كان يوسف في طريقه إلى بَيْتِهِ الكَائِنِ في طَرَفِ مُخَيَّم جباليا، حَديثُهُ مَعَ رَفِيقِهِ مُحَمَّدٍ في الصف التاسع مُخْتَلِفٌ هَذِهِ المَرَّةَ، وَمَحَلَّ الأَلْعابِ الَّذي يَلوذُ الصاحب حالما يُغَادِرُ المَدْرَسَةَ، الجرحى سيارات الإسعاف . هَلْ كَانَ يَدُورُ بِخَلَدِهِما أَنَّ أَمْراً صاعقاً سَيُبَدِّلُ حَياتَهُما بَعْدَ دَقَائِق؟ هل كانا يَظُنَانِ فِي لَحْظَةٍ أَنَّ شَيْئاً ما المواجهات سَيَدْهَمُهُما، وَيُدَمِّرُ إِلى الأَبَدِ أَحْلامَهُما الصغيرة؟ أَبْوَاقُ سَيِّارَاتِ إِسْعَافٍ، رَصاص يَتَناثَرُ حَوْلَ الفِتيَةِ ، الجُنودُ يَتَمَتَّرَسونَ خَلْفَ حَوَاجِزَ إِسْمَنْتِيَّةٍ بَعِيدَةٍ، مَسافَةٌ لا تَصِلُها حِجَارَةُ الصِّبْيَةِ ، قَنَاصٌ المكانُ مَكْشوفٌ، يَنْبَطِحُ الفِتَيَةُ على الإِسْفَلْتِ، رَصَاصُ القَنْصِ يَمْرُقُ مِنْ فَوْقِ رُؤوسِهِمْ، رَصَاصَةٌ تَسْتَقِرُّ فِي رَقَبَتِهِ ، صُراخٌ، تُغادِرُهُ المَرْئيَاتُ . مُسْتَشْفَى الشَّفاءِ بِغَزَّةَ يعج بالناس، ضمادات ، غُرْفَةُ العِنَايَةِ المُكَلَّفَةِ، لَمْ يَعُدْ لِأَسْرَةِ يُوسُفَ مَكانٌ غَيْرُ مَمَرَّاتِ المُسْتَشْفَى، أَضْحَتِ الهُمومُ تَأْتِي ني راحَةُ البَالِ وَهُمْ يَرَوْنَ يُوسُفَ وَهُوَ يَتَحَوَّلُ إِلَى جُنَّةٍ أَمَامَهُم؟! جزءاً مِنْ حَيَاةِ أَفْرَادِ الأُسْرَةِ، يَبْحَثُ عَن إِجابَةٍ تُعيدُ للنَّفْسِ بَعْضَ هُدوئها . إمكانياتنا محدودةٌ في مُسْتَشْفَى الشَّفاء، أَخْتام، قلق لا ينتهي في انتظار التحويلة. أَرْبَعَةُ أَشْهُرٍ كامِلَةً أمضاها يوسف في مُسْتَشفى الرياض، اثْنَنَا عَشْرَةَ عَمَلِيَّةٌ جِرَاحِيَّةً أُجْرِيَتْ فِي رَقَتِهِ وَعَيْنِهِ، عِنْدَمَا بَدَأَ يَسْتَعِيدُ وَعْيَهُ، سَمِعَ الطَّيِّيبَ وَهُوَ يُبَلِّعُ وَالِدَهُ بِأَنَّهُمْ سَيَقُومُونَ أَخيراً بِتَرْكِيبٍ عَيْنٍ زُجَاجِيَّةٍ عِوَضاً عَنِ العَيْنِ المَفْقُودَةِ، وَأَنَّ النور عائد ثانِيَةً إِلى عَيْنِهِ، سَيَقْفِرُ ثانِيَةً فَوقَ شوارع المُخَيَّمِ، وَهُوَ يُطَارِدُ كُرَتَهُ العتيقة المحبوبة، وَلَنْ يُعِيقَهُ شَيْءٌ بَعْدَ اليَوم. عِنْدَمَا أَرَالُوا الأَرْبِطَةَ عَنْ عَيْنِهِ، فُوجِيَ بِأَنَّهُ لَمْ يَعُدْ يُبْصِرُ الأَشْيَاءَ إِلَّا بِبَقِيَّةِ نورٍ فِي عَيْنِهِ اليُمْنى، أَصْبَحَ حَبِيسَ أَكْوامٍ مِنَ العَتَمَةِ، كَمْ كَرِهَ تِلكَ العَيْنَ الزُّجَاجِيَّةَ الَّتِي احْتَلَّتْ جَفْنَيْهِ، يُحِسُّ بِعَذَابٍ لَمْ يَعْرِفُهُ تَغْيِيرِ بَعْدَ سِتَّةِ أَشْهُرٍ من قبل، حينما يَقومُ بِلِبْسِهَا أَوْ خَلْعِها . أَكَدَ الطَّبيب لأبيهِ أَنَّ تـ تِلكَ العَيْن بحاجة إلى حَتَّى تَتَنَاسَبَ مَعَ وَجْهِهِ. عندما عاد إلى المَدْرَسَةِ بَعْدَ سِتَّةِ أَشْهُرٍ عَلِمَ أَنَّ صَدِيقَهُ مُحَمَّداً لَنْ يَعود للمَدْرَسَةِ، فَرَصَاصَةُ القَناصِ الَّتِي اسْتَقَرَّتْ فِي رَأْسِهِ أَفْقَدَتْهُ جُزْءاً كبيراً مِنْ تَرْكِيزِهِ وَذَاكِرَتِهِ، كَيْ يَحْجِرَ مَرْتَبَةً مُتَقَدِّمَةً بَيْنَ أَوائِلِ الصَّفٌ، تَراجَعَ تَرْتِيبُهُ ، لَمْ تَعُدْ كُرَةُ القَدَمِ الَّتِي كَانَتْ تَرْقُدُ إِلى جَانِبِ وِسَادَتِهِ تُرَاوِدُ خَيالَهُ، أَصْبَحَ كُلُّ هَمِّهِ الآنَ الابْتِعادَ عَنْ باقي أَقْرَانِهِ، وَلَم تجد محاولات الاب نفعا في سبيل ايجاده او توفيره.