المسرحية العربية: الريادة والبدايات مرّ مصطلح "المسرحية" بتطورات في تقاليدنا الثقافية في هذا القرن وفي النصف الثاني من القرن الماضي، فأُطلق -أولاً- على المسرحية اسم "الرواية"، وكان ثمة قرينة تشير إلى أنها رواية تمثيلية وليست رواية سردية، ثم استخدمت كلمة "تياترو" للدلالة على المسرحية، ولم يُعرف المسرح ولاالمسرحية بمفهومها المعاصر قبل منتصف القرن الماضي في الوطن العربي، وإنما عرفت أشكال مسرحية تنتمي إلى ماقبل المسرح العربي، ولذلك فإننا سنتوقف في مرحلة الريادة والبدايات عند ثلاثة رواد لايمكننا إغفال أيّ منهم، وهم مارون النقاش وأبو خليل القباني ويعقوب صنّوع، ولكّل منهم تلاميذ ساروا على نهجهم، ثم إننا سنتوقف -في هذا الفصل- عند مسرحية "أبو الحسن المغفّل أو هارون الرشيد" لمارون النقاش، لنحلّلها تحليلاً فنّياً لتدلّ على النصّ المسرحي في مرحلة الريادة من جهة، ولأن لهذه المسرحية فاعلات خفيّة فيما بعدها، كالاتجاه إلى التراث الشعبي للتعبير به عن تجربة معاصرة، ثم إنّ لهذه المسرحية صلة بعيدة أو قريبة ببعض المسرحيات المعاصرة، ومنها مسرحية "الملك هو الملك" لسعد الله ونوس، 1- مارون النقاش مؤسس المسرح العربي: فانتقل بأسرته إلى بيروت سنة 1825، فأتقن فيها مارون القراءة والكتابة العربية، وبرع بتعلّم اللغات، والفرنسية، ودرّت عليه الربح الوفير، ولاسيّما إيطاليا، ليدرس حالات السوق ويستورد بعض السّلع، وسافر إلى الإسكندرية والقاهرة عام 1846، ثمّ عرّج من هناك إلى إيطاليا. ومكث هناك ثمانية أشهر، جثته إلى لبنان"2". ونذر له جهده وماله، فقدّم خمس مسرحيات من النوع الكوميدي، وهو أصعب أنواع الفنون المسرحية وأرقاها، واثنتين من تأليف أخيه الشاعر المحامي نقولا النقاش (1825- 1894)، ودعا إليها علية القوم، فلاقت استحساناً كبيراً، بل هي من تأليفه، ولاأن يمحو فاعليته وشخصيته الذاتية والقومية، فقد غير المكان وأعاد صياغة الشخصيات خالعاً عليها سمات عربية، وذهب الدكتور محمد يوسف نجم في دراسته لهذه المسرحية إلى أن أسلوبه الشعري أقرب إلى الركاكة"3"، ولكنه قال عنها: "زعم الكثير من الباحثين أن مسرحية البخيل لمارون النقاش، هي اقتباس أو ترجمة للمسرحية المعروفة بهذا الأسم، والحقيقة التي لايرقى إليها شكّ، أنّ هذه المسرحية مؤلفة من ألفها إلى يائها. إلاّ أنه لم يقتبس شيئاً من المادة (الموضوع) أو التنسيق الفني بنوعيه الخارجي والداخلي""4"، ويرى أن قراداً «شخصية البخيل في مسرحية النقاش» يقف على قدم المساواة مع "هرباغون" موليير"6". وعى النقاش وأدرك جيداً في مسرحيته الأولى الفروق بين المجتمع الأوروبي الذي أنتج وتلقّى مسرحية موليير "البخيل"، وهو مجتمع ذو إرث مسرحي طويل وذهنية درامية، وبنى المجتمع العربي الذي لم يعرف المسرح من قبل، وبرز هذا الفهم في خطبته التي تلاها عند تقديمه المسرحية، وقد بيّن فيها غاياته من هذا الفنّ الجديد، كما بيّن فيها رسالة المسرح، والأذهان الفريدة الرائقة، الذين هم عين المتميّزين بهذا العصر، وتاج الألبا والنجبا بهذا القطر، ولكنه يحمّلهم قسطاً من هذه التبعة في عباراته التي يمتدحهم بها، ومن هنا يمكننا أن نفسّر الحكمة من إقامة المسرح في المنزل من جهة، وأن يكون علية القوم ونخبتهم أول المدعوّين من جهة أخرى، ثمّ أنّه بين صلة المسرح بالأدب، كما وعى جيّداً أهمية أن تكون الصياغة عربية خالصة، وهو في ذلك يختصر قضايا مسرحية هامة، كالإعداد والتأصيل والهوية وماشابه ذلك. وقد اشتملت هذه الخطبة على فهم واعٍ لوظيفة المسرح وأنواعه والسبب الذي دعاه إلى أن يبتدئ المسرح العربي بالكوميديا المطعّمة بالأشعار والأغاني وتقليد المسرح الموسيقي ملاءمة للذوق العام في بلده، مبيّناً أنّ هؤلاء الممثلين هم في الحقيقة هواة، وهم هواة بلا رواد ولامعلمين ولاآباء في المسرح سوى ماشاهده النقاش واختبره بحسّه، بل هم يجهلون فنّ التمثيل جهلاً يكاد يكون كلياً، فيقول"8": "فأنتم أيضاً ستنظرون عند كثرة تكرارها. والحكم والإعجاب، لأنه بهذه المراسح تنكشف عيوب البشر. وعدا اكتساب الناس منها التأديب. ورشفهم رضاب النصايح والتمدن والتهذيب. واستماع الآلات الموسيقية. ويربحون معرفة الإشارات الفعّالة. وإظهار الأمارات العمالة. والوقايع المسرّة المبهجة. ومنادمة الملوك. وهذا ضرب منها فتمتّعوا". فالمسرح أولاً مواعظ، وأولى وظائفه إبراز العيوب ليتجنّبها المتلقي النبيه، من ظاهرها مجاز ومزاح وباطنها حقيقة وصلاح حتى أنها تجذب بحكمتها الملوك من أعلى أسرّتهم""9"، والمسرح عنده مدرسة في عصر عزّت فيه المدارس والتعليم، وهو رياضة وحركة، ناهيك عن التسلية والمتعة اللتين يقدّمهما للمتفرّج، وهو وجه الناقد المسرحي الذي يتحدّث عنه الدارسون. وقدّم مارون النقاش عام 1849 مسرحية "الشيخ الجاهل"، وهي من تأليف أخيه نقولا النقاش، وقد مثّلت كثيراً فيما بعد، ومن الذين مثّلوها أبو خليل القباني، ثم قدّم النقاش مسرحية "ربيعة بن زيد المُكدَّم" من تأليف أخيه نقولا النقاش، وهي من تأليفه، وتتمتّع ببناء راق بالقياس إلى ماقبلها، وهي كوميديا أخلاقية اجتماعية معاصرة، والتزم الموقف الاجتماعي لكلّ شخصية من الشخصيات، وكان أسلوبه فيها بسيطاً سهلاً قريباً من الواقعية. نجح مارون النقاش في نقل الظاهرة المسرحية من المجتمع الأوروبي إلى المجتمع العربي، وكانت موهبته تهيّئه لمثل هذا الدور، فهو شاعر وموسيقي ومؤلف ومخرج وممثل وناقد، وهذا ماأهّله ليقوم بكثير من الأعمال في المسرحية الواحدة، ويتنبّه على كثير من الأخطاء التي كان يرتكبها هو أو أحد أفراد فرقته التي ألّفها، وقد سلك في التأليف الطريق التي ينبغي للمسرحي أن يسلكها، 2- وأن الرجل كان يمتلك العدّة الثقافية اللازمة التي ترفد أيّ إبداع، وأهمّها معرفة اللغة والاطلاع والسياحة والتجول في البلدان المختلفة. وكان