منها وطعمت الأولى وتبعتها بالثانية فانك لاتعرف مدى حلاوة الاخيرة. ولو طعمت مادة ملحة وتبعتها بأخرى اقل منها ملوحة أي لاتعمل فيها الحاسة . فلو جئت بمادتين احداهما صادقة الحلاوة والأخرى اقل منها وطعمت الأولى وتبعتها بالثانية فانك لاتعرف مدى حلاوة الاخيرة . ولو طعمت مادة ملحة وتبعتها بأخرى اقل منها ملوحة لأحسستها عديمة المذاق. اضافة إلى ان هذه الحاسة شديدة التأثر ما إن اصاب الانسان حمى إلا واحس بها الماء العذب مراً علقماً . بل ان هاتين الحاستين اللمس والذوق لا تستطيعان أن تعملا في كثير من المواد لتأثيرها عليهما . أفبعد كل هذا لا نؤمن إلا بما تؤمن به الحواس ،