أسلمت الشمس نفسها للمعيب وأخذت تحتجب وراء السفن الراسية في البحر . وأرسلت خيوطها من وراء تلك السفن التطرز حواشي السحب، ثم بدأت السحب تشيع الشمس إلى مثواها الأخير باكية، وغابت الشمس وبدأ الليل يرخي لدوله على الكون ويطغى على حمرة الأفق، أحدق النظر في قوارب الصيد المسائرة أمامي لا أراها. توقف ليحدد آفاقي التي أنا هائم فيها ما أروع هذه الصورة . ظهر لينكسر ضوءه في مياه البحر ، لقد وجدت نفسي. نعم مضى. لكنه ماض حزين يذكرني بقسوة هذا البحر الهادئ الأمن الداعي إلى التأمل والتفكر فتَسلَّمْتُ عنان نفسي لأخوض غمار هذه الذكريات المحزنة لعلي أجد في ذلك سلوى النفسي المكلومه. وقد أخذت الشمس مكانها في كبد السماء لتلفح وجوه الناس بأشعتها، وترفع من درجة حرارة كل ما يصادف طريقها أبحرت السفينة من بلدي كما كانت تبحر كل مرة فك ( القلاص) وعلى ظهرها ما يربو على خمسة عشر بخارا مثل وقع عليهم الاختيار بحكم درايتهم بأمور البحر وبمن اتصفوا بالعقل والتفكير وحسن التصرف، أضف إلى ذلك الصداقة التي كانت تجمعهم بأبي. وجلست مع أبي تراجع بعض الحسابات الخاصة بالبخارة ثم تحدث أبي عن أمنيته أن يراني خلفا له، وأن يجدني متزوجا وقد رزقت ببنين وبنات فيعبثون بلحيته البيضاء، وتنهد أبي وكأنه أزاح عن صدره حملا كان يقلقه وهو يقول: (قدرتك يا رب كم غربت علي شمس وطلعت وأنا بعيد عن ملاذي بعيد عن أم أحمد). وأدينا فريضة المغرب وجمعنا جميعًا لحفل واحد لتناول طعام العشاء. وهذا هو سر حبهم له وتفضيلهم له على سائر (النواخذة)، لم نكن نرى سوى النجوم المنتشرة كحبات اللؤلؤ المتناثرة على صدر الحسان شيء يدعو إلى التفكير وإلى التأمل في مبدع هذه الأشياء، في الله سبحانه وتعالى الذي سخر البحر لتجري فيه السفن، وسخر النجوم ليهتدي بها البحار . انتهى دور التمر وبدأ دور تجاذب أطراف الأحاديث الشيقة عن حياتهم الخاصة تارة، وعن الأماني التي ينشدونها تارة أخرى، لكنه مجتمع متحاب مجتمع هؤلاء البحارة على ظهر هذه السفينة. وكأنها ملكة هذا العالم لكن مع بزوغ فجر اليوم الثالث بدأت السفينة تتنازل عن بعض كبريائها وتحد من شموخها وباتت وشبكة الوضوح المطالب الظروف الجديدة . هبت العاصفة الحمراء من حيث لم تعمل له حسبانا، هيت مصحوبة بأمواج كالجبال وتغير الموقف كلية على ظهر السفينة، بل لمواجهة هذا الخطر المرعب لمواجهة الموت فلا مكان للسمر والأحاديث هنا وارتفعت الأيدي إلى النماء. وبدأت توجه الضربات إلى صدر النسفينة بلا رحمة حتى احمر صدرها وازداد الموقف تعقيدا فالكل ينتابه الخوف والارتباك ومتوجه بتفكيره إلى نهاية هذا المطاف والمصير المنتظر، بدأت الأمواج كالسرب الزاحف فأمر والذي بإلقاء بعض الحمولات لعل أن نتفادى هذا الخطر، لكن هيهات هيهات أن تواجه السفينة هذا الجيش الغازي بقصه وقصيصه ومن ثم أصبحت السفينة لعبة في يد الأمواج والرياح تسيرها حسب كيفيتها . ودعوت الله، وبدأت مرحلة أخرى مرحلة الصراع مرحلة مواجهة الموت وجها لوجه مع الأمواج والرياح. واشتد وطيس المعركة بين هذا الجيش الجبار وبين هذه الفئة البائسة التي لا تملك من أمرها شيئًا والمغلوبة على أمرها، وتمنيت لو اجتمع الشمل مرة أخرى فقط لمجرد الجمع، ففي هذه الحالة يود الإنسان أن يلقى حتفه مع المنكوبين مثله وليس بمفرده، وقضيت أيامًا أستعيد فيها صحتي في كتف ذلك الصياد، المؤلمة. الآن سأتركك لأرجع إلى بيتي.