كانت تعاليم السلف هى النبراس الذى يهتدى به القضاة في قضاياهم ، وكان كتاب عمر بن الخطاب إلى معاوية بن أبي سفيان في القضاء إبرازاً للطريقة المثلى التي لابد للقضاة في الإسلام من اتباعها والسير على منهاجها ، فالقاضى فى الإسلام : فاهم المصادر الشريعة الإسلامية وبيان الحكم الشرعي في موضوع النزاع المطروح أمامه ، فإن وجد النص قضى به ، وإلا فعليه الاجتهاد برأيه ، كما سئل الإمام أبو حنيفة عن بعض الأمور فقال : لا أدرى ومعنى ذلك أنه يجب إعطاؤه مهلة حتى يجتهد، فقال القاضي عياض : وقد اختلف العلماء في حكم الحاكم بعلمه وما سمعه في مجلس نظره ، فمذهب الإمام مالك وأكثر أصحابه أن القاضي لا يقضى في شيء من الأشياء بعلمه إلا فيما أقر عنده في مجلس نظره وإن لم تحضره بينة (1) به خاصة في الأموال . وبه قال الأوزاعي وجماعة من أصحاب مالك المدنيين وغيرهم وحكوه عن مالك (٢) . وقال الشافعي في مشهور قوليه وأبو ثور ومن تبعهما : إنه يقضى بعلمه في كل شيء من الأموال ، مما سمعه أو رآه قبل قضائه وبعده وبمصره وغيره (۳) وذهب أبو حنيفة إلى أنه يقضى بما سمعه في قضائه وفي مصره في الأموال لا في الحدود (٤) . كان ذلك قبل أن يكون قاضياً حتى تشهد البيئة عنده بذلك (٥) . وكان للقاضي ابن أبى عيسى في التقصى عن إخراج الحقوق من أكابر الناس أخبار كثيرة (٧) . ولا يئس وضيع من عدله (۸) . أو ظن القاضي أن الفتى ممن لم يبلغ من التكليف ، أو قيل له عنه إنه كان مكرهاً وحسب النازلة من باب درء الحدود بالشبهات (۱) وكان قاضي الجماعة منذر بن سعيد يؤثر المذهب الظاهرى ويجمع كتبه ويأخذ بها لنفسه ، فإذا جلس مجلس الحكومة قضى بمذهب مالك وأصحابه ولم يعدل عنه (٢) . ووقع خلاف في مسألة بين فقهاء قرطبة ، دون بينة ، لأنه فيه تعريض نفسه للتهم وإيقاعها في الظنون ، وقد كره النبي صلى الله عليه وسلم الظن . قال ابن سهل : وهذا عندى القياس الصحيح المطرد لمن قال : لا يقضى القاضي بعلمه ، ولا بما سمع فى مجلس نظره ، ويعضده قول مطرف وابن الماجشون وأصبغ في كتاب ابن حبيب : ( إن القاضي يقضى على من أقر عنده في مجلس نظره بما سمع منهم ، وإن لم تحضره بينة (۳). وبه أخذ سحنون ، فلعل بعضكم أن يكون أبلغ من بعض ، فمن قضيت له بحق مسلم فإنما هي قطعة من النار . . . الحديث فللقاضي على ما تقرر من كلام ابن سهل وغيره أن يقضى بما صح عنده و سمعه من أمر الخصمين وله أن ينفذ ذلك بينهما ويمضيه من نظره وحكمه . قال مالك : وإذا قضى بما اختلف العلماء فيه فحكمه نافذ وللحاكم المجتهد أن يتخير عن الاختلاف عليه ، وأضاف ابن سهل : وإن لم يكن على ما قضى به مذهب العلماء بذلك الموضع فليس لقاض بعده نقضه ولا اعتراضه ، وأنه نافذ تام . وإن ظهر له في نفسه أن قول غير من أخذ بقوله خير مما أخذ به كان له نقضه هو خاصة ولم