هو التاريخ الجسدي واللغوي لتحولات المجتمع، فعن طريق المسرح تختزل الحياة عبر مشاهد زمنية تجعل من الإنسان معلما حيويا قادرا على تحويل الحياة ونقل فعل اليوميات إلى أشواق وأحاسيس تجعلنا نفهم هذا الكون بكيفية مخالفة لما هو عليه . في مسرحية "وقع الاحذية المتعبة" لسليم بثقة . ففي هذا العمل الفني المتواضع في لغته وبنائه اشتغال فكري وجمالي يؤسس لمشهد مسرحي واقعي استوحاه الكاتب من عمق الحياة وفي جزئياتها الخاصة، وهذا من خلال مشاهد الحراك الشعبي الذي عرفته بلادنا في الآونة الأخيرة، ومن فعل هذا الحراك ارتسمت ملامح غضب الشعب الجزائري الرافض لكل أشكال الظلم والقهر والقمع السياسي بكل أشكاله وألوانه، هي ثورة رسمتها هذه اللغة المسرحية في شكل كتابة جمع فيها المؤلف خيوط النسج المسرحي المستمد من تخييل واقعي، وعليه يمكننا طرح الاشكال التالي : ما علاقة المسرح بالمجتمع؟ وما أثر التحولات الاجتماعية على مسرحية وقع الاحذية المتعبة؟. علاقة المسرح بالمجتمع بل وجهان لعملة واحدة هي الكل الذي لا يتجزأ ، فينصهر في الفن ليولد الإبداع الحقيقي من رحم الاحترافية، فالعلاقة بين الفنان المسرحي والمجتمع علاقة جدلية فهو الضمير الواعي لمجتمعه يستطيع أن يبلور الأوضاع الاجتماعية والسياسية السائدة آنذاك الى نصوص مسرحية تحاكي الواقع وتحمل همومه وآلامه. أن الحديث عن فن المسرح وقضايا المجتمع والعلاقة بينهما ارتبط بالمسرح منذ النشأة ارتباطا وثيقا بالحياة الإنسانية لما له من تأثير في بناء الإنسان ووعيه وذاته ونظرته للحياة مما ينعكس عن سلوكياته بوصفه فردا في الجماعة. فالحدود بين المسرح والحياة الاجتماعية تمر عبر التسامي بالصراعات الواقعية"فالاحتفاء الدرامي هو احتفاء اجتماعي مؤجل ومعلق ، ويدرك الفن الدرامي أنه يزدهر على هامش الحياة الواقعية*. التحولات الاجتماعية في مسرحية وقع الأحذية المتعبة : المتعارف عليه أن الإنسان بطبيعته معروف بحبه لذاته ولأقاربه ، وهو مزود بدوافع تتميز بالظلم والعنف والسيطرة والتسلط فكلها صفات وأخلاقيات أنانية أدت إلى تفشي الفساد في المجتمع تحت ما يسمى بالمحسوبية ولقد عالج المسرح هذه القضايا بصورة حية وبطريقة واضحة لإيجاد حلول للتصدي لمثل هذه الظواهر حكيم:"المعريفة والمحسوبية في كل مكان. صديقنا سليموفيتش أستاذ جامعي وخبرة طويلة في الميدان حرم من الاستفادة من سكن وظيفي . تطور وظيفي للأسباب التي ذكرناها . لأن الأغلبية تملك سكنات خاصة". بشير :الموظف اصبح شحاذا نظيفا يفتش عبثا عن البلاء و الشقاء الذي يسميه السعادة حكيم :يضحك هذه اهانة ما سمعنا بيها من قبل . ما يمكن قرائته في هذا الحوار هو العفوية اللغوية التي تحدث بها الكاتب عن طريق الشخصيات الراسمة للملمح الصراعين بين صوت الجماهير وصوت النخبة المثقفة . فهو تمثيل واقعي بسيط للتكوين النفسي الذي يلف الطبقة المثقفة و التي هي العمود الفقري لهذا الحراك الشعبي. 2*2:قضية التفاوت الاجتماعي التهميش التقاعد: ماذا فعلت لهذا المربي المسكين. جردته من ثوب التقديس والبسته :ثوب التهميش:جردته من الشباب والوسامة والحب:ألبسته ثوب العجز والجهامة والكراهية :هرب منه الجاحد للجميل:ورثى حاله كل متشف بليد. أبرياء ومجرمين . حياته أضحت مسرحية سخيفة كتبها ابله تافه، ويؤدي ادوارها الخائبون الفاشلون والتافهون . انا مريض وعليل من كثرة الاقصاءات والمواقف التي همشنا فيها"*3 سيطرت قضية التهميش على الشخصيات المثقفة في المسرحية مما تولد عنه احساس بالخيبة والعجز شعور بالياس والابعاد خارج دائرة الحياة الطبيعية . يضاف الى هذا النوع من التهميش تهميش اخر يشعر به الفرد بعد اححالته على التقاعد الحال الذي يتحول من النشاط والاجتهاد الى الخمول والملل وقد اشار الها الكاتب في الحوار التالي: وهذا في حد ذاته كنز لا يقدر بثمن ، فكم من الناس يلقون ما نلقى؟ *4 "الحراك الشعبي مظهر من مظاهر الاحتجاج المدني المعاصر ، من مجتمع لاخر ، الا ان طبيعة الحراك واحدةوهي تغيير النظام السائد وبناء دولة مدنية تستجيب لمعايير دولة الحق والمواطنة، وتصبو لتحقيق الحرية وحقوق الانسان"*5 بعد تعرية هذه المشكلات الاجتماعية التي تواجه افراد المجتمع. وكلنا ممسك بالمفتاح . ويتبادلون النظرات. سنواصل الحراك. سنواصل الحراك. *6 نفهم من خلال الحوار أن الشعب يتفق مع الطبيعة السلمية لهذا الحراك، الذي يحمل في ثناياه ارتقاء للوعي المجتمعي بصياغة مطالب بحجج اقناعية من خلال الشعارات الساخرة. والشعب الجزائري يعلن للعلن عدم رضاه على السلطة مطالبا بالتغيير الجذري للنظام ، والحراك لابد ان يكون شاملا لا يتعلق بتغيير النظام وفقط بل بتغيير الاعماق والظروف. تناولت مسرحية وقع الاحذية المتعبة" شكلا من أشكال العنف وهو العنف اللفظي ضد الأسرة والذي صدر عن شخصية حكيم نتيجة معاناته القاسية التي كان يعيشها حيث يقول: فأنفجرغاضبا، أنفس فيهم غضبي المكتوب ، منذ أن قدمت على التقاعد الوح بيدي الممدودة فصيب هذا ، فهو حاصل ضغط خارجي عجزت الشخصية تقبله ومواجهة عديد المشاكل والعراقيل في حياتها بذلك انعكس كل ذلك على حياتها العائلية فالضغط يولد الانفجار فالعنف اللفظي أو الجسدي هو كل سلوك غير سوي يقوم به الشخص ضد شخص آخر من أسرته ، فيلحق الأذى به سواء من الناحية الجسمانية او النفسية ما يترتب عنه ضغوطات نفسية للأطفال . -2*5:الحرية: ولا شكّ أنّه يشحذ الهمم للمطالبة بالتغيير وهذه هي أسمى غايات المسرح، وعليه فالحرية مطلب أساسي في حياة الإنسان والمجتمع إلا أن غيابها في ظل الأنظمة المستبدة يولد الإحساس بالقهر والعجز والظلم ففي مسرحية سليم بثقة وردت الحرية كحلم يتوق الفرد الى تحقيقه كما جاء في المقطع التالي: في جو من الاحترام والحرية ، لا توجد خطوط حمراء تفصلنا في أمن ورفاهية بعيدا عن خوف من الاختلاف والتصادم ، نحب بعضنا البعض وننبذ كل اشكال الكراهية ومشاعر البغض"9ظل مطلب الحرية مطلبا مستقبليا متصلا بواقع مأمول ، تسعى خلاله الذات الى العيش داخل الوطن ، عبر تحقيق الاحترام والاستقرار والحب والوئام والبعد عن أشكال البغضاء والكراهية كلها ، ونبذ أصناف العرقية والجهوية بأسرها . فالمجتمع لا يتغير ولما يحقق وجوده الا عبر شعور أفراده بالأمن و الاستقرار. وعليه فهذه العناصر تربطها علاقة وطيدة مع الموضوع المراد طرحه . 3*1:االتحولات الاجتماعية عند الشخصيات في مسرحية وقع الاحذية المتعبة: تعد الشخصية احدى العناصر الدرامية المهمة في تكوين النص المسرحي، واولى هذه الخصائص نلمسها من خلال المفاصل التي تكونها ، ما هو طلقي كالبيئة والهواية والمهنة والمزاج والطباع والعلاقات)ومنها ما يتعلق بوضعها المادي (كالجنس والطول والسن واللون )، ا تبدأ المسرحية بشخصية بشير باعتبارها الشخصية المركزية المثقفة التي تحمل كثيرا من المعاني باعتباره استاذ الاجتماعيات الذي يعيش في تعب وشقاء لكونه لا يملك سكنا خاصا ، بشير:الموظف الكحيتي كما يقول اخوتنا في مصر ، ناهيك عن الايجار