هل من يعتبر والجميع يزورون المقابر، يحيون بالأزهار قبور ذويهم، ويحسنون إلى الفقراء والمعوزين بهذه المناسبة. وبلا شعور رأيني أتوجه إلى مدينة من مدن الأموات، هنيئًا لسكان هذه المنازل الهادئة، وسعدًا للنائمين بين جدرانها الضيقة، فقد أمنوا شرور المجتمع، أمانًا لتلك الأجساد الهامدة، فقد عرَّتها المنية من دقائق الحياة، مدنية السكون والراحة، حيث تتلاشى مطامع هذا العالم الفاني، وقفت هنيهة أتأمل وأفتكر. وقفت لأناجي عظام من سبقوني. وتركوا معها أباطيل الدنيا وترهاتها. وإن غفلت عن الآخرة يذكرونني، في تلك البيوت الحقيرة، بدت لعيني عظمة ليس بعدها عظمة. وما دروا أن ليس بالخبز وحده يحيا الإنسان، مهما سمت وتعالت، ولكن الضمير الحي وحده يثبت في وجه العدوان ثبوت الصخرة أمام العاصفة. وتلك هي الحياة الثانية التي لا يلاشيها موت ولا تسحقها طوارق الحدثان ولا تنسخها أيدي الزمان. ويمنحهم الطوبى، ويحرق لهم بخور الاحترام ويضفر أكاليل الثناء. فسمَّرتني بمكاني أفكاري، ثم نهضت أنفض ثيابي، ورأيني مدفوعًا إلى قبر عالٍ قام على أعمدة من الرخام، مزين بالأكاليل المزركشة والتماثيل البديعة، فتقدمت ووقفت متأملًا علِّي أرى ما يوحي إلي أسرار عظمة ساكنه، ومآثره التي قلد بها جيد الإنسانية، بل القصر الشاهق، رجل قضى أيامه جامعًا لشتات الدنانير، محملًا إخوانه في البشرية نيره الثقيل. فمن أتعاب أولئك التعساء وعرق جبينهم جمع الثروة التي كانت سببًا لسعادته بضعة أيام وراحة عدة سنين. عاش في حياته تحت سماء القصور غارقًا بين حشايا الحرير، ورقد رقادًا أبديًّا في ضريح أرفع من قبور الفقراء. وقفت أمام ذلك الضريح العالي أقول في نفسي: ماذا يقصد هذا الغني من هذا الضريح الشاهق؟ أيطمع بذكر خالد ويرغب في الثناء الطويل؟ كل هذا كان قد ناله مضاعفًا لو أنفق ما أنفقه على هذا القبر في سبيل البر والإحسان. ولامستها الريح بأصابعها. فيا أيها الغني صاحب الملايين والأملاك المترامية الأطراف ابنِ الضريح، وكفنوه بالحرير والديباج، ولكن هيهات أن تحفظوه من الفساد، ولا تبقى غير آثاره التي تستحق التخليد. ثم حولت نظري إلى جانب ذلك الضريح فرأيت حفرة تبدو عليها المسكنة، تحرسها قطعة من خشب وقد كُتب عليها: «هنا دُفن فلان المسكين اللاجئ إلى هذا البلد. فقير، نعم، واعلم أن العظمة بالبساطة، واقترب من الروحيات؛ يعود إلى حضن الطبيعة منبع البساطة والسذاجة. كان ترابه لا يزال رطبًا، وكانت الأم منحنية عليه، فما رأتني حتى ظنتني شبحًا طالما أرعب الناس في ظلام الليل فلم يأتوا المقابر خوفًا منه. فهدأت روعها وقلت لها: لا تخافي، جئت في هذه الساعة لأؤنس الأموات في وحشتها. أنت تبكين على ابنك وأنا أبكي على كل هؤلاء الراقدين، ويصبح العقد المنظوم منثورًا. فضربت المرأة صدرها وقالت: ولدي، وا لوعتاه على ولدي، صغيري الملك الطاهر يموت، وتعزي على فقد وحيدك، فهنيئًا له. لقد تخلص من متاعب الأرض ومفاسدها ومهما قصر عمر الإنسان كان سعيدًا. وتركتها أريد الخروج؛ لأن وطأة الأحزان كانت قد ثقلت عليَّ، فرأيت على طريقي ضريحًا مموهًا بالكلس، فتركته ولم أعرج عليه بل قلت: ما أكثر أمثال هذا الضريح بين البشر. أيظل يصح بها القول: ما زال فيها الألمعي غريبًا؟ أهكذا يكون جزاؤك؟ فسوف تكرم رفات ذوي الفضل ويرفع منار العلم والأدب. وفيما أنا أهم بالخروج، رأيت من عن يميني بلاطة رخامية ناصعة البياض لم يمر عليها أزميل نحات، ولم يحط عليها حرف، فسألت الخفير، فقلت: هذه الصفحة البيضاء هي رمز التاريخ، نجيء الدنيا لنكتب عليها بيدنا أعمالنا، فمن مخبر عني قادة الشعوب المعتدين الجائرين أن هذه البلاطة في انتظارهم، وسيحفر عليها أزميل النحات الأكبر كلمات لا تزول.