هذه هي الشَّهادةُ الَّتي تَنفَعُ صاحِبَها في الدَّارِ الآخِرةِ، والرُّكنُ الثَّاني: إقامةُ الصَّلاةِ، والمُرادُ بإقامتِها: المُحافَظةُ على أداءِ الصَّلَواتِ الخَمسِ المَفروضاتِ في اليَومِ واللِّيلةِ، بشُروطِها وأركانِها وواجباتِها. والرُّكنُ الثَّالِثُ: إيتاءُ الزَّكاةِ المَفروضةِ، وهي عِبادةٌ ماليَّةٌ واجِبةٌ في كُلِّ مالٍ بَلَغَ المِقدارَ والحدَّ الشَّرعيَّ، وحالَ عليه الحَولُ -وهو العامُ القمَريُّ (الهِجريُّ)- فيُخرَجُ منه رُبُعُ العُشرِ، وأيضًا يَدخُلُ فيها زَكاةُ الأنعامِ والماشيةِ، وهو الكَنزُ المَدفونُ الَّذي يُستخرَجُ مِنَ الأرضِ، والرُّكنُ الرَّابِعُ: صَومُ رَمضانَ، وهو: الإمساكُ بنيَّةِ التَّعبُّدِ عنِ الأكلِ والشُّربِ ووَطءِ النِّساءِ، من طُلوعِ الفَجرِ إلى غُروبِ الشَّمسِ. والرُّكنُ الخامِسُ: حَجُّ البَيتِ الحَرامِ، ويَكونُ بقَصدِ المَشاعِرِ المُقدَّسةِ لإقامةِ المَناسِكِ، ويَلزَمُ لوُجوبِه: القُدرةُ والاستطاعةُ الماليَّةُ والبَدنيَّةُ. فلمَّا بيَّنَ النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ أركانَ الإسلامِ، قالَ الرَّجُلُ للنَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ: صَدَقتَ، ونطَقتَ يا مُحمَّدُ كَلامًا صادِقًا صحيحًا فيما أجَبتَ، ثُمَّ يُؤكِّدُ أنَّ الإجابةَ صَحيحةٌ كأنَّه يَعلَمُها، ثُمَّ سألَ الرَّجُلُ النَّبيَّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ عنِ الإيمانِ؛ ما هو؟ فقالَ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ مُجيبًا له مُبيِّنًا حقيقةَ الإيمانِ وأركانَه وأنَّها ستَّةٌ؛ وهو التَّصديقُ والإقرارُ بوُجودِه سُبحانَه، وأنَّه تَعالَى مَوصوفٌ بصِفاتِ الجَلالِ والكَمالِ، وأنَّه المُستحِقُّ وَحدَه لكلِّ أنواعِ العِبادةِ دُونَ ما سِواهُ. والرُّكنُ الثَّاني: الإيمانُ بالمَلائكةِ، والإيمانُ بهِم يَكونُ باعتِقادِ وُجودِهم على الصِّفةِ التي خلَقَهمُ اللهُ عليها، وأنَّهم خَلقٌ عَظيمٌ من خَلقِ اللهِ تَعالَى، وأنَّهم عَبيدٌ لله وليسوا بمَعبودينَ، بَل هُم عِبادٌ مُكرَمونَ مَجبولونَ على طاعةِ اللهِ تَعالَى؛ وذلك على جِهةِ الإجمالِ؛ فالملائكةُ مِنهمُ المُوكَّلُ بالوَحيِ، إلى غيرِ ذلك ممَّا أخبَرَ اللهُ تَعالَى به في كِتابِه، أو أخبَرَ به نبيُّه صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ في السُّنَّةِ من أصنافِهم وأخبارِهم وأحوالِهم، فهذا إيمانٌ تَفصيليٌّ يَلزَمُ العبدَ الإيمانُ به إذا عَلِمَه. والرُّكنُ الثَّالِثُ: الإيمانُ بالكُتُبِ السَّماويَّةِ المُنزَّلةِ على رُسُلِه، كالقُرآنِ المُنزَّلِ على نبيِّنا مُحمَّدٍ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ خاتَمِ الأنبياءِ والمُرسَلينَ، والتَّوراةِ المُنزَّلةِ على مُوسى عليه السَّلامُ، والإنجيلِ المُنزَّلِ على عيسى