الذي يأخذ نصفه. والتطبيب والدواء والكهرباء والماء. عيسى :بالتأكيد لا. لكن قصد صيغ السكن المتاجة. قدمنا طلبات في صيغة السكن ، فأقصينا بسبب الراتب الذي يزيد عن الحد الأدنى فأين المفر*11 ينتمي الى الطبقة المثقفة المحرومة من حقها ، حيث أن الكل من حوله لاحظ تغير مزاجه بعد ان اقدم على التقاعد بدليل قوله: منذ كنا في القماط ونحن ننتظر. "*12 شخصية حمادي صديق بشير وحكيم ، يعيش الشعور نفسه الذي تعايشه الشخصيات المثقفة ، وسياسة الكيل بمكيالين التي يتبعها النظام، تتضح جليا روح التذمر والتمرد على الواقع عند هذه الشخصية دون شعورها باحباط أو تراجع تنادي الى الحراك و مواصلته آملة ببناء دولة الحق والحقوق الجديدة. فكل هذه الشخصيات تعد شخوص محورية لها أثر بالغ في تحريك النص المسرحي ، مستوحاة من الواقع، الوزير الأول : نعم فخامتكم. الرئيس: ما أخبار الخزينة. الوزيرة الأول: الحق، أنا أتحدث عن حاجتنا نحن. *14 متجاهلة المستشار). عن التهم التي وجهت اليكم آنذاك. الرئيس:(بصوت ضعيف )تودين أن أجيب عن أسئلتك بالفرنسية أو بالانجليزية أو بالاسبانية. يتوقف لحظة. ينظر الى المستشار وهو يتبعه بعينين جاحظتين)غير أن الذاكرة أصبحت كالغربال. *15 نلحظ من خلال هذا الجزء موقف الصحفية الذي كان قويا وصارما في استنطاق الرئيس ا محاولة منها لمعرفة حقيقة الوصية التي تركها الرئيس الراحل لكن الرئيس الحالي كان أكثر تلاعبا واستفزازا للتخلص من الاسئلة فهو يعلم اعترافه يشكل خطرا على بقائه في الحكم. وهذا يعني أن الصحافة وسيلة من وسائل الاتصال الجماهيري ، حيث لعبت دورا مؤثرا في تحريض الشعب الجزائري ، وفي الفصل الخامس من المسرحية تحدث الكاتب سليم بثقة عن(أحد نشطاء الحراك، حيث مثلت شخصيتي المتدخل الأول والثاني الفئة المظلومة داخل المجتمع ، وتتمرغ في صمت مكممة الأفواه تعيش ألما وحرقة غير قادرة على الدفاع على حقوقها و أظن أن الحراك بعد أشهر لم يأت لنا بمزيد من الاعتقالات ولم تلمس ثماره فلم الاستمرار؟ أعلمك أن كل واحد منا له قريب في السجن وهم أحياء يرزقون. وإرادة الحياة والحرية وبناء مستقبل زاهر للأمة. اللعبة انكشفت. سنستمر بقوة في حراكنا لرفض هذه المهازل . هذه أشهر ونحن نصرخ بالتغيير. لا للتوريث. لا للتوريث. *17 يهدف الكاتب سليم بثقة من خلال هذه الخطابات المسرحية الصريحة الاعتراف بالمجهودات المبذولة من قبل هذه الفئة المشاركة في الحراك من جهة والسعي نحو تشخيص العلل التي يعاني منها المجتمع الجزائري ، اما بالنسبة للشخصيات الثانوية تبرز تدني مستوى السلطة وانهيار قيمها التي ساهمت في انحطاط مستوى المجتمع الجزائري، فالكاتب كان ذكيا وعلى فطنة في توزيع شخوصه في مسرحية الا انه يمكن ان يلعب دورا هاما في السرد ، فينقسم الى نوعين:مكان تاريخي يتغير بتغير الزمن وآخر درامي يمثل خشبة المسرح. في شقة الكراء غير مؤثرة . بعض لوازم الطلاء. يتأملون الشقة) السمسار:أنت فيها الآن . هيا نلقي نظرة عامة. *19 ولقد كان بشير الشخصية المثقفة التي تفتقد للحماية ، وتشعر بوحشة العراء بعيدا عن الاستقرار الذاتي ، وهنا الكاتب طرح قضية السكن الهاجس الذي يتخبط فيه جل المواطنين الجزائريين ةالي تعد مطلبا اجتماعيا و حقا انساني في المجتمع. اعتمد الكاتب في تحديد المكتب على تفاصيل تجعل هذا المكان يتالف من أجزاء جامدة ممتدة*20، الأرضية بها سجادة ايرانية ذات ملمس طري ناعم، الكاميرات في كل زاوية تسجل كل حركة. ويقدم لنا المؤلف