حرج خفيف ​صعدت إلى الأوتوبيس المتجه من "الدقي" إلى "التحرير"، ناولْتُ مُحصِّل التذاكر الجالسُ كالعادة من مقعد قريب من السلّم النصف الجنيه وقلتُ له: "التحرير". أعطاني التذكرة في صمتٍ من دون أن ينظر ناحيتي. انتظرتُ أن يردّ إليَّ البقية، لكنه مال برفبته على الفور في اتجاه باب الأوتوبيس، يتابع الصاعدين وهو يطرق خشبة التذاكر بقلم. استند بِمِرفقيه على مستطيل خشبي مُرتفع أمامه وفرد ذراعيه باستسلام وهدوء، رغم أن وجهه في ناحية أخرى، وأنه يحسّ بنظرتي. ربع الجنيه لا يعد نقودًا، تراجعتُ للخلف، أرسلتُ بصري للشّارع عبر النافذة، ورسمتُ على وجهي تعبير الشخص السارح بأفكاره، أنني نسيتُ الموضوع. أخذ شعور حرج خفيف يروح و يأتي بيني وبين المُحصَّل، تردّها الواحدة إلى الاخرى، فسارعتُ بالهبوط في أول محطة. ووقفتُ أدخن في انتظار أوتوبيس آخر. بعد ذلك بعدة أيام، تصادف أنني ركبتُ مع المُحصِّل ذاته، بَدا كأننا معارف قدامى، أو كأن بيننا تفاهمًا سابقًا مستقرًا بهذا الشأن. تُرى، كم شخصًا استوعب مقلب هذا الإحراج؟ وفجأة، كررها مرتين، فاستدار المُحصِّل إليه غاضبًا: "الم تآخذه؟". وعلا صوت الرجلين في نقاش أقرب إلى الشجار، كان المُحصِّل خلاله يقسم بأفعال أنه ردّ ربع الجنيه إلى صاحبه. ولا ادرى كيف هبط بصر المحصّل على وجهي من بين الرّكاب جميعًا، فناشدني كأنني وقعتُ له من السّماء: "الم تكن حضرتك ههنا عندما أعطيتُه الفلوس؟". أشاح الشاب العامل بذراعه: "لَم تعطني شيئًا!". استنجد بي المُحصِّل ثانية لأشهد معه: "يا أخي قلت له خذ الباقي يا ابني. ". في تلك اللحظة توقّف الأوتوبيس عند محطة، استعاد المُحصِّل هدوءه، ومسح بأطراف أصابعه الطويلة صلعته وتأملني بأسف: "شايف حضرتك؟ انت راكب مثله لكنك لم تقل كلامًا كالّذي قاله. لماذا؟ إنك تعرف الحقيقة: أنت ركبت معي قبل ذلك مرة أو اثنتين. هل سمعت-لا سمح الله- شيئًا كهذا؟". ولمعتْ عيناه يدعوني الا أخذله، لم يحدث". تنفس براحة قائلاً: "الحمد لله، الكلمة الحقّ طلعت مع أني لا أعرفك ولا تعرفني". صعد راكب جديد وأعطى المُحصِّل نصف الجنيه فناولَه تذكرة، وترددت يده في الجو قليلاً، ابتعدتُ عن مقعد المُحصِّل، فعاد إلى عزلته وإلى مزاج اليئس الصافي العميق متوغلاً في نفسه حيث لا أحد غيره. ​هبطتُ في محطتي قرب "ميدان التحرير"،