عليه السَّلامُ، والزَّبُورِ المُنزَّلِ على داودَ عليه السَّلامُ، وصُحُفِ إبراهيمَ ومُوسى عليهما السَّلامُ. والإيمانُ بها يَستلزِمُ التَّصديقَ بأنَّها كلامُ اللهِ تَعالَى، وأنَّ ما تَضمَّنَته -ممَّا لم يُحرَّف أو يُبدَّل- حقٌّ، وأنَّ اللهَ أنزَلَ القُرآنَ العَظيمَ حاكمًا على هذه الكُتُبِ؛ ويَحكُمُ عليه بالنَّسخِ أوِ التَّقريرِ، ويُصحِّحُ ما وقَعَ فيها من تَحريفٍ وتَبديلٍ وتَغييرٍ. والرُّكنُ الرَّابِعُ: الإيمانُ برُسُلِ اللهِ، وهو الإيمانُ بأنَّ اللهَ تَعالَى بَعَثَ إلى خَلقِه رُسُلًا مِنَ البَشَرِ يَدعونَهم إلى عِبادةِ اللهِ وَحدَه، ويَشمَلُ ذلكَ الإيمانَ بالأنبياءِ والمُرسَلينَ جميعًا، وألَّا نُفرِّقَ بينَ أحدٍ منهم، وأنَّ خاتَمَهم نبيُّنا مُحمَّدٌ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ، فيَجِبُ على كلِّ مَن سَمِعَ به مِنَ العالَمينَ أن يُؤمِنَ به، ومَن كَفَرَ برِسالتِه صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ فقد كَفَرَ بجَميعِ الأنبياءِ والرُّسُلِ، ويَستلزِمُ الإيمانُ بهِمُ: الإيمانَ بأنَّهم هُداةٌ مُهتَدونَ، وأنَّ اللهَ تَعالَى أيَّدَهم بالمُعجِزاتِ والبَراهينِ الدَّالَّةِ على صِدقِهم، وبيَّنوا للمُكلَّفينَ ما أمَرَهم ببَيانِه، والرُّكنُ الخامِسُ: الإيمانُ باليَومِ الآخِرِ، ومَعناهُ: التَّصديقُ بيَومِ القيامةِ، وأنَّهما دارَا ثوابِه وجزائه للمُحسِنينَ والمُسيئينَ. إلى غيرِ ذلك ممَّا صحَّ نصُّه وثبَتَ نَقلُه. والرُّكنُ السَّادِسُ: الإيمانُ بالقَدَرِ، المُحيطُ بِمَقاديرِ الأشياءِ وأحوالِها؛ فتُؤمِنُ إيمانًا كامِلًا بأنَّ جَميعَ الأمُورِ خيرِها وشَرِّها، وتُؤمِنُ أنَّ اللهَ تَعالَى يسَّرَ كُلَّ مخلوقٍ لِمَا خُلِقَ له، والذي يَدُلُّ على أنَّ القَدَرَ رُكنٌ من أركانِ الإيمانِ، وأنَّ إنكارَ مَعبَدٍ الجُهنيِّ للقَدَرِ خطأٌ ومُخالِفٌ لِما أخبَرَ به النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ وما صدَّقَه به جِبريلُ عليه السَّلامُ. وهكذا بيَّنَ النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ في هذا الحديثِ أصْلَ الإيمانِ، كما بيَّنَ أصلَ الإسلامِ، فتَحصَّلَ من ذلك أنَّ كُلَّ مُؤمِنٍ مُسلِمٌ، ثُمَّ سألَ الرَّجلُ النَّبيَّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ عنِ الإحسانِ، والمُرادُ به هنا: الذي يَكونُ في عِبادةِ اللهِ سُبحانَه، وفيه قالَ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ: «أنْ تَعْبُدَ اللهَ كَأنَّكَ تَراهُ، فإنْ لم تَكُنْ تَراهُ فإنَّه يَراكَ»، ونِهايةُ مَقامِ الإحسانِ: أن يَعبُدَ المُؤمِنُ ربَّه كأنَّه يَراه بقَلبِه؛ فيَكونَ مُستحضِرًا ببَصيرتِه وفِكرتِه لهذا المَقامِ؛ فإن عَجَزَ عنه وشقَّ عليه انتقَلَ إلى مَقامٍ آخَرَ، وهو أن يَعبُدَ اللهَ على أنَّ اللهَ تَعالَى يَراه ويَطَّلِعُ على سِرِّه وعَلانيتِه، فقالَ النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ: «ما المَسؤولُ عنها بأعلَمَ منَ السَّائلِ»، أي: إنَّ الخَلقَ كُلَّهم في العِلمِ بوَقتِ السَّاعةِ سَواءٌ، وكلُّهم غيرُ عالِمينَ به على الحقيقةِ، وفي هذا إشارةٌ إلى أنَّ اللهَ تَعالَى وحدَه استأثَرَ بعِلمِها، ولهذا قالَ النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ -كما في الصَّحيحَينِ من حديثِ أبي هُرَيرةِ رَضيَ اللهُ عنه: «في خَمسٍ لا يَعلَمُهنَّ إلَّا اللهُ»، ثمَّ تَلا: {إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْأَرْحَامِ وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَاذَا تَكْسِبُ غَدًا وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ} [لقمان: 34]، فقالَ الرَّجلُ للنَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ: فأخبِرني عن أمارتِها، وهي عَلامتُها الدَّالَّةُ على اقترابِها؛ ويَحذَرُوا أمْرَ اللهِ بالتَّوبةِ والرُّجوعِ إليه، فذَكَرَ له النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ بعضَ علاماتِها، ومِنها: أن تَلِدَ الأمَةُ المَملوكَةُ رَبَّتَها، وفي حديثِ أبي هُريرةَ رَضيَ اللهُ عنه في الصَّحيحَينِ: «ربَّها» أي: مالِكَها ومَولاها، قيلَ: هذا إشارةٌ إلى كَثرةِ العُقوقِ، بحيثُ يُعامِلُ الولدُ أُمَّه مُعاملةَ السيِّدِ أمَتَه. وقيلَ: هو أن تَكثُرَ الفُتوحُ في بِلادِ الكفَّارِ، حتَّى تُجلَبَ المرأةُ من بَلدِ الكفرِ صَغيرةً، فتَشتريَها البِنتُ وتَستخدِمَها جاهلةً كَونَها أُمَّها، والعَلَامةُ الأُخرى: «أنْ تَرى الحُفَاةَ» وهو مَن لا نَعلَ له، «العُراةَ» الَّذين لا ثَوبَ يَستُرُهمُ، «رِعاءَ الشَّاةِ» أي: رُعاةَ الغَنَمِ، أي: يَتَنافَسونَ في ارتفاعِه وكَثرتِه؛ فيُوسِّعَ عليهم في أرزاقِهم ومَعيشتِهم، ولا يَشكرونَ نِعمةَ اللهِ التي أسدَاها إليهم بعدَ فَقرِهم. أوِ المَعنى: أنَّهم يَتملَّكونَ الأمرَ بالقَهرِ والغلبةِ، فتَنصرِفُ هِمَمُهم إلى تَشييدِ المَباني وهَدمِ الدِّينِ وشَريفِ المعاني، ويؤيِّدُ هذا ما رواه أحمدُ والتِّرمذيُّ عن رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ أنَّه قالَ: «لا تَقومُ السَّاعةُ حتَّى يَكُونَ أسعَدُ النَّاسِ بالدُّنيا لُكَعَ ابنَ لُكَعٍ». ثُمَّ بعدَ أنِ انتهى الرَّجلُ انطَلقَ وانصرفَ وغابَ عنِ النَّاسِ، أي: زَمانًا طَويلًا، ثُمَّ قالَ له النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ: يا عُمَرُ، أتَدري -أي: أتَعلمُ- مَنِ السَّائلُ؟ فقالَ: اللهُ ورسولُه أعلمُ، فأجابَه صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ أنَّه جِبريلُ عليه السَّلامُ، لأنَّه السَّببُ في الجَوابِ عنِ السُّؤالِ وتَحصيلِهم هذا العِلمَ الغَزيرَ النَّافعَ لهُم في دينِهم وآخِرتِهم.