المسرحي مكتب المحقق مرتبطا بقضية التعسف، حيث ناقش فيه المحقق بشير المشارك في الحراك الشعبي، بسبب نشره لوثائق تحرض على النظام وتدعو إلى التظاهر والخروج في مسيرات سلمية . مكتب المحقق به حاسوب وطابعة وهاتف . وكراسي . صورة كبيرة ذات إطار زجاجي لرئيس الدولة . خزانة حديدية في الخلف. .. *22 :قضية التعسف الإداري، لكونه خروج عن إثبات الحق المشروع فيترتب عليه انتشار السلبية التي تؤدي إلى تفشي التعصب والإحباط والناجم عنه الفوضى لا محالة. انه حرية فكرية تحقق استقلالية الفرد وسيادته المقهى وقضية الحوار الاجتماعي:يصف لنا الكاتب المقهى، على أنه المكان العام الذي يجلب كل فئات المجتمع من عمال وموظفين ومتقاعدين . حيث جعلت هذا المكان لتخفيف البؤس وتبادل أطراف الحديث والتعبير عن رايها غير المسموع: مقهى شعبي مع اثاثه البسيط. القاعة الرياضية وقضية التغيير: تشكل القاعة الرياضية مكانا واسعا مغلقا اجتمع فيه الناس، وهذا بعد عدة أشهر من الحراك ، شعارات تملا المكان مطالبة بالتغيير ورافضة للتوريث. منصة . من خلال دراستنا للمكان نلحظ تعدد الأمكنة بتعدد القضايا الاجتماعية ، القاعة الرياضية وقضية التغيير، يعد الزمن عنصرا فاعلا في تشكيل المسرح ، وذلك لكونه يحتل مكانة كبيرة في ناحية سرده للوقائع في فترات زمنية معينة . 1/امشهد وقضية الهجرة الغير شرعية (الحرقة): ويعرف أيضا على أنه "المقطع الحواري الذي ياتي في كثير من الروايات في تضاعف السرد"*26 وقد تناولت مسرحية وقع الاحذية المتعبة عديد المشاهد التعي تعالج قضايا ذات قيم وابعاد اجتماعية ويتظح ذلك في الحوار الذي دار بين عيسى وبشير يقول: قطة حرقت ووصلت لمبيدوزا بايطاليا وأنا قاعد هنا. عيسى: أتهجر وطنك الذي ولدت فيه وترعرعت وتعلمت وعلمت، بشير: (يضحك)المواطنة. المواطنة*27 يوقف المؤلف المسرحي الزمن ليتحدث عن قضية هامة وهي الهجرة الغير شرعية ، "والتي تعني أن المهاجرين يدخلون البلاد دون تأثيرات أو أذونات او رخص مسبقة لاحقة ، وتعاني غالبية دول العالم"*28 ان ما تتعرض له الشخصية المثقفة من تهميش يجعلها تفكر في الهروب من الوطن ولو في قوارب الموت اعتقادا ان المهجر يوفر الرخاء والرفاهية، لكن الكاتب يرى أن المهجر الجنة المزعومة. 2/الاستباق وقضية التعليم وما يتعلق بها" ومن بين الاستباق التي أدرجها الكاتب في مسرحيته ما يظهر من خلال المقطع التالي: أن ترى أولادنا وبناتنا وهو يتنافسون على الابتكار والإبداع لا على لبس السراويل الممزقة وتصفيف الشعر بالكراتين . وان يحاولوا اللحاق بركب الدولة المتحضرة . وأن تنصب على هذا القطاع قامة علمية تحدد هيكله وتنظم قواعده وتعيده إلى سكة الانجازات العلمية التي تفتخر بها الأمة "*29 توحي لنا الشخصيات في هذا المقطع إلى قضية التعليم وما يتعلق بها والتي ترد حلما تتوق الشخصية الى تحقيقه، كونها تأمل رؤية أبناءها يتنافسون على الابتكار والإبداع، أنها تأمل كذلك أن يتحسن المستوى المادي للأساتذة حتى لا يضطرون إلى ممارسة الدروس الخصوصية . حتى يرقى التطور العلمي في المجتمع. 3/االاسترجاع وقضية الشتت الأسري: من خلال الحوار الذي يجمع بين الصحفية والرئيس يعود الرئيس الى نقطة ماضية من الاحداث وهي تذكره بزميلته الصحفية والتي يطول لسانها ويظهر ذلك في قول الكاتب: الرئيس: تتذكرين زميلتك طويلة اللسان ؟. لقد صرنا على ما كنت تنشره على موقعها ، عملا بحرية التعبير، وهي الآن تقبع في السجن ولن تخرج منه الا هيكلا عظميا.