يكن ذلك لأحد بعده (۲). وذكر ابن سهل تطبيقاً عملياً لذلك في مسألة ( دعوى في خندق بين فداني رجلين حفر أحدهما فيه فاشتكى الآخر أذاه أن الخليفة عثمان بن عفان رضى الله عنه رفض النظر في أمر قضى فيه عمر رضى الله عنه ، أن ينفذ الظاهر البين من الأمور ، ويستعمل الأناة والتؤدة فيما التبس عليه ، وكان عنده فيه شك حتى تظهر له الحقيقة أو يصير المتخاصمان إلى التصالح والتراضي (4) . وكذلك كان القاضي أبو بكر ابن السليم (٥) . وقال ابن سهل : ( إذا انعقد في مجلس القاضي مقال بإقرار أو إنكار وشهد عنده به على القائل شهود المجلس أنفذ القاضي تلك المقالة على قائلها ولم يعذر إليه في شهادة لكونها بين يديه وعلمه بها وقطعه بحقيقتها (1) . ٢٤٥ من ٧٤٨ بعد هذا العرض لكيفية قضاء القاصي في الأندلس نعرض لسؤال آخر : هل كان يقضى قضاة العراق بهذه الكيفية ؟ أم أن هناك اختلافاً . قال ابن العطار : ووافقنا أهل العراق على أن القاضي لا يقضى بما سمعه أو عرفه قبل أن يستقضى ، لكنه عندنا وعندهم إذا خوصم عنده في ذلك بخلاف ما عرفه ، فلا يحل له أن يسمع منهم ولا يقضى به ويدفع الخصمين عن نفسه ويكون شاهداً عند من يتحاكمان إليه . ولا يشهد عند قاض قدمه لأنه كأنه عند نفسه يشهد . وليشهد عند السلطان الأعلى الذى تؤدى إليه الطاعة، أو عند من يقدمه السلطان لا القاضي ، لأنه إذا شهد عند قاضيه ومقدمه فكأنه عند نفسه ويرجع الأمر إلى القاضي بعلمه وبالقول الأول القضاء وعليه الفتوى (1) بيد كل واحد منهما نسخة أو نسختين الواحدة عند نفسه ، وسئل القاضي أبو المطرف الشعبي عن حاكم حكم على رجل بأشياء جرت على غير الحقيقة ، وذكر أنه استبد فيها برأيه وأبى أن يشاور أحداً من الفقهاء. فأجاب : كان ينبغى لهذا الحاكم أن لا يستبد برأيه ويتبع سنن من مضى من حكام العدل ، فأفتى بما أوجب الحكم عليها ٢٤٦ من لخصمها (۳) ولقد نبه إلى ذلك الفقيه ابن عبدون في رسالته ، ولا يكون الفقهاء أكثر من أربعة :اثنين من مجلس القضاة واثنين من مجلس الجامع كل يوم (1) ، وانفرد بعض قضاة الأندلس بمنهج خاص في أسلوب الحكم بالرغم مما ذكره المقرى من أن أهل قرطبة كانوا أشد الناس محافظة على العمل بأصحالأقوال المالكية ، وكذلك كان يحيى بن معمر قاضي الجماعة إذا أشكل عليه الأمر واختلف عليه الفقهاء كتب إلى مصر إلى أصبغ بن الفرج وغيره ، وكشفهم عن وجه ما يريده . وكذلك تعجب ابن سهل فى نوازله من قضاة الأندلس المتأخرين ، أي من قضاة بداية القرن الخامس الذين كانوا يكتبون لفقهاء القيروان لأخذ رأيهم في بعض المسائل ولم يعولوا في فتياهم على فقهاء قرطية (٥) . ولقد عرض ابن سهل فى نواز له أيضاً بتفصيل واف، وعلق على ذلك بتعليقات وافية وهامة وكان لبعض القضاة آراؤهم فى مخالفة مالك أو أصحابه في بعض المسائل (1) أو منهج خاص بهم ؛