الرجل تاجراً ناجحاً، فلم يكن بحاجة إلى المال ليعيش من مسرحه، وإنما أنفق بسخاء على مسرحه من ماله الخاص، ولم يكن يهمّه سوى النجاح وتأسيس مسرح عربي. 4- وأنّ البداية التي بدأ بها النقاش مسرحه سليمة وصحيحة، وكأنه كان يدرك أهمية أن ينشأ المسرح عربياً، ولذلك ذهب إلى التراث الشعبي في مسرحيته "أبو الحسن المغّفل"، ولذلك أيضاً ذهب إلى الكوميديا مع أنه في خطبته عارف بالأنواع المسرحية الأخرى، وهو النوع المسرحي الأصعب، فبدأ بداية سليمة في مجتمع تجسّمت عيوبه وتعدّدت؟‍ فهو الذي مهّد لها وسوّاها، وألّف فرقته التي أثمرت جهودها المسرحية في بلاد الشام أولاً ثم في مصر، وأنتشر تلاميذه يؤسّسون الفرق ويؤلفون لها المسرحيات، ومن هؤلاء أخوه نقولا النقاش الذي ألّف في حياة أخيه مسرحيتين، ثم ألفّ بعد ذلك مسرحيته "الموصي"، فطرد الجوقة من مصر، وخليل اليازجي (1856- 1889)، وهي مسرحيته "روميو وجولييت"، وألّف عدداً من المسرحيات، منها "الرشيد والأمير غانم" و"المهدي وفتح السودان"، مثلتها فرقة جورج أبيض بتاريخ 5-7- 1914. 2- أبو خليل القباني: وأحبّ رقص السماح، ونظم الشعر والزجل مبكراً، فهو موسيقي نشر فنّ السماح، وله في الغناء باع طويل، ويروى أنه كان يحضر عروضاً لمسرحيين لبنانيين سبقوه، وخاصة لمارون النقاش وأتباعه، إضافة إلى عروض مسرحية في مدارس العازاريين في منطقة باب توما بدمشق تذكر الروايات أنه كان يتردّد عليها ويحضر عروضها P. ثم أنشأ مسرحاً عرض فيه بضع روايات غنائية من وضعه وتلحينه اقتبس حوادثها من "ألف ليلة وليلة"، فكانت تحاصره في منزله، وهي تنشد لإزعاجه: أبو خليل النشواتي يامزيف البناتِ ارجع لكارك أحسن لكْ أبو خليل مين قال لك ارجع لكارك أحسن لكْ وهكذا رحل الرجل إلى مصر عام 1884 فلاقى فيها نجاحاً ملحوظاً، وشاركه العمل الشيخ سلامة حجازي صاحب الصوت الجميل، والراجح أيضاً أنه هو الذي بذر بذرة المسرح الغنائي في مصر ومهّد الطريق للشيخ سلامة حجازي وسيّد درويش وغيرهما مّمن اشتغلوا بالمسرح الغنائي في مصر""12". مثّل وأخرج أكثر من ستين مسرحية غنائية له ولغيره، ألّف منها حوالي خمس عشرة مسرحية، ولم يصلنا منها سوى ثماني مسرحيات، وهي على التوالي: 1- رواية "هارون الرشيد مع الأمير غانم بن أيوب وقوت القلوب"، 2- رواية "هارون الرشيد مع أنس الجليس" تشخيصية ذات خمسة فصول. 3- رواية "الأمير محمود نجل شاه العجم"، وهي غرامية أدبية تلحينية تشخيصية ذات خمسة فصول. وهي مستوحاة من مسرحية "جنفياف"، 5- رواية "عنتر بن شداد" تاريخية أدبية غرامية حربية تلحينية تشخيصية ذات أربعة فصول. 6- رواية "لباب الغرام" أو "الملك متريدات" تشخيصية ذات خمسة فصول، وهي رواية أدبية غرامية حربية. وهي من تأليف جان راسين ترجمها سليم النقاش، ثم اقتبسها القباني، وهي رواية تمثيلية غرامية أدبية ذات أربعة فصول. تنتاب مسرحيات القباني عيوب كثيرة، أهمها: وخاصة "ألف ليلة وليلة"، وخلّف تلاميذ له في سورية، وكان الآخر موسيقياً، أخلص لفن القباني، فألّف المسرحيات التالية: 2- "الصدف المدهشة" وهي روايات تمثيلية ذات عيوب كثيرة. وألّف عدة مسرحيات، منها "أبو عبد اللَّه الصغير" و"الرجوع إلى أدرنة" و"الشريف" و"عمر بن العاص"، ولايختلف هذا المؤلف عن سلفه. 3- يعقوب صنوُّع المعروف بأبي نظارة: (1839-1912 ) ولد في القاهرة وتوفي في باريس، وكان يكتب مسرحياته بنفسه ويجمع الممثلين ويدرّبهم، فإن كوميدياتك وغنائياتك ومآسيك، قد عرّفت الشعب على الفنّ المسرحي. فاذهب، فإنك موليير مصر، ولكنه في الوقت ذاته كان ينزع إلى الحرية والتحرّر، وهو الذي درس في أوربة، ثم غدا مقرّباً أيضاً وقويّ الصلة بالأفغاني ومحمد عبده، ولذلك فإنّ يعقوب صنّوع كان أكثر جرأة من سلفيه النقاش والقباني في طرح القضايا الاجتماعية والسياسية على خشبة المسرح، لم يصل منها سوى سبع مسرحيات كتبت باللهجة المصرية، يذكر الدارسون من مسرحيات صنّوع (آنسة على الموضة (عامية- ملهاة) و(الأميرة الإسكندرانية) و(البربري) و(البنت العصرية) و(البورصة) و(الحشّاش) و(راس ثور وشيخ البلد والقواص) و(الضرتان) و(الغندور) و(الوطن والحرية) و(موليير مصر ومايقاسيه) و(زبيدة) و(زوجة الأب) و(الأخوات اللاتينية) و(الزوج الخائن-بالإيطالية) و(السلاسل المحطمة- بالفرنسية) و(طرطوف -لموليير ترجمة) و(فاطمة -الإيطالية والفرنسية والعربية)"17"، وخاصة في المسرحين الاجتماعي والسياسي من جهة وفي المسرحية المكتوبة باللهجة المصرية من جهة. وأهمها: وقدموا نصّاً مسرحياً، وأن اللبنانيين كانوا السباقين إلى هذا الجنس بحكم اتصالهم المبكّر بأوروبة ولغاتها، وشجّعه الشعب والدولة معاً، ولكنّ المجتمع في بلاد الشام آنذاك كان غير مهيّاً لولادة هذا الجنس الأدبي، وخاصة في ظلّ الاستبداد العثماني. 2- وأن المسرحية كانت تُؤلف أو تُترجم أو تقتبس لتمثّل على الخشبة، فالنص كُتب لهذه الغاية، وهذه سمة عامّة وهامّة وضرورية. فاقترن الغناء بالتمثيل، فلانكاد نجد مسرحية واحدة في هذه المرحلة لايغنّى فيها أو لايصاحبها الغناء والرقص، وقد أدرك مارون النقاش هذه الصفة في مجتمعه، كلتاهما تقرّ فيهما العين، والأخرى تسمى أوبرا، وكان يظنّ أن الأولى أسهل وأوجب في البداية، 4- استمدّت هذه المسرحيات مادتهامن: ب- الواقع الأسطوري: ويقتصر هنا على الترجمة (نجيب الحداد -فرح أنطون). جـ التراث الأدبي: (نقولا النقاش وإبراهيم الأحدب الذي اشتهر بهذا اللون) هـ- الواقع الاجتماعي المعيش: (مارون النقّاش -سليم النقاش -فرح أنطون -يعقوب صنّوع). 5- وأن المسرحيات المترجمة كان ينتابها الحذف والتلخيص مراعاة للأصالة والتأصيل والظروف الاجتماعية، فتصبح مزيجاً من النثر والشعر، وكانت العناوين تعرب، وكان الممثل جاهلاً بكثير من أمور المسرح، وهذا ماوعاه مارون النقاش في خطبته، لأنّ هذا الفنّ بحر